Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

من أوراق الإحتلال البريطاني للعراق.. إضاءات على دكة عاكف في مدينة الحلة

خحهخحهخه

أعطى القائد التركي عاكف بيك، الحليين مهلة مدة 24 ساعة فقط، والا فسوف يتخذ بحقهم إجراءات قاسية، وقد أرعب هذا التهديد أهل الحلة، لأنها كانت ملأى بالفارين من ساحات القتال، وعدم استجابتهم طوعاً كان أمراً مفروغاُ منه، بالإضافة شعورهم بعدم مقدرة عاكف وقواته من تنفيذ إجراءات القبض، والسيطرة على تلك الأعداد الكبيرة غير المنصاعة بنظر الحكومة، والتي هي بالأساس حالات من التمرد الفردي مقرونة بدعم خفي من الأهالي، أدرك عاكف ذلك بعد فشل مساعيه، وانتهاء المهلة التي أعطاها لتنفيذ أوامره، ولعل حالة الغضب الذي انتابته قد ازدادت نتيجة العجز في تحقيق ما يصبو اليه، وهو يرى الأعداد الغفيرة من قواته وبكامل أسلحتها غير قادرة عن فعل شيء، وبنفس الوقت كان أهل الحلة يعتريهم هاجس الحيرة والاضطراب من وجود هذه القوات، فلما جن الليل ونام الناس وهدأت الأصوات، وزع عاكف قواته وانتشرت على شكل مجاميع كإجراء منه للسيطرة على المدينة بكاملها، ومن ثم تنفيذ ما جاء من أجله. فقد قامت القوات التركية في يوم 27 آب 1915 بإحاطة سور مدينة الحلة، والانتشار في معظم الطرقات،والتوزع على أبنية الدوائر الحكومية، وفي سابقة لم يألفها أهل الحلة، أعتلى البعض من الجندرمة منارة الجامع الكبير في سوق الحلة، لأنها تطل على معظم المدينة، وربما عد الإقدام على هذه الخطوة الرعناء من الحليين انتهاكاً صارخاً لحرمة بيوت الله، وتعبيراً عن استهتار بمشاعر المسلمين.مما أدى الى نشوب معركة رهيبة بين أهل الحلة والقوات التركية، استطاع فيها أهل الحلة أن يواجهوا قوات عاكف المنتشرة رغم عددها الكبير وتفوقها من حيث الأسلحة في معظم نقاط وجودها، ولعل هذا الانتشار الذي حول تلك القوات الى مجاميع هنا أوهناك، هو الذي ساعد الحليين على التحرك والمناورة، وبالتالي التمكن من المواجهة والقتال بتلك الهمة والاقتدار، وهو بنفس الوقت أيضاً شكّل عامل ضغط نفسي على تلك المجاميع من الجند الذين قتل منهم الكثيرون، والبعض الآخر فروا هاربين، حيث رأوا أن لا طاقة لهم على محاربة أهل الحلة ومن يساندهم من العشائر الذين كان البعض من أفرادها يحدوهم الأمل بالاستفادة فيما بعد من أعمال النهب والتسليب، تلك الأعمال التي كانت كثيراً ما ترافق هكذا مناسبات. قامت هذه العشائر بمهاجمة النقطة القريبة من تل الرماد ( الجبل أو حديقة الجنائن المعلقة حالياً)، واستطاعوا قتل بعض من كان في هذه النقطة، والبعض الأخر من الجند فروا هاربين، وقد قتل أكثرهم أثناء فرارهم، فقد كان من السهولة على الأهالي الاستفراد بقتالهم، والنيل منهم وانتشرت جثثهم على طوال سوق العلاوي، والأسواق الأخرى المتصلة به الى القشلة (مديرية الشرطة )، الكائنة في نهاية السوق من جهة الجسر القديم، ولم تستعصِ إلا مجموعة من الجند في النقطة التي كانت في باب النجف، فقد بقيت تقاوم وصمدت تقاتل الى ما بعد الزوال، وقد هاجمها الحليون، وبالأخص أهل محلة الجامعين هجوما عنيفا، وقد أبدى الجنود في هذه النقطة مقاومة كبيرة، ومن أجل حسم الموقف بشكل كامل فقد أعطاهم أهل الحلة الأمان، كي يوقفوا القتال ويسلموا أنفسهم، وجرى توجيه الحديث إليهم من أماكن قريبة بحيث يسمعون ما يتم به مناداتهم، وجرى الحديث معهم بعدة لغات منها التركية والكردية والعربية، فلم يستجيبوا مما أضطر أهل محلة الجامعين لمهاجمتهم، واقتحام النقطة عبر مناورات حربية، وفي الأخير استطاعوا قتل من كان فيها، وقد تم دفنهم بجوار سور المدينة قرب هذه النقطة، وهي تقع اليوم داخل مستشفى الولادة في باب المشهد، ثم دخلت العشائر القريبة من الحلة ينهبون ويسلبون أسلحة العسكر وملابسه، واشتركوا مع أهل الحلة في تتبع المتبقين منهم وقد قضوا على أكثريته، حيث كان متفرقا في أنحاء المدينة يلوذ عله ينجو، ولا يلقى مصير أقرانه. صار عاكف بيك بوضع لم يعهده من قبل، وهو أمام عصيان مدينة بكاملها تقريباً تساندها العشائر القريبة، ومما زاد من موقفه إحراجاً، وصول نجدة عسكرية مساء اليوم نفسه وهي دفعة من القوات الحكومية التي كانت تتمركز في مدينة السدة كدعم لموقف الحكومة في الحلة، أنقلب دور هذه النجدة العسكرية وبالاً على القائد التركي حين علم ما يبيت أهالي الحلة لها، حيث لم يكن بإستطاعته تأمين سلامة دخولها الى مواقعها داخل لمدينة، فلما وصلت هذه النجدة الى مدخل المدينة بالقرب من مشهد الشمس ( مقام مقدس في الحلة )، وهي تنوء بعناء الطريق وأثقال ما تحمله من أسلحة وتجهيزات، تم أحاطتها من أهل الحلة والعشائر المساندة هم، وكانوا يرقبون حلول الليل ليهجموا عليها كما فعلوا بالجند صباحاً، لاشك أن عاكف صار في وضع لا يحسد عليه بعد أن ضاق ذرعاً بسبب فشله في تنفيذ المهمة التي جاء من أجلها، والخسائر الكبيرة التي منيت بها قواته، بالإضافة الى هول الخطر الذي يحوم حول قوة النجدة الواصلة للحلة تواُ، مما جعله أمام الأمر الواقع راغباً السلم والخروج من المدينة مع القوات الحكومية كافة، وقد عمل لإتمام ذلك، بما أشار عليه بعض الحليين القريبين من الحكومة بأن يكلف العلامة السيد محمد القزويني وهو رجل دين جليل وكبير عائلة حلية تتمتع احترام ونفوذ بين أهل الحلة، وفعلا تدخل السيد محمد القزويني، ومن خلال تكليفه لبعض الشخصيات البارزة في المجتمع الحلي، جرى التفاهم مع المقاتلين من أهل الحلة والعشائر بما أشار به السيد وما تم الاتفاق عليه مع عاكف، فتنحى المقاتلون عن العسكر وادخلوه الحلة ولم يتعرض اليه احد بسوء، وبهذا العمل حقنت دماء كثيرة من الطرفين، وبعدها أضطر عاكف الى الإيفاء بوعده، فخرج بقواته من المدينة التي بقيت حاميتها خالية من الجند ولم يكن للسلطة أي اثر يذكر بعد هذه الحادثة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.