الإيمان والبواعث الحضارية

مهكهخحه

العلاقة بين الدنيا والآخرة من الأمور التي تشغل بال كل البشر على اختلاف ألوانهم ومشاربهم ودياناتهم،ولكن هذه العلاقة تحتل مكانة سامية ورفيعة وقوية عند المسلمين والمؤمنين منهم خاصة،لأن الدنيا تكون عندهم مزرعة للآخرة فيعملون الصالح من الأعمال تزوداً من دنياهم لآخرتهم،والصالح من الأعمال لا يكون بالصلاة والصيام والإنقطاع عن العالم فحسب بل بأداء الفرائض مضافاً لها عمارة الأرض لتكون العلاقة علاقة مثلى وطريقاً متصلة بين الحركة في الدنيا والإيمان والعمل للآخرة.

إن الناس حيال هذا الأمر على عدة أقسام ؛ ففريق منهم يفصل بين الأمرين ؛ بين حياته في الدنيا وحقيقة الآخرة ، فتراه ـ مثلاً ـ حينما يدخل المسجد يجد نفسه في روضة من رياض الجنة وفي رحاب الآخرة ، فهو يتعبد ويذكر اللَّه كثيراً ويلجأ إلى اللَّه ليخلصه من عذاب نار جهنم ، إلا أنه سرعان ما تتغير سلوكياته وتوجهاته القلبية بخروجه من المسجد وهو يذهب إلى خضم الحياة . . إلى السوق.. المعمل.. المدرسة ..، فيتحول ـ نعوذ باللَّه ـ إلى إنسان ماكر وكائد ، يلهث ‏وراء زخرف الحياة الدنيا ، ناسياً حينها أحكام الشريعة وقيم السماء السامية . . إنه يدخل إلى الحياة الدنيا دون أن يلزم نفسه برادع أو كابح .

وفريق آخر من الناس ، تجده يترك الدنيا ويتجه إلى الآخرة ، ويزعم أنه لو وجد صومعة في أعلى جبل وترهبن فيها ذاكراً وصائماً ، قائماً وقاعداً ، متوجهاً إلى الباري تعالى ، فإن هذا العمل سوف يقربه إلى اللَّه سبحانه ويحصل على السعادة الحقيقية .

والفريق الثالث تلحظه تاركاً الآخرة مطلقاً ، فهو لا يرى حتى باب المسجد ، وقد وضع القيم وآيات الكتاب المجيد وراء ظهره ، فيهرب من ( قيود ) قيم السماء كهروبه من الأسد .

إن هذه الفرق والأقسام الثلاثة من الناس كلهم سوف يكونون إدام النار وحطب نار جهنم ؛ فالذي يترك أهله ومجتمعه‏ جائعين ويدع أمته عرضة لصولات وجولات العدو المستكبر ، ويلتجئ إلى كهف أو صومعة أو ..مثل هذا الإنسان‏ يكون أقرب إلى عدم التقيد والالتزام بحقائق القيم السماوية وإن تمسك وتنسّك بظاهرها وقشورها .

إن اللَّه سبحانه فرض على الناس واجبات وفرائض ، كالجهاد والكد على العيال ، كما أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . . وهذه الفرائض هي من صميم القيم الإلهية التي سنّها سبحانه لتحقيق سعادة الناس في الدنيا والآخرة معاً .

وفي هذا المجال يروى أن الإمام الحسين‏ عليه السلام لدى خروجه إلى كربلاء دعا بعض أهل المدينة للحاق به والوقوف أمام‏ ظلم وفساد يزيد وبني أمية ، فأجابه قائلاً : إن صلاة ركعتين في مسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أثوب عندي من أن أخرج معك !؟.. إن هذا الكلام بعيد عن روح الدين وحقائق الواقع،لأن هذه الأماكن المقدسة كمسجد النبي(ص) والكعبة المشرفة،لم تسلم أيضاً من‏ جرائم و بطش يزيد و زبانيته حينما اعتدت جيوش يزيد على الكعبة المشرفة ورشقوها بالمنجنيق فأخذ الدم يسيل في‏داخل المسجد الحرام،وانتهكت أعراض المؤمنين والمؤمنات في مدينة الرسول(ص)،حتى لم تسلم بنت في هذه المدينة حينها من الاعتداء الجنسي!.

إن هذا الشخص وأمثاله يتصورون أن مجرد الانصراف لأداء بعض الركعات سوف يضفي قدسيةً على الدين وقيمه ، إنه ‏وأمثاله ترك حمل السلاح وجعل فريضة الجهاد وراء ظهره متصوراً أن ذلك سوف ينجيه من نار جهنم .

