Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

زيارة السر رونالد ستورز للنجف حينما حاول الإنكليز إستمالة السيد كاظم اليزدي ففشلوا في ذلك

22

وبينما كان الوضع الحكومي في النجف على مثل هذا زار بغداد رجل من رجال الانكليز الذين كان يتألف منهم “المكتب العربي” في القاهرة، المشرف على شؤون الاستخبارات البريطانية الخاصة بالبلاد العربية جمعاء، وهو (السر رونالد ستورز) الذي تعين فيما بعد حاكماً في القدس بمعية (هربرت صموئيل) المندوب السامي الصهيوني في فلسطين بعد احتلال الانكليز لها. وأصبح بعد ذلك حاكماً عاماً في قبرص حينما نفي إليها الملك حسين على أثر ابعاده عن الحجاز، وفي روديسيا الشمالية كذلك. وكان الجنرال ستورز، وهو ملم بالعربية تمام الالمام، قد زار النجف في 19 أيار 1917 قادماً من كربلا فاتصل ببعض وجوهها وعلمائها، ودوّن في كتابه المعروف بأشياء مهمة عنها في هذا الدور.فهو يبدأ بوصف الطريق ما بين كربلاء والنجف ويقول انه كان طريقاً سهلا، وبعد أن تجاوز منتصفه مع صحبه بانت له من بعيد القبة المذهبة وهي تتوهج بلمعانها في نور الشمس. وحينما وصل إليها بعد الظهر وخرج الاُلوف لاستقباله على ما يزعم، لا سيما قد كانت الأسواق مغلقة بمناسبة حلول يوم المبعث. وقد مر بعد ذلك في السوق المؤدية إلى العتبة المقدسة، ومن هناك توجه إلى دار السيد عباس الكليدار. ويأتي على وصف البيت فيخص بالذكر منه السرداب الكبير الذي تنخفض الحرارة فيه بمقدار عشر درجات عن الخارج. وحينما صعد وقت الغروب إلى سطح الدار القريبة من الحضرة المطهرة شاهد منه القبة والمآذن وبرج الساعة في الصحن عن قرب، وصوّر مناظر عدة من هناك على ضوء الشمس الغاربة، ثم استراح حتى دقت الساعة مشيرة إلى الثانية عشرة غروبية. وقد تذكر حينذاك ساعة كيمبرج أو “بيك بين” المشهورة. وبعد ان مل من مقابلة أعضاء المجلس البلدي وكبار الشيوخ على حد تعبيره ذهب إلى الفراش في التاسعة والنصف.

وقد استدعى اليه في صباح اليوم الثاني (20 أيار) تجار الحرير والسجاد، ثم أحضر فتاح الفال الذي نفحه بعشر روبيات برغم عدم براعته في مهنته. وتحدث مدة من الزمن مع الشيخ هادي(2) أحد شيوخ الجعارة فأنبه على ما كان يسمع عنه من تهريبه الطعام والأرزاق بوساطة عشائره إلى ابن رشيد حليف الأتراك في نجد، وهو يقول أنه فاتح شيوخ العشائر الآخرين بالموضوع نفسه وهددهم. وقد توجه إلى الكوفة على أثر هذا فقصد مع جماعته دار علوان الحاج سعدون شيخ بني حسن الذي يسيطر على الطريق الممتد من النجف إلى المسيب على حد تعبيره. وقد حرضه خلال حديثه معه هناك على مهاجمة ابن رشيد ونهب العشرة آلاف جمل التي يملكها فتعهد هو ومن كان معه من الشيوخ الآخرين على تنفيذ ذلك..

