شيعة العراق … ماذا ينقصهم ؟

1143891824_442716473

محمد حسن الموسوي

أكتب عن شيعة العراق بوصفهم الاكثرية العددية, والاغلبية السياسية تلك الاكثرية التي اذا ما صلح أمرها صلح أمر العراق, واذا ما فسد أمرها فسد العراق, فنحن نتحدث عن ما يقرب من 73 بالمائة من سكان العراق تمتد رقعة تواجدهم الجغرافية من كركوك وحتى الفاو, وفي أراضيهم تكاد تتركز كل ثروات العراق, وبالتالي فإن استقرارهم يعني استقرار العراق على جميع الصعد. ومن هنا تأتي أهمية الكتابة عنهم.لم تتح لشيعة العراق عبر التاريخ فرصة التعبير عن أنفسهم سياسياً واجتماعياً مثلما اتيحت لهم بعد التاسع من نيسان 2003, حيث ولأول مرة بتاريخهم الطويل يصبح الشيعة في العراق حكاماً, فعلى مدى الدهور عاش شيعة العراق كمحكومين الحيف والظلم والتمييز من قبل الأنظمة السنية التي تعاقبت على حكمهم, حتى إذن الله وزال حكم الظالمين, فتنفس الشيعة الصعداء. ومنذ ما يزيد على عقد من الزمن والشيعة في الحكم إلا ان القوى السياسية التي تصدت لتمثيلهم فشلت في تقديم نموذج ناجحً للحكم, وبالتأكيد فإن أسباب الفشل منها ما يعود لعوامل داخلية تتعلق بشيعة العراق أنفسهم و وضع شركائهم في العملية السياسية من سنة وأكراد, ومنها ما يتعلق بعوامل اقليمية ودولية ساهمت بشكل أو بآخر بمحاولة عرقلة العملية السياسية الجارية في العراق.ما يهمنا هنا هو مناقشة الوضع الداخلي لشيعة العراق وما الذي ينقصهم.أمران أساسيان يفتقر اليهما شيعة العراق. الأول هو المشروع السياسي, والثاني هي القيادة الرشيدة. فالبنسة للمشروع السياسي نجد ان شيعة العراق لا يمتلكون مشروعاً سياسياً يعملون على تحقيقه على غرار الاكراد أو السنة. فأكراد العراق لديهم مشروعهم السياسي الذي يسعون لتحقيقه وهو مشروع الدولة الكردية, فنجدهم يسعون لتحقيق هذا المشروع وفقاً لنظرية الـ(خطوة – خطوة) أي (step by step), التي تقوم على أساس تقسيم الهدف الاستراتيجي الى مراحل تكتيكية تصاعدية على غرار درجات السلالم بحيث لا يمكن الصعود الى الدرجة الاعلى إلا بالاعتماد على الدرجة التي قبلها, ومن هنا نجدهم قد قسموا مشروع الدولة الكردية الى مراحل بدأت الاولى بالحكم الذاتي ثم تلتها مرحلة الفيديرالية وستليها مرحلة الكونفدرالية حيث بدأنا نسمع حديثا عنها من الاكراد الى ان يصلوا الى مرحلة اعلان الدولة الكردية. وما ينطبق على الأكراد ينطبق على الطبقة السياسية للسنة فهم الآخرون لديهم ايضا مشروعهم السياسي والذي يتمثل بإفشال حكم الشيعة واعادة عقارب الساعة الى الوراء, ولأجل تحقيق ذلك اتبعوا اساليب تكتيكية مختلفة هدفها الرئيسي هو اشغال الشيعة من خلال اثارة الأزمات وأفتعالها والتهديد بالاقليم السني والاستعانة بقوى الارهاب واحتضانها للضغط على الشيعة لأجل القبول بمبدأ المثالثة بالحكم أي ثلث للشيعة وثلث للسنة وثلث للأكراد والاخرين ضاربين بعرض الحائط نتائج الانتخابات ومعطيات الواقع حتى يصلوا لما يعرف بالثلث المعطل على غرار ما معمول به في لبنان, فلا يعد أي تأثير للأكثرية العددية.هذا بالنسبة للمشروعين الكردي والسني, أما بالنسبة لشيعة العراق فلا مشروع لهم الأمر الذي اضعف ويضعف موقفهم أمام الآخرين. ان أهمية المشروع السياسي لفئة أو مجموعة ما تتمثل بتوحدهم وتوحيدهم عليه, ولنأخذ لذلك أكراد العراق مثلا. فالاكراد وبالرغم من الاختلافات الحزبية (حزب الطالباني وحزب البارزاني والجماعات الاسلامية) والاختلافات المناطقية بينهم (سورانيين وبهدنانيين) إلا ان امتلاكهم لمشروع سياسي واضح المعالم كان سبباً مهمهاً في توحيدهم برغم سنوات القتال بينهم والدماء الكثيرة التي سالت بسبب اختلافاتهم. وبكلمة صريحة من دون وجود مشروع سياسي لا يمكن لاية مجموعة أو جماعة ان تحقق ذاتها وتحمي حقوقها وتؤمن مستقبل أجيالها, وهذا ما فعله شيعة لبنان حينما تبنوا المقاومة كمشروع سياسي وطني استطاعوا من خلاله فرض انفسهم على الساحة السياسية اللبنانية. هذا المشروع كان سبباً في توحيد القوى السياسية الرئيسة لشيعة لبنان ممثلة بحزب الله وحركة أمل. اليوم الكل يحترم شيعة لبنان ويهابهم.اذن على شيعة العراق التفكير بمشروع سياسي يلتفوا حوله ويعملوا لأجله, لكي ينجحوا في الحكم وبالتالي يفرضوا انفسهم على الاخرين.أما الأمر الاساسي الثاني الذي ينقص شيعة العراق هو القيادة الرشيدة التي تأخذهم الى بر الامان. في ايران حصل الشعب هناك على قيادة تاريخية ممثلة بالإمام الخميني (قدس سره) الذي كان يحمل مشروعاً سياسياً كبيراً هو أطروحة (ولاية الفقيه) التي على أساسها أقام النظام الاسلامي في ايران, واليوم يوجد خليفته آية الله الخامنئي كقائد اعلى للايرانيين. في لبنان قيادة الشيعة هناك تتمثل بالعلامة المجاهد السيد حسن نصرالله, الذي يطيعه شيعة لبنان كقائد أعلى برغم وجود قيادات وزعامات سياسية اخرى كالسيد نبيه بري رئيس مجلس النواب, إلا ان هؤلاء جميعاً يدينون للسيد نصرالله بالطاعة والولاء والاحترام.ِأما في العراق وبرغم وجود المرجعية الدينية العليا وهي قيادة روحية, فإنه لا وجود لقيادة سياسية عليا للشيعة, والقيادات الموجودة – وهي محل احترامنا – هي قيادات حزبية ونطاق ولايتها وتأثيرها لا يتعدى اتباعها الحزبيون أو المتحزبون. نخلص الى إن وجود القيادة الرشيدة والحكيمة لاية جماعة أو مجموعة أمرُ في غاية الأهمية, اذ ان القيادة في احيان كثيرة هي التي توجد المشروع السياسي الجامع للأمة فتكون سبباً في رفعتها وعزتها, ان شيعة العراق وبرغم كونهم الاكثرية عددا والاغلبية السياسية الا انهم يفتقرون اليوم الى قيادة تاريخية تستطيع جمع شملهم وتوحيد كلمتهم, وتحويل ثقلهم العددي الى فعل سياسي يرضخ له الاخرون طواعية وبالتأكيد من دون ظلم لشركاء الوطن. والى ان يتوفر لشيعة العراق المشروع السياسي والقيادة الرشيدة فإن نزيف الدم الشيعي سيستمر الى ان يشاء الله أمراً كان مفعولا.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.