التدافع سنة إلهية

إن اللَّه سبحانه وتعالى يؤكد في كتابه الكريم حقيقة (التدافع‏) كسنة إلهية ، فيقول :”..وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ” . إن المساجد بحاجة إلى رجال يدافعون عن حريمها وحرمتها ، فاللجوء إلى قمة جبل والانشغال بالعبادة وترك المجتمع يتضور جوعاً ويتعرض إلى الجهل والاستعباد ، إن هذا العمل ليس له قيمة عند اللَّه سبحانه .

وقد روي أنه لما توفي ابنٌ لعثمان بن مظعون فاشتد حزنه عليه حتى اتخذ من داره مسجداً يتعبد فيه ، فبلغ ذلك رسول ‏اللَّه‏ (ص) فأتاه فقال له: “يا عثمان؛ان اللَّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية،إنما رهبانة أمتي‏ الجهاد في سبيل اللَّه..” ، وقال‏ (ص):”سياحة أمتي الجهاد”، فالدين الذين لا يتدخل في‏ الشؤون الاجتماعية والسياسية للمجتمع لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة،حتى النبي عيسى‏ (ع) لم يكن ديدنه ـ كما يتصور البعض خطأ ـ الرهبنة وترك الدنيا ، بل إنها “..وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ..” .

إن الرهبانية التي يراها الرسول الأكرم‏(ص) هي التوكل على اللَّه والدفاع المستميت عن قيم السماء ، عبر الجهاد في سبيل‏ اللَّه ومقاومة الظلم ومحاربة الأعداء .

ممارسات قشرية

إن هذا الفريق الذي يترك الدنيا ويتعبد بقشور الدين هارباً من لباب الدين وجوهره ومغزاه ، هو أبعد ما يكون عن‏ منهجية وسيرة الرسول الأكرم‏(ص) وأهل بيته الأطهار(ع) الذين كانت حياتهم كلها تحدٍّياً وتصدّياً لأسباب الظلم والتعسف ،حتى نالوا جميعاً وسام الشهادة ، فتقربوا واختصروا الطريق الى اللَّه سبحانه وتعالى .

أما الفريق الثاني الذي يفصل بين الدنيا والآخرة؛فهو شعاره(ما للَّه للَّه،وما لقيصر لقيصر) و (ما للمسجد للمسجد،وما للسوق للسوق‏) هذا التوجه وطريقة التفكير تصنع من المرء رجلاً ازدواجياً و مصلحياً يلهث وراء شهواته ليلتهمها ، ثم يلجأ الى المسجد وأداء بعض قشور العبادات ليغطي على سيئاته،إنه يقول لك: انظر في‏ المسجد ماذا يقول لك الخطيب ، انظر الى إمام الجماعة كيف يركع ويسجد ويقوم ، افعل كما يفعل الإمام ، ولكن في السوق‏ انظر ماذا تقول لك (البورصة ،وما الذي ينفعك فادخل فيه ، ولا شأن لك بغير ذلك.إنه لا يهمه من صفقته ‏التجارية فيما لو أضرّت باقتصاد البلد والمجتمع ، إنه يتصور كأن السوق لا يحكمه قانون اللَّه .

إن اللَّه سبحانه لا يتقبل صلاة هذا الفريق فكيف بسوقه وتجارته ، فالذي يصلي في المسجد ونيته الخروج منه لزرع‏ الفساد والظلم في الأرض ، هذا من الذين لا تقبل أعمالهم العبادية الظاهرية،لأن اللَّه سبحانه يقول :”فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ” فصلاة هذا الفريق لا قيمة لها ، لأنها لا تنهى عن الفحشاء والمنكر .

أما الفريق الثالث الذي يخوض في الدنيا مع الخائضين ولا يهتم بالمسجد ولا بالأحكام والقيم الشرعية والإلهية ؛ فهو الآخر سوف يؤول مصيره إلى نار جهنم ، لأنه لا يهتم في الدنيا إلاّ بما يرضي شهواته وغرائزه الحيوانية الزائلة .

يبقى الفريق الرابع من الناس ، وهو الفريق الذي ينجو من نار جهنم ويضمن سعادة الدارين،هو ذلك الذي يجعل الدنيا مزرعة لآخرته،وتصبح الآخرة هدف الدنيا بالنسبة له؛بل يرى الحياة كلها بأبعادها وجوانبها المختلفة والمتعددة في محضر اللَّه سبحانه ” قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ” ..إنه لا يفرق في كل حركة يقدم عليها بين الدنيا والآخرة ،فهو يتحرك في الدنيا ببواعث الآخرة ،وهذا الفريق من الناس هو الذي يسلك الطريق السليم والقويم. لبناء الحضارة الإلهية.

