جديد المراقب

(الإسلام بين الشرق والغرب) لبيكوفتش.. تناحر الإيدولوجيات والديانات

1215

أحمد رمضان/ كاتب مصري

يناقش بيجوفيتش في كتابه الرائع تناحر الايدولوجيات والديانات فيما بينهم وعدم الثبات على حقيقة ثابتة، وبأسلوب تجريدي أخصّ بيجوفيتش النظرية الماركسية لما لها من مؤيدين كثر بالعالم في القرن العشرين حيث استطاع المؤلف ان يستفيض حول الفكرة الشيطانية (المادة) وربطها بما سيعود علي سيكولوجية الانسان من ناحية, وعرض فكرة تقدم الحضارة في الدول الاوروبية المعتنقة للمسيحية فيقول (الثقافة، الروح، هي تاثير الدين في الانسان, اما الحضارة، المادة، فهي تاثير الذكاء في الطيبعة) وهنا تلخيص لفكرة الكتاب.
فلقد اتجه اتباع داروين والمسيحية على التقدم الحضاري والمادي حتي تنبأ المؤلف بانهم مستقبلا سيقومون باختراع (الانسان الالي) وهذا ما حدث تماما ونسوا (روحهم), وذاك ما يهدف اليه الدين الاسلامي فيقول المؤلف (الالهام الذي ربط بين حرية العقل وحتمية الطبيعة يبدو انه هو نفسه الذي ربط بين الصلاة والوضوء) وهنا عبقرية بيجوفيتش في ضرب هذا المثل على مزج الاسلام بثنائيته بين الروح والطبيعة (الحضارة), عكس الايدولوجيات الاخرى (احادية الجانب) فمثلا الاشتراكية عدّها نتيجة عملية واجتماعية للمادية ـ كما يقول المؤلف ـ فإنها لا تتعامل مع انسان بل تصفه انه (حيوان ذو عقل او ناطق) وهذا يتنافي تماما مع الدين الاسلامي لو انهم اعتنقوا وطبقوا الاسلام, فلقد عاشوا اصحاب تلك المعتقدات في رفاهية وبزخ حتي انهم كما اطلق عليهم المؤلف (الرفاهية هي الصورة البرّانية, العبثية هي الجوّانية) ويستنبط مفهوم (الواقعية الاشتراكية) والذي ينص على خدمة الايدولوجية فقط وهذا ما عرفناه من الجرائم الستالينية التطهيرية والثورة الثقافية الصينية واعمال النازية ايضا وما ترتب عليها من دمار وخراب للنفس البشرية, بل ويستعرض بالاحصاءات في منتصف القرن العشرين بعض الجرائم خصوصا في الدول المتقدمة (الرأسمالية) مثل فرنسا والمانيا الغربية والسويد وايطاليا وغيرهم. في فصل (التقدم ضد الانسان) وذلك لانهم اتجهوا للحضارة ونسوا الروح فانهم يملكون كل شي ويحتاجون لكل شيء, وقبل ذلك جاءوا هؤلاء ومعهم الفلسفة التشاؤمية واعلامها (دوستويفسكي، جان جاك روسو، شوبنهاور، كافكا، اميل سيوران، جياكومو ليوباردي) هؤلاء الاعلام الذين أتوا من بلاد قضت على الامية ولم تسعَ لغذاء الروح, فنجد ايضا ان اكثر المنتحرين بالعالم توجد في هذه البلاد المتقدمة (حضاريا), لانهم لم يشبعوا روحهم ولا ثقافتهم, فمثلا العدمية ومؤسسها الفرنسي بول سارتر كان يقول ان العدمية ليست انكارا للالهوية ولكنها احتجاج على غيابها وغياب الانسان بل ويحمل الاخير كل شيء ناتج عنه فلا يعتقد بالقدر تجاه الانسان وهو بنظره ضائع بلا امل (لا شيء).
ان كل الحركات الفكرية فشلت فشلا ذريعا لانها اعتمدت بالمقام الاول على المادة والعقل ونسيت الروح فهؤلاء (ملحدون على اخلاق, ومتدينون بلا اخلاق) كما قال البير كامو لا تحكم على شخصيتي, بل احكم على اخلاقي تجاهك, وهذا هو المنطق الوجودي لكل الوجوديين. فالاخلاق كمبدأ لا بدّ ان تجيء بالدين اما كعملية فمن الممكن ان تجيء بدونه, وهذا ما نراه جليّا في الابادة الانسانية التي ارتكبه هؤلاء الكفرة عند قدومهم لاي منطقة استعمارية لهم وهذا ما عرضه المؤلف حتى اصابني الغثيان. وفرّق بينهم وبين المجتمع العذري الذي لا يوجد به جريمة او قتل او نبلاء او رؤساء فكلهم سواسية, هؤلاء من ابادوا ودمروا ووضعوا القوانين حسب اهوائهم فيعرف مثلا لينين القانون بانه (مبدأ ارادة الطبقة الحاكمة). ولذلك لم تنجح اي حركة سياسية صحيحة في فكرتها لانها قائمة على المصلحة لا علي خدمة الفرد.
(ان الدين الذي يريد ان يستبدل التفكير الحر بالصوفية لابد ان يصطدم بالعلم , والدين الصحيح متسق تماما مع العلم). وهنا طرح رائع من المؤلف لنموذج الدين المجرد فلابد من التحرر من القيود والسعي وراء كل ما هو ينفع الفرد والمجتمع بطريقة شرعية سليمة اذا اراد الدين الاستمرارية ويواكب ما حوله من افكار جديدة حينها سيمتزج (الروح، الحضارة) معا ويعود الاسلام قويا (ثنائي القطب) كما وحّد ومزج سيدنا محمد غار حراء بمكة واقام الدين والدولة معا.لقد عرض بيجوفيتش من خلال فكرته العديد من المناقشات واكثر ما اعجبني هو قوله (هدف الفن هو الابداع, اما العمل الفني نفسه فهو المنتج الثانوي الذي لا مفر منه) وهنا علينا ان نتفهم ونمجد الفكرة لمن قام بها عموما وليس لمن قام بها بطريقة صحيحة فالتعبير هو العامل الثانوي اما التفكر به هو (الالهام) فيقول المؤلف (اللمسة الروحية، الفن، افضل واسمى واطغى من اللمسة العلمية، المادية) فالعلم يكتشف اما الفن فيبدع فالشعراء هم جهاز الحسّ في الجنس البشري فالملهمون امثال بيتهوفن وفان جوخ والشيخ محمد رفعت كان لديهم نقص فطري وعلى الرغم من ذلك ابدعوا لان اللمسة الثقافية هي الابرز.
كتاب يقرأ اكثر من مرة لانه يحتوي على فروع متعددة , انه حقا كتاب موسوعي.

Share on Facebook0Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn0

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*