Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

إرهاصات قبيل حركة رشيد علي الكيلاني عام 1941

بلفقققثث

عاد نوري السعيد في 22 شباط 1940 – 31 آذار 1940 لتأليف وزارته الخامسة ، وقد اتصفت هذه الوزارة منذ بدايتها بالضعف ، وكان مؤمناً بأنها لن تدوم طويلاً ، ولاسيما بعد توتر الموقف بين القادة العسكريين ، وكذلك موقف نوري السعيد من ترحيل الرعايا الألمان ، وإعلان الحرب إلى جانب دول الحلفاء .

بدأت الأنظار تتجه نحو رشيد عالي الكيلاني لتسلم رئاسة الوزارة الجديدة ، بل ان نوري السعيد أوحى بذلك ، مع ضمان حقيبتي الخارجية له والدفاع لطه الهاشمي ، واستطاع نوري السعيد أن يكسب العقداء الأربعة إلى جانبه ، في حين ظهر تكتل عسكري معاكس يرفض دخول نوري وطه الوزارة الجديدة .

تسلّم رشيد عالي الكيلاني رئاسة الوزارة ( 31 آذار 1940 – 31 كانون الثاني 1941 ) في ظروف صعبة اتصفت بالتعقيد والتداخل ، لاسيما أن نوري السعيد قد ألقى بالمساوئ التي حصلت في عهد وزارتيه الرابعة والخامسة ، على الوزارة الجديدة ، زيادة على ذلك ظروف الحرب ، ومسألة خوض العراق فيها ، والعلاقة مع ألمانيا وقطع العلاقات مع إيطاليا .

دعت هذه الأمور إلى أزمة تفجرت بسبب موقف الحكومة من قطع العلاقات مع إيطاليا بعد أن انضمت إلى جانب ألمانيا في الحرب ضد دول الحلفاء ، إذ طلب السفير البريطاني ( بازل نيوتن Basil Newton ) من وزير الخارجية نوري السعيد أن يبلغ حكومته ضرورة قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيطاليا ، وقد أعرب نوري السعيد عن ثقته في أن حكومته ستقدم على هذا القرار، واضطرت هذه التطورات إلى عقد اجتماع عاجل واستثنائي لمجلس الوزراء لمناقشة الأمر ، وقد أعرب نوري السعيد عن انسحابه من وزارة الخارجية إذا لم تقطع العلاقات مع إيطاليا.

وجد رئيس الوزراء نفسه أمام تحديات ومسؤوليات خطيرة ، إذ أظهرت بريطانيا سخطها على حكومته ، وأخذت تتحين الفرص لتصعيد المواقف ضدها ، ولاسيما أن قرار مجلس الوزراء في مسألة قطع العلاقات مع إيطاليا لم يكن على وفق ما تشتهي بريطانيا ، فقد تقرر التريث في هذه المسألة ، وفي الوقت نفسه بدأ الميل يظهر نحو دول المحور بسبب الموقف البريطاني المعادي ، وكذلك موقف ألمانيا المتعاطف مع العرب ، ولاسيما القضية الفلسطينية ، وبهذا أصبح رشيد عالي الكيلاني أمام تحديات حقيقية ، ووجد نفسه على المحك ، بل أصبح واجهة التيار القومي الرافض للسيطرة البريطانية .

أظهرت بريطانيا تخوّفها من الحكومة الجديدة ، وأن زمام الأمور سينفلت من سيطرتها ، إذ رأت أن الحكومة العراقية القائمة لا تنسجم مع رغباتها ، ولن يستطيع من خلالها تحقيق أية مصالح تعود عليها بالفائدة ، لذا فقد تقدمت الحكومة البريطانية بطلب يتضمن السماح لقوات عسكرية بريطانية بالمرور عبر الأراضي العراقية ، وتأسيس معسكرات استراحة لقواتها الجوية في البصرة وبغداد والموصل .

ويبدو أن بريطانيا أرادت مضاعفة قواتها العسكرية في العراق تحسباً لأي طارئ قد يحدث داخل العراق ، بل أن ما فعلته يُعدّ ضغطاً على حكومة رشيد عالي الكيلاني الذي أصبح عقبة أمام السياسة والمصالح البريطانية ، التي أصبحت عاجزة عن تحقيقها مع وجود شخص مثله على رأس الحكومة .

لم يكن أمام السفارة البريطانية في العراق إلا العمل الموحد مع البلاط الملكي لإسقاط الوزارة ، لأن البلاط هو الآخر كان لا يستسيغ الوزارة القائمة ، وقد تمّ الاتفاق مع وزير الخارجية نوري السعيد وناجي شوكت على تقديم استقالتيهما ، حتى يتم زعزعة نصاب الوزارة تمهيداً لإسقاطها، في حين أظهر طه الهاشمي الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع ميلاً نحو البلاط الملكي والمواقف الذي يتبناه هذا البلاط .

على الرغم من تقديم نوري السعيد وزير الخارجية ، وناجي شوكت وزير العدلية استقالتيهما ، إلا أن الأزمة ظلّت قائمة ، فلقد كانت أيدٍ خفية ، ومواقف معينة للأطراف المتصارعة تقوم بتغذيتها ، حتى أن الوزارة القائمة تعرضت للانتقادات اللاذعة في اجتماع مجلس النواب ، بل أن نائب المنتفك ( ذي قار حالياً ) الشيخ زامل المناع طلب استقالة الوزارة .

بدأ الوصي يلحّ على الوزارة لتقدم استقالتها، وهذا ما أعلنه صراحةً لطه الهاشمي وزير الدفاع بحجة أنه لا يستطيع العمل بشكل مرضي مع رشيد عالي الكيلاني ، في حين بدأ أعضاء الوزارة تقديم طلب الاستقالة تباعاً ، وقد كان الوصي يأمل ذلك ، لأنه يعتقد بأن الوزارة تسقط تلقائياً عند انسحاب أعضائها الآخرين ، وبالتالي فإن الوصي وافق على استقالة ناجي السويدي وزير المالية ، والخارجية وكالةً ، وكذلك استقالة صادق البصام وزير المعارف ، ومع ذلك لم يرضخ رئيس الوزراء ، إذ تقدم إلى الوصي لتوقيع إرادة تقضي تعيين محمد علي محمود وزيراً للمالية ، وموسى الشابندر وزيراً للخارجية ، ويونس السبعاوي وزيراً للعدلية .وتأزّم الوضع بشكل كبير ، ووصلت لحظة الصدام حين طلب رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني من الوصي توقيع إرادة ملكية بحلّ المجلس النيابي القائم ، والبدء بانتخاب مجلس جديد ، وقد حمل الكيلاني الإرادة بنفسه إلى الوصي الذي طلب منه أن يمهله إلى الليل ، مماطلةً منه لاتخاذ ما يلزم ، ولم يجد الوصي بدّاً من الهرب إلى الديوانية للتخلص من ضغوط رئيس الوزراء .

اتصل الوصي من الديوانية بمتصرف البصرة صالح جبر ، والموصل تحسين علي ، والمنتفك يوسف ضياء ، والعمارة ماجد مصطفى ، كما اتصل بقائد قوات كركوك قاسم مقصود ، وطلب منهم عدم تلقي أية أوامر من حكومة بغداد.

ظلّ الموقف متوتراً ، ولم يستطع رئيس الوزراء طه الهاشمي التوفيق بين الوصي والعقداء الأربعة ، ولم يكن باستطاعة طه الهاشمي إلا مسايرة الوصي ، فقام بنقل العقداء الأربعة خارج بغداد ، وقد أحسّوا بمدى المؤامرة التي تريد تشