سبايكر ليست للبيع

luiouirt

باسل عباس خضير

من منا لا يعرف قضية سبايكر وهي قضية تستحق كل الاهتمام لما تنطوي عليه من معاناة إنسانية, فبعد العاشر من حزيران 2014 وصل المجرمون الدواعش الى محافظة صلاح الدين, وفي ظل قرارات وإجراءات لم يجرِ الكشف عن وقائعها الحقيقية بعد، فقد تم فقدان 1700 من فلذات اكباد العراقيين, ممن كانوا يؤدون واجبات قتالية داخل قاعدة سبايكر أو خارجها , وقد تباينت الروايات بشأن مصيرهم لحد الآن فمنهم من يقول انهم استشهدوا على يد الخونة والمجرمين ومنهم من يدعي انهم مرتهنون لغرض المساومة عليهم فيما بعد , اما الرواية الاخرى فتشير الى انهم محتجزون من قبل جهات حكومية لأسباب غير معروفة مما جعلها من اضعف الروايات , ولم يتبين بعد هل هم احياء أم اموات , وقد دعا أهلهم للكشف عن مصيرهم سيما وان القضية مرت عليها قرابة التسعة اشهر منذ وقوعها ولهذا اليوم. وقاعدة (سبايكر) كانت تسمى بقاعدة الصحراء الجوية وهي قاعدة جوية عراقية وتبعد بضعة كيلومترات عن مدينة تكريت وتحوي القاعدة مدرجين, وقد سميت بهذا الاسم من قبل قوات الاحتلال الامريكي تخليدا لإسم طيارهم (ميشيل سكوت سبايكر) الذي اسقطت طائرته في ليلة 17/1/1991 أثناء الهجوم الجوي على مدن العراق حيث كان يقود طائرة من طراز F18, وتم اسقاطها غرب الانبار وبقيت جثته مفقودة الى ان تم العثور عليها بعد مرور اربع سنوات وقد تأكد مطابقة الجثة بعد اجراء فحص الـDNA , والغريب ان هذه القاعدة ظلت تحمل الاسم الامريكي برغم الانسحاب الكامل سنة 2011, ويبدو ان من يعنيهم الامر لم يريدوا إثارة زعل اصدقائهم فابقوا على الاسم, الذي تحول الى اسم منبوذ لدى اغلبية العراقيين لأنه يرتبط بمصير 1700 شاب من أعزاء العراق. ولم تدخر عوائل المفقودين جهدا في تتبع مصير ابنائهم, فمنهم من ذهب الى تكريت وسامراء لتقصي آخر تواجدهم, كما ان البعض اتصل بعشائر تكريت لالتماسهم في مساعدتهم في العثور على ابنائهم كما تم الاتصال ببعض المسؤولين لغرض موافاتهم بالدقيق من الاخبار, وعندما وجدوا ان هناك آذان صمت ولم تعد تكترث بهذه المأساة الانسانية فقد تظاهر اهل المفقودين في الديوانية والناصرية وبغداد , ولم تكن مطالبهم خارجة عن المشروعية قط , فأصواتهم تنادي إما ان تسلموا جثامين ابنائنا أو تعيدوهم لنا احياء وإن كانوا قد ارتكبوا ذنبا فاذهبوا بهم الى القضاء, وبعد مماطلات تمت إستضافتهم في مجلس النواب بحضور القادة العسكريين وقد خرجوا بيأس اكبر ممن كانوا عليه, لأن من تمت استضافتهم لكي يثلجوا صدور أهلهم وصدور العراقيين لم يأتوا بالشيء الجديد وبضوء ذلك تم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق عن الموضوع بضوء الوقائع والشهادات التي ادلى بها البعض, ولا يزال الموضوع قيد التحقيق. ان ما دعانا للكتابة بهذا الموضوع برغم انه بات ساكنا ولا حراك فيه ولكنه حي ويسكن القلوب, هو ما يتم تداوله من قبل الذين لديهم معاملات في دوائر المرور لغرض تحويل ملكية سيارة أو تبديل لوحات التسجيل, حيث يتم استيفاء رسم مقداره (15) ألف دينار عن كل معاملة تحت عنوان (سبايكر) , وأغلب الذين يدفعون هذا المبلغ (مجبرين) يستوضحون عن ماهية هذا المبلغ وليس من مجيب, حتى تحول الموضوع الى نوع من السخرية والتندر والاجتهاد لدى المراجعين, فمنهم من يقول انه سيذهب لذوي الضحايا ومنهم من يعتقد انه لغرض اعادة اعمار القاعدة, والكثير منهم يلعن الامريكيين الذين جاءوا محتلين وأبقوا هذا الاسم على واحدة من ممتلكات العراقيين, كما ان هناك اجماعاً على إحتقار كل من تسبب بوقوع هذه الحادثة التي أبقت دموع الامهات والآباء والأبناء والأخوة والأقارب ولم تجف بعد, حنينا وشوقا لشجعان ذهبوا للدفاع عن الوطن تطوعا ولكنه خذلوا من قبل من خذلهم أو خانهم, الذين لم نعرف اسماءهم ورتبهم ومواقعهم وعشائرهم حتى اليوم. ونخشى ان يتحول موضوع ابناء العراق في (سبايكر) الى قضية بعيدة عن مضامينها الوطنية والإنسانية, فذوو الضحايا لم يستجدوا شيئاً من احد مقابل مصير ابنائهم فقد اعلنوها عند لقائهم (المسؤولين) ان كنوز الدنيا لا تغنيهم عن معرفة مصير ابنائهم, وحتى من تطوع لبذل المساعي لتزويدهم بشهادة الوفاة لأبنائهم قابلوه بالرفض والاستهجان, فالشهادة من أنجب المعاني الشرعية ولكنها لا تمنح على سبيل الافتراض ومن باب الترضية على حساب معرفة المصير الحقيقي لهم, ونعتقد بان الجهات المعنية مطالبة ببذل مزيد من الجهود المطلوبة في الكشف عن مصير 1700 مفقود, كما على الجهات الرسمية ان تعلم الجمهور بالرسم الذي يتم استقطاعه في دوائر المرور, وما هي العلاقة بين سبايكر ومعاملات السيارات ؟.وأذكر هنا انه حين وقعت حادثة جسر الأئمة المؤلمة والمعروفة للجميع, فقد فتحت ابواب التبرع لذوي الضحايا وقد بادر الكثير للتبرع من داخل وخارج العراق, كما تم إستقطاع أجر يوم من الموظفين لدرجة توقع البعض ان ذوي الضحايا سيكونون من الاغنياء ولا نعلم ما هو مصير الاموال التي جمعها ومقدارها وكيف تم توزيعها حيث لا شفافية في هذا الموضوع, ولكن المعلومات المؤكدة تشير الى ان عائلة المرحوم عثمان العبيدي وهو من أهالي الاعظمية الذي استشهد بعد أن هبَّ لنجدة اخوانه في نهر دجلة خصصت لها شقة في مجمع سبع ابكار السكني بعد مراجعات لسنين, وليس الهدف ان نشجع التبرع للضحايا فأجرهم عند الله اكبر بإذنه تعالى, ولكن القصد هو عدم تحويل القضايا التي تتعلق بالمصالح العليا للوطن الى قضية مادية, وقضية سبايكر بالذات ليست للبيع قط.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.