وبعد تناول الغداء مروا بجامع الكوفة وشاهدوا ما فيه من آثار ومواقع مهمة، وفي معيتهم السيد عباس الكليدار، ثم عادوا إلى النجف ليرتاحوا في السرداب البارد. وفي الساعة الخامسة من عصر ذلك اليوم توجه السر (رونالد ستورز) مع رفيقه المستر (غاربوت)، لزيارة العلامة الأكبر السيد كاظم اليزدي الذي يمتد نفوذه من العراق إلى إصفهان. ويذكر ستورز في هذا الشأن أن الإنكليز لم يكونوا مطمئنين من موقف السيد تجاههم، وانه كان قد رفض مبلغ المئتي باون الذي قدم اليه على سبيل الهدية من قبل. وكان المستر غاربوت الذي رافقه في السفرة من بغداد قد طلب اليه في هذه المرة أيضاً أن يتحايل على السيد اليزدي فيقدم له رزمة بألف باون هدية من الحكومة. فاستثقل هذه المهمة الصعبة، وكلف السر (رونالد ستورز) نفسه بأن يتولى المهمة عنه، فقبل بتحفظ. ودس الرزمة في جيبه ثم توجها إلى دار السيد، وهناك انتظر برهة من الزمن في خارج حجرته ريثما يخبر بحضورهما. فخرج لهما، وإذا به رجل متقدم في السن يلبس “زبوناً” أبيض ويعتمر بعمة سوداء وقد تخضبت لحيته وأظفاره بحنة حمراء لماعة. فحياهما من بعيد وأجلسهما على الحصيرة بجنبه خارج الحجرة. ويقول (ستورز) بعد أن تبحر في وجه السيد أنه أدرك في الحال السر في شهرته ونفوذه. فهناك قوة في سيمائه الواضحة وعينيه الرماديتين المتعبتين، وسلطان في وجوده وحديثه الخافت مما لم يجد له مثيلا في أي مكان آخر من بلاد المسلمين.

ويذكر كذلك أنه بعد أن أثنى عليه وعلى مواقفه المشرفة، أخذ يسأله عما إذا كان هناك أي شيء يريد أن يفعله الإنكليز له فبادره بقوله “حافظوا على العتبات الشريفة، حافظوا على العتبات الشريفة”. فاعتبر (ستورز) أنه يقصد بذلك المحافظة على العتبات ومن فيها من جماعة العلماء والمجتهدين بوجه عام.

وفي هذه المرحلة بدا السيد اليزدي للسر (رونالد) وكأنه قد نزل من عليائه بعض الشيء، لأنه أنعم عليه كما يقول بجملة ثناء أعقبها بكلمة خاطب بها عالماً آخر كان موجوداً في مجلسه، وقد علم بعد ذلك أنه قال له ان الأتراك لو كانوا يسلكون مثل هذا السلوك لما أضاعوا تعلق العرب بهم مطلقاً. فما كان من السر إلاّ أن يعده بنقل توجيهاته ومشورته هذه إلى السر بيرسي كوكس في بغداد. وبعد تردد وإحجام طلب إلى السيد أن يختلي به وحده لمدة ثلاث دقائق فقط، ثم ذكّره بوجود عدد لا يحصى من الفقراء الذين كانوا ينظرون اليه في اعاشتهم على الدوام، واسترحم منه بأن يمد يد المساعدة للأنكليز في هذا الشأن. وحينما مد (ستورز) يده لتقديم رزمة الباونات إلى السيد في هذه الأثناء دفع السيد الرزمة برفق مقرون بالعزم الأكيد وهو يعتذر عن قبولها. فلم يجد (ستورز) من اللياقة الالحاح على تقديمها، وعمد إلى فتح موضوع الشريف معه. وهو يقول ان السيد كان من المعجبين (بالشريف) والمؤيدين له. وبعد ساعة انقضت على هذا المنوال عزم السر (رونالد) على توديع السيد والعودة إلى المنزل، غير أنه قبل أن يفعل ذلك حاول تقديم الألف باون مرة ثانية اليه، لكنه رفضها من جديد بكل مجاملة وأدب. وهو يعتقد ان الشيء المهم الذي كان يعبأ به السيد هو الأنفة والإباء لا المال، وأنه لابد أن يخضع في الأخير بطريقة مناسبة حينما يكون الدافع لذلك شيئاً لا مطعن فيه. وهذا موقف بعيد تمام البعد عما يحدث في مصر والحجاز في ظروف مماثلة على حد تعبيره.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.