الشرعية الإلهية والمقبولية الشعبية

يشكّل تكوين الخطاب وتأسيس المشروع, تحديا كبيرا لكل صاحب قلم, وسياسي محنك, خصوصا في بلد مثل العراق, يتمتع بهذه الفسيفساء الاثنية والدينية والسياسية، بلد يتأرجح في الخيارات, بين مفهوم المواطنة وخيار الإسلام ، يعيش الصراع بين هويته الغالبة ( الاسلام ), وما يراد له من قبول استيراد ثقافة تفرضها ضريبة العولمة . والتحدي يكمن في طرح خطاب, يجمع بين الهوية الدينية, والانتماء الجغرافي الوطني الضيّق, الذي فرضه علينا التخطيط الغربي في القرن المنصرم ، بحيث ينصهر المفهومان, في مشروع يبني الدولة في مساحتها الجغرافية الضيقة, من جانب, ويؤدي واجبه الذي تفرضه عليه هويته الإسلامية, من جانب آخر .فالمشروع لابد أن لا ينسى الوطن الصغير, بآماله و آلامه ولغته وتراثه وفسيفسائه ، كما يجب عليه أن يتذكر ما بناه الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله, من حضارة اسلامية لا تنتمي لها الأبدان فقط بل تهفو لها المشاعر .وتشكّل المقاومة الإسلامية في العراق, أصلا ثابتا في التاريخ المعاصر لبلدنا ، ناضلت ضد الطغاة, وقاومت المحتلين, وصمدت بوجه التكفيريين, وأبطلت مشاريعهم, وكانت الرائدة في رفع الهاجس الأمني الذي يعاني منه العراقيون .وكما أختلف الغرب في تعريف مفهوم المواطنة، أختلف المسلمون في الموقف منها، فهناك من أضفى عليها الشرعية, من خلال الرجوع إلى بدايات الإسلام, وكيفية تعاطي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله مع مكة المكرمة ، وهناك من أعلن البراءة منها, وجعلها من المصطلحات الاستعمارية الوافدة ،وقسم آخر ( ونحن جزء منه ), يوائم بين آماله في الدولة الإسلامية, وحكم الإسلام, وبين انتمائه للوطن, بوجهة نظر شرعية بخلفية فقهية . وتقوم نظريتنا على أساس, أن قيام الدولة الاسلامية واجب وينبغي السعي إليه ،لكن لا يفرض بالقوة على الناس, فإذا حال الواقع العملي دون قيامها, فلا يمكن إلزام الناس بالقوة، فكما تستمد الدولة الإسلامية شرعيتها من الله، فهي تستمد مقبوليتها من الشعب، فالشرعية لا تستمد من الشعب, بل من الله, ولكنها لوحدها لا تكفي, بل تحتاج الى مقبولية لدى الشعب ، فرب شرعي غير مقبول, ورب مقبول غير شرعي, والثالث هو الشرعي المقبول، وسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله, واهل بيته زاخرة بهذه الأمثلة, ومنها ما حصل في صلح الحديبية وبيعة الرضوان, ومنها ما حصل في حادثة السقيفة, وما بعد مقتل عثمان, لذلك فالانتماء للأمة الإسلامية يبقى تكليف ورسالة، لكن الانتماء للوطن يظل مصداقا للسلوك ودافعا عمليا, ومن خلال هذه الرؤية, ننطلق في تغيير خطابنا, ونلتمس دواعي تبدله, والمعايير التي يعتمد عليها، والزمن الذي يعيش فيه، فالثورة تختلف عن المقاومة, والمقاومة تختلف عن الدولة, وكل حقبة لها متطلباتها, ويبقى هدفان ساميان نتحرك نحوهما, هما رضا الله ( الشرعية ), ورضا الجماهير( المقبولية ).

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.