Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

الحكائين.. رحلة مع شجون الكتابة وأسرارها

هخهكخحكخه

اعداد/محرر الصفحة

بالرغم من كونه روائيًا متمرسًا استطاع أن يصنع لنفسه مكانًا بارزًا ومميزًا في خريطة الأدب السوداني خاصة والأدب العربي بشكلٍ عام، إلا أنه يروق لـ “أمير تاج السر” أن يصدر بين حينٍ وآخر كتابًا من تلك الكتب النادرة المميزة التي يكشف فيها عددًا من أسرار الكتابة وشجونها الخاصة، ويبدو باستمرار حريصًا على رد الفضل فيما يتعلق بالكتابة و”الحكاية” إلى أصحابه الأصليين، هؤلاء “الحكائين” الذين يتصدر اسمهم كتابه الجديد الصادر مؤخرًا عن دار الربيع العربي.يغوص الكتاب ويتطرق لمواضيع متنوعة وعديدة، وإن كانت تدور كلها في فلك الكتابة والثقافة بشكل عام، يمكننا أن نقسِّم مواضيع الكتاب أو مقالاته إلى ثلاثة أقسام رئيسة، الأول: ما يتعلق بالكتابة وشجونها، والثاني: تعليقات على كتب وروايات خاصة قرأها أمير تاج السر وتفاعل معها، والثالث: إضاءات على عدد من المبادرات والأنشطة الثقافية، سواء ما شارك فيها الكاتب بنفسه أو سمع عنها.فيما يتعلق بالكتابة، يشير “أمير تاج السر” أكثر من مرة في كتابه إلى “الحكائين“:(في الماضي كنا نطلق لقب الحكاء على أشخاص قليلين، نادرًا ما نصادفهم، كانوا يملكون تجارب إما خاضوها بالفعل، وإما تخيلوا أنهم خاضوها بما يملكون من موهبة تفعيل الخيال، وصبر في الاستماع للراديو الذي يزودهم بأدوات الحكي اللازمة، يتصدرون المجالس في أي مكان يزورونه، ويحكون وسط استغراب من يستمع إليهم. وغالبا ما يروون قصصًا لن تحدث لأمثالهم قط، لسبب بسيط، وهو أنهم يتجاوزون حتى الخطوط الحمراء للخيال).(أحس بشيء من الأسى تجاه عدم الاهتمام بأمثال هؤلاء الحكائين المبدعين، هم في الحقيقة يكتبون، أو يحكون شفاهيًا للمتعة الشخصية، أو الرغبة الجامحة في إيصال أفكارهم، لكن في حكاياتهم ثراء غير معقول وهم جديرون بالاحتفاء).(لقد عرفت حكائين شفاهيين كثيرين أثناء مصاحبتي للكتابة، وحقيقة، استلهمت منهم عددًا من تلك الحكايات التي كانت خامات جيدة، تبحث عمن يطورها، ويوثقها في نصوص مكتوبة).هكذا يرد الروائي الحكاية إلى أصحابها الأصليين، ويعترف ببساطة بالأخذ عنهم؛ بل وبأن معينهم خصب لا ينضب، وهو إذ يتحدث عن “الحكائين” والكتابة يبدو مهمومًا برصد وضع الكاتب والأديب في المنطقة العربية، ولا يخلو الأمر من مقارنته بغيره ممن يطلقون عليهم “نجوم المجتمع” في الفن أو الرياضة مثلًا، يقول في مقال دال يفيض بالحزن والشجن بعنوان (كلنا ماركو بولو): (لابد من الاعتراف بأن الكتابة لا تمنح شيئًا على الإطلاق، لا ثراء ولا نجومية، ولكن تراكمات من العذابات المتصلة، تنتهي بصاحبها إما إلى الجنون أو الموت، من دون أن يكون حقق شيئًا يذكر، وحتى أولئك العظماء الذين حققوا نجومية ما في الكتابة، لم يصبحوا من الشعبية بحيث يفلتوا من شباك الجهل بهم لدى بعض الناس).ولعل هذا الوضع المأساوي يتجلى بشكل أكبر حينما يتحدث “أمير تاج السر” عن حادثة حقيقية جرت في مصر مؤخرًا، وهي وفاة الشاعر السوداني (محمد حسين بهنس) مشردًا في شوارع “القاهرة” عام 2013، حيث لم يلق أي عناية أو رعاية لا من الدولة ولا من اتحاد الكتّاب، وهو إذ ينعي وفاة ذلك الكاتب يطالب ويأمل: (أن تفعّل أدوار اتحادات الكتاب المنتشرة في كل بلد، وتمنح لها ميزانيات معينة لحماية المبدعين من التشرد والبؤس، وأن تصبح السفارات في الخارج، صدورًا للاحتضان في زمن كثرت فيه الهجرات، ومحاولات اللجوء لما يظنه المبدع حياة أفضل، لا مضادات صادة، وأن تصبح الأوطان في النهاية، أوطانًا حقيقية واسعة الصدر تضم كل من انتمى لترابها بطيب خاطر، فحتى يصبح الإبداع إبداعًا حقيقيًا وتنويريًا كما أردد دائمًا، يجب أن يكون المبدع تحت حماية ما، إن لم يستطع أن يعمل تحت أي ظرف، أو اضطر لترك وظيفته التي تحميه، لأي سبب) لعل هذه الكلمات تلقى آذانًا تسمع أو تستجيب!.من جهة أخرى، تثور لدى “أميرتاج السر” وربما أكثر من مرة “أسئلة الكتابة” و”حكاياتها الطريفة“، والتي يبدو أنه موعودٌ بها باستمرار؛ إذ يصله تعليق من أحد الصبيان (واسمه مؤمن) إلى أن ما يكتبه إنما هو “كذب“، وكذلك تعقب عليه عجوز (اسمها آمنة) فتنتعته بأنه “كذاب”، والكاتب لا تفلت منه تلك التعليقات التي قد تبدو للآخرين سطحية أو عابرة، وإنما يتوقف أمام دوافع تلك النظرة التي أصبح عليها المجتمع من تصوّر أن الكاتب (لاسيما الروائي) ومن “يختلق القصص والحكايات” إنما هو كاذب بالضرورة، يحلل “أمير” في مقاله (رأي لمؤمن وآمنة) تلك النظرة، فيعتبر أنها ليست بالضرورة ذمًا للإبداع، وإنما هو اتساقٌ مع شروط الكتابة الجيدة، أي تلك التي تأخذ شيئًا من الواقع وتبني عليه لتضع في النهاية هيكلًا يملك ملامح الحياة الواقعية وملامح أخرى ليست من الواقع في شيء! ذلك أنه يرى أن “الكذب هو الخيال الذي يطوّر بذرة الواقع، يلقحها ويغرسها في تربة صالحةٍ للحكايات لتنمو حكاية قابلة ليتذوقها كثير من الناس“.ومن القضايا التي تكرر طرحها في الكتاب أيضًا وفي أكثر من مقال، قضية العلاقة بين الكاتب والناشر والمجتمع وطريقة الترويج للعمل الأدبي، كل ذلك لا شك يثير موضوع “المحرر الأدبي” أو “الوكيل الأدبي” الغائب في مجتمعاتنا العربية، والتي يبدو أمير تاج السر حريصًا على وجودها وتفعيلها في أسوة بما يحدث مع الكاتب والأديب في بلاد الغرب؛ بل إنه يعتبرها “من ضرورات الكتابة”. إننا بحاجة لوظيفة المحرر الأدبي الرسمية في العالم العربي، وحين تكون رسمية، قطعًا هي ملزمة بخلاف رأي الصديق أو الزوجة، وهو رأي ربما يلتزم به الكاتب وربما يلقي به بعيدًا.