الحضارة الإلهية

إن الأمن من العناصر الحياتية الضرورية التي تحتاجها الكائنات الحية كافة وبالذات الحياة البشرية ، فلو كانت لنا حضارة متقدمة وراقية ولكن ليس فيها أمن،فما فائدة تلك الحضارة وصرحها الشامخ؟،فلو قالوا لنا مثلا أن هنالك قصرا منيفا ولكن في مناطق الصراع الطائفي هل يستطيع أحد أن يسكن وعائلته هنالك؟ أكيد لا، لذلك من يهدد هذا الأمن للناس اليوم يهدد بناء الله في الأرض وهو الأنسان،وها هم داعش يعيثون في الأرض فساداً،فإذا لم يجدوا من يقف بوجههم كما يفعل أبطال الجيش وأبطال الحشد الشعبي،فمن لهم حينها،ولو خذلنا هؤلاء المجاهدين كما خذلت الناس الإمام الحسين(ع) ماذا كان يحدث؟،لمدننا ومقدساتنا ولأهلنا أكيد كانت لتتهدم على يد الإرهاب والإرهابيين،إذاً الأمن والأمان من أولويات ومعالم حضارة الأنسان التي يجب أن تكون في مرضاة الله جل وعلا لتكون حضارة إلهية.

بين تسامي الإنسان و تسافله‏

ولكن نفس هذا الإنسان السامي القويم والمتكامل،بإمكانه ـ بين عشية وضحاها ـ أن ينزل إلى مستوى حتى دون مستوى‏ الوحوش الكاسرة،فتراه يختلف مع زميله فيتراشق وإياه بالكلمات والاتهامات،فيتحول إلى نزاع،ثم إلى معركة يستنجد بها كل طرف بقبيلته أو جماعته،فتشتعل الحرب الضارية بين الطرفين،فتحيل الحضارة والمدنية التي شيدها إلى‏ أنقاض ورماد .

هذا الإنسان هو الذي يخرب بيته بيده فيتسافل بعد أن خلقه اللَّه سبحانه وتعالى عظيم الشأن والمنزلة كأفضل من الملائكة إلى مرتبة أدنى من مرتبة ومقام الحيوانات،لأن الحيوانات قد تأكل بعضها بعضاً بحثاً عن رزقها وطعامها الضروري ‏والحياتي،إلا إنها لا تنهش كياناتها وتجمعاتها،غير إن هذا الإنسان يتسافل في حيوانيته لينهش لحم أخيه ويدمر وجوده وحضارته..”ثم رددناه أسفل سافلين ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون”،والسؤال هنا ما العمل‏ الصالح؟،البعض يفسره بأداء الصلاة أو الصوم أو الحج وباقي الفروع العبادية،إلاّ إن البعض الآخر وهو الأرجح يفسر هذا بالإيمان وليس بالعمل الصالح ،إنما العمل الصالح هو الذي له منفعة ومصلحة للأمة وللمجتمع.

فالكاسب و الكادّ على عياله الذي يذهب إلى‏السوق ويحترف التجارة ويحصل على المال الحلال فإنه يعمل عملاً صالحاً، فكسب المال إذاً كان الهدف منه إشباع‏ العيال وخدمة المجتمع،فهو عمل صالح ويؤجر المرء عليه لما يقدم خدمة للمجتمع وللآخرين.

وقد روي عن رسول اللَّه‏ (ص) أنه قال:”من سعادة المرء المسلم الزوجة الصالحة،والمسكن الواسع، والمركب البهي،والولد الصالح‏”.

ومن كلام لأمير المؤمنين الإمام (ع) بالبصرة،وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي ـ وهو من أصحابه ـ يعوده ،فلما رأى سعة داره،قال:”ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا،وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج ؟ وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة،تقري فيها الضيف ، وتصل فيها الرحم ، وتُطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة”.

الحضارة الإلهية قمة الرقي المعنوي و المادي‏

إن بلادنا الإسلامية ينبغي أن تكون أرقى بلدان العالم على النواحي والأصعدة كافة،سواء في مجال الصناعة أم الزراعة أ/ التكنولوجيا؛بل يجب أن نحوز على الرقم القياسي في هذا المجال،وذلك لأن المؤمن هو الذي يعمر دنياه‏ ببواعث الآخرة،لأن الدنيا في رؤيته مزرعة الآخرة.

فإذا كان الإنسان الكافر والمشرك يعمر ويبني دنياه بدوافع مادية بحتة،فالمؤمن يعمر الدنيا بدوافع أخروية إلهية أيضاً.

إن آباءنا وأجدادنا السابقين تمكنوا من أن يشيدوا مدنيتهم المادية بدوافع معنوية كبيرة،حتى ذهلت منها عقول العلماء المعاصرين،فكانت كلها بدوافع إيمانية نبيلة،فتلحظ فيها صور الإبداع والخلاقية كافة.من هنا،يجدر بنا في نهضتنا الحضارية ألا نألو جهداً في التزود الإيماني،مضافاً إلى الحصول على علوم الحياة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.