السيف والفتوى دراسة توثيقية لجرائم الإبادة الجماعية في العراق من العصر الأموي حتى الإحتلال العثماني

1625

الحلقة الرابعة

د. حيدر فرحان الصبيحاوي

تنشر (المراقب العراقي) كتاب (السيف والفتوى) ل د. حيدر فرحان الصبيحاوي، الصادر عن مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية. ويوثق الكتاب ويؤرخ لجرائم الإبادة الجماعية التي تعرض لها العراق من العصر الأموي وحتى العصر العثماني.الفصل الثاني:
أسباب الإبادة الجماعية
تعددت أسباب الإبادة الجماعية، فبعضه دينياً كالتحريف بالمفهوم الديني الذي يضخ في عقول ومخيلة البسطاء من الناس ليدفعوهم بقبول ارتكاب جرائم الإبادة أو على الأقل السكوت وغض النظر عن قتل الناس من دون وجه حق، وبعضه يكاد يكون قبلياً وسياسياً. ومن خلال دراستنا لموضوع الإبادة الجماعية يمكننا القول إن اسبابه تتركز في المحاور التالية:
1. تحريف المفهوم الديني في العقلية الجمعية للناس
أعطى الإسلام الحق للإنسان في المعتقد الذي يؤمن به، واختار طريق (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) أسلوباً لهداية الناس دون إجبار أو تعصب أو غلو أو قتل وتنكيل وتشريد، ودون أن ينصب الإنسان نفسه حاكماً شرعياً ليصدر أوامر القتل والإبادة لكل من يخالفهم بالرأي، وليس للإنسان سوى النصح وتبيان الحقائق دون تزييف كي يوضح الطريق أو العقيدة الصحيحة من الفاسدة. وحرم الله سبحانه وتعالى اكراه المرء وإجباره على فرض عقيدة ما حتى لو كان الإجبار لغرض اختيار عقيدة الإيمان التي سنها الله، ولذلك يخاطب الله تعالى رسوله الكريم (ص) بقوله (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين).
لعل الخلق الإلهي يتجلى بأبهى صورة عندما يتوجه بالخطاب إلى الكفار ويترك لهم حرية الاختيار بقوله عزّّ و جلَّّ (قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم لكم دينكم ولي دين).
نستخلص مما تقدم الدروس والعبر في احترام الآخرين باختيار عقيدتهم حتى وإن كانت عقيدتهم فاسدة، على أن لا نترك حدود الله سبحانه وتعالى، وهذه الحدود هي المجادلة واتباع الحجة الدامغة لبطلان عقيدتهم المنحرفة والتي ربما تكون مؤثرة في نفوس نفر غير قليل من أصحاب تلك العقيدة ويعودون إلى رشدهم ويعدلون عن آرائهم الباطلة ويصبح كل منهم عنصراً ايجابياً في المجتمع بدلاً من إراقة الدماء والتي ترافقها تبعات وحوادث لا تحمد عقباها، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى وهو يخاطب موسى (ع) (أذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى).
بهذه الأخلاقيات السامية رسم الله عز و جلَّ الطريق للمسلمين كي يكونوا أمة متحضرة ترفض العنف والإبادة وترفض التطرف وإلغاء الآخر على أساس هويته الدينية والمذهبية، وبهذه الأخلاق تعامل رسول الرحمة محمد (ص).
بالمقابل فإن هناك ديناً آخر هو دين المصالح الدنيوية الذي يرفض دين السماحة والتعايش السلمي ويسعى دائماً إلى تبرير الوضع القائم عبر ترويج المعتقدات ذات الصلة ويشوه المبادئ العقائدية والدينية الحقيقية، وفي دراسة للمسار التاريخي الذي ينتهجه دين الشرك يتم بأحد النحوين:
الأول، الشكل المباشر الذي نلاحظه في تاريخ الأديان، أي عبادة الخرزة ثم عبادة العلامة أو الراية الخاصة ثم عبادة القوة الغيبية، ثم عبادة أرباب النوع ثم الاعتقاد بتعدد الآلهة وهو دين تجارة واقتصاد والحصول على الامتيازات ولذلك نرى أن كفار قريش وقفوا وبكل قوة ضد الرسول محمد (ص) وضد الإسلام الحنيف، كونهم بدأوا يشعرون بأن مصالحهم مهددة، وأن الثورة الحاصلة هي ثورة اجتماعية لا تعرف المهادنة ولا المداهنة، تلك الثورة التي ضمت سلطان الوثن وسلطان المال والتجارة وسلطان السياسة.
فمن عبادة تجارية لآلهة متعددة تجتمع في الكعبة ويصلها الناس من كل حدب وصوب باختلاف مشاربهم وعباداتهم ليتعبدوا في مكة حصراً ويجودوا بما يمكنهم من دفع النذور والهبات إلى آلهتهم الوثنية، إلى عبادة اله واحد هو الله سبحانه وتعالى الذي يقول (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمة وجه الله إن الله واسع عليم). فأذن الله في كل مكان والعبادة في كل مكان وليس حصراً في مكة وأمام أصنام قريش وفي ذلك خسارة لتجارتهم وسلطانهم، من هنا رفضوا نبوة محمد (ص) ورفضوا معه الإسلام.الثاني، الشكل الخفي الذي انتهجه دين المصالح والسياسة وهو أخطر وأسوأ من الشكل الأول وهذا الشكل من الدين هو الذي ألحق أفدح الخسائر بكيان الإنسانية و وجه الحقيقة على مر التاريخ، ففي هذا الدين تختفي السياسة والمصالح وراء نقاب التوحيد فعندما ينتصر الأنبياء في المواجهة الأولى تستمر حياة دين الشرك وأنصاره وخلفائهم بشكل خفي، فأننا نرى بلعم بن باعورا الذي هزم في مواجهة موسى (ع) يظهر على شكل الحاخامات في دين موسى، وظهروا بزي القساوسة في دين عيسى (ع) وظهروا بزي الصحابة في زمن الرسول الأكرم (ص)، وبعد الرسول ظهروا بزي القادة المصلحين كالخلفاء الأمويين والعباسيين وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وتنظيم القاعدة وما أفرزته من الدواعش.هؤلاء الخطر الأكبر على استقرار السلم الاجتماعي في ربوع الأمة الإسلامية حيث اتخذوا من الدين ستاراً وغطاءاً كي يتسيدوا على رقاب الأمة من خلال استغلال السذج والبسطاء وأصحاب المطامح والمصالح حتى ظهرت فئتان أو مذهبان أو دينان هو دين الانحراف السلطوي، ودين الثوار المصلحين فغدا العنف المذهبي السياسي سبباً في تصفية الخصوم، وتحولت المدارس الفقهية في الأمة الإسلامية الى احزاب سياسية. من هنا تلعب الأهواء، والميول، والاتجاهات في هذا المجال أدوارها الفعالة بين حسد وغبطة وتنازع على الصعود، وغير ذلك كثير. ويمكن حصر آثار التحريف الديني من الأوجه التالية:
ـ التأويلات الباطلة في تفسير النص القرآني
اتخذت العصابات الإجرامية السلطوية التكفيرية ظاهر الآيات القرآنية الكريمة أو التعمد في تفسيرها في غير محلها دليلاً وشعاراً لعمليات القتل والإبادة وحاولوا أن يجدوا في بعض الآيات الكريمات التي تدل على قتل الخارجين عن العدل الإلهي شعاراً مركزياً لهم في إباحة القتل والإبادة لكل من يعارض أهواء تلك العصابات. وكان لليهود دور كبير في ذلك لغرض تحريف الشريعة الإسلامية وإثارة الفتن، إذ انطلقوا من مفهوم التصديق فحرفوه وفرغوه وشحنوه ـ أي القرآن الكريم ـ بنقيض معانيه ليجعلوه تصديقاً لتراثهم مطلقاً لا تحيط به ضوابط الهيمنة، واسترجاع الأصول والنسخ فجعلوا بذلك أسفارهم وكتبهم بما فيها من تزييف هي المهيمنة على القرآن والمرجع المفسر لآياته. فلا غرابة بعد ذلك أن تتسرب جملة هائلة من الإسرائيليات الى معارفنا المختلفة.

Share on Facebook0Share on Google+0Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *