جديد المراقب

الاسلام والإرهاب التكفيري

عندما نقرأ سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أعدائه المحاربين له والمكذبين لدعوته من صناديد قريش وعُتاة العرب، نجد أنه لم يبدأهم بقتال، ولم يجابههم بعنف ولا شدة، ولم يقابلهم بحرب كلامية،وإنما كانت دعوته لعامة الناس تتسم بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن،وأما اللجوء إلى الحرب فكان آخر الحلول بعد أن يستنفد معهم كل الوسائل المتاحة لمهادنتهم،أو قبول الدعوة الإسلامية،أو الرضا بدفع الجزية، ولهذا لم يذكر التاريخ أن رسول الله (ص)قصد بالحرب من لم يقصده بسوء،أو عمد إلى حرب استنزاف تأكل الأخضر واليابس,وكانت كل الحروب التي عزم عليها رسول الله(ص) في سبيل الدعوة إلى دين الله تعالى أو كانت بأمره، تنتهي بمجرد عدم رغبة الأطراف الأخرى في الدخول معه في حرب، بقبولهم النطق بالشهادتين، أو دفع الجزية، من دون أي مفاوضات أو عراقيل في الأمر,ومع وضوح هذه السيرة النبوية العطرة التي أوضحت طريقته(ص)في التعامل مع أعداء الإسلام الذين كانوا يحاربونه ويقتلون أتباعه والمنتمين إليه، إلا أنّا نرى أن بعض الجماعات المتأسلمة التي تبنت اسم (الجهاد) تقتل اليوم من تدعي أنهم غير مسلمين ـ مع أنها من بدأ الحرب عليهم ـ وذلك في بلاد معظم سكانها من المسلمين،ولا يعطون من يقع في أيديهم من هؤلاء أي خيار، ولا يقبلون منهم النطق بالشهادتين لو سلمنا جدلاً بأنهم يقاتلون دفاعاً عن الإسلام، ولا الإقرار بكل العقائد الحقة، ولا ينجيهم منهم رغبتهم في دفع الجزية إليهم، أو دفع أي فدية أخرى أو غير ذلك، ولا يرضون منهم إلا بقطع رؤوسهم من غير فرق بين: مسلم،وكتابي،وكافر ومن غير فرق من جاء إلى بلاد المسلمين من غير المسلمين مسالماً يطلب رزقه، أو سائحاً، أو تابعاً لغيره، أو جاء غازياً ومحارباً، مع أن قرار قتل هؤلاء أو عدم قتلهم من وظائف إمام المسلمين، فإنه كما يقرّر الحرب والسلم، كذلك يقرّر بحسب ما تقتضيه المصلحة من يستحق القتل ومن لا يستحقه بحسب الموازين الشرعية، ويقرّر كذلك الطريقة التي يقتل بها من كان مستحقاً للقتل، ولا حق لكل من هبَّ ودرج في اتخاذ أمثال هذه القرارات التي تتوقّف عليها المصالح العليا للمسلمين,والغريب أن هذه الجماعات التي كانت تدعي أنها تقتل الكفار من غير المسلمين في العراق و أفغانستان وغيرهما من البلاد الإسلامية،تقتل من المسلمين أضعاف ما تقتله من أولئك الذين تدعي كفرهم،ومن المعلوم عند كل أحد أن قتل المسلمين الأبرياء غير جائز بأي مبرّر من المبرِّرات، ولا سيما إذا كان قتله بالسيارات المفخَّخة التي تستوجب تقطيعه إلى أشلاء، وتثير الرعب بين الآمنين، وتتلف أموال المسلمين الآخرين بغير وجه حق,وثم إن هذه الجماعات كما تبنَّت باسم الجهاد قتل الوافدين إلى البلاد الإسلامية من غير المسلمين فإنها أيضاً تبنّت قتل أتباع الطوائف الأخرى، خصوصاً المنتمين إلى مذهب الشيعة الإمامية، بنفس الطريقة التي يُقتل بها الكفار الآخرون، بل صار قتلهم للشيعة هو هدفهم الأول، مع أن الشيعة لا يستهدفونهم بحرب ولا قتل,وإن هذه الجماعات الإرهابية لم تفهم الإسلام بصورته الناصعة،ولم تتلمّس في تعاليم الإسلام جوانب الرحمة، والحب، والشفقة، والعدل، والمساواة، وفهمت فهماً مغلوطاً كلّ الآيات التي وردت في قتال الكفار،فطبّقوها على المسلمين، وانشغلوا بقتل المسلمين عن قتال الكافرين المحاربين،لذا بات غير مشكوك في أمر ارتباطهم بالصهيونية العالمية والإستكبار العالمي،فهم جماعات مدفوعة الثمن،تقاتل نيابة عن سادتها من اليهود والأمريكان..وإن الإسلام دين الرحمة والسلام، وهو دين المحبّة والحرية، الذي كفل لكل الناس حقوقهم، وحفظ لهم كرامتهم، ولم يُكرههم حتى على قبول الإسلام نفسه،لقد استطاع المسلمون الأولون أن يَدْعوا إلى دين الإسلام بالحجة والدليل، لا بالسيف والإرهاب؛ لأن الإسلام هو الدين الوحيد من بين جميع الأديان المعروفة الذي يخاطب العقول، ويحث على التأمّل والتفكير، والإسلام لا يحتاج إلى السيف حتى يتوسّع وينتشر، ووصوله إلى أقاصي الدنيا لم يكن بحرب ولا بقوّة، وإنما كان بسبب أنه الدين الحق من بين سائر الأديان,ومحاربة أعداء المسلمين لا تتحقّق بالعمليات الإرهابية في بلاد المسلمين، التي تطول الأبرياء الآمنين، وتهدر طاقات المسلمين، وتبدّد أموالهم، وتزعزع الأمن في بلادهم، وإنما تتحقّق ببث العلم والوعي بين المسلمين، والعمل على تجسيد مبادئ الإسلام في كل جانب من جوانب حياتهم,ومن لا يقدر على مواجهة أعداء الإسلام بالحرب النظامية المعروفة، فليعرف كيف يداريهم، ويكف شرّهم عن بلاد المسلمين بالوسائل السلمية وبالطرق الدبلوماسية، فقد استفاد أعداء الإسلام ـ مع شديد الأسف ـ من العمليات الإرهابية التي قامت بها الجماعات المتأسلمة التكفيرية أكثر مما تضرّروا به؛ لأن الضرر قد لحق أفراداً قليلين منهم، وألوفاً كثيرة جدًّا من المسلمين، كذلك فقد استفادوا من ذلك بتشويه صورة الإسلام في جميع أنحاء الدنيا،حتى صارت السمة الغالبة على المسلمين أنهم إرهابيون،قتلة، متوحّشون.لأن الناس هنالك في بلاد الغرب وسائر بلاد الدنيا لا يرون سوى ظاهر الأمور،والقلة القليلة من تستطيع فهم الحقائق كما هي..لذا نقول ختاماً أن محمداً (ص) كان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن كما يقول تعالى:»ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن..».

Share on Facebook0Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn0

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*