قطعًا ستضيف مثل تلك الوظيفة كثيرًا للإبداع المكتوب، وسنتخلص من الزوائد التي تملأ الروايات بلا معنى. الرواية المكتوبة بفكرة خلاقة وأسلوب ذكي، ومرت على محرر ذي دراية وموهبة، تحدث في رأيي أثرًا أعمق مما لو أنها كانت مسؤولية الكاتب وحده.إذا كان الكاتب مهتمًا بالكتابة والنشر وقضايا الواقع الثقافي العربي حريصًا من خلال ما يكتبه على رصده، فإنه في البداية وبين هذا وذاك فهو “قارئ” محترف، حريصٌ -فيما يبدو من تعليقاته وكتابته- على مواصلة إثراء لغته وخياله بالمزيد من الحكايات والقصص المنثورة هنا وهناك بين الروايات والكتب الجديدة، مهتم بجمع ما تناثر من أفكارها في عدد من مقالاته، يأتي ذلك بشكل مفصل أحيانًا عندما يعلق مثلًا على أثر السينما على الأدب في مقال بعنوان (السينما أداة لترويج للرواية)، ويتحدث عن رواية (حياة باي) التي تم تحويلها إلى فيلم سينمائي بنفس العنوان، ويرى أن ذلك الأمر مهم وإيجابي في تقريب جمهور السينما العريض من قراءة الأدب، لاسيما إذا كان النص المأخوذ عنه الفيلم السينمائي نصًا بثراء (حياة باي) وقيمته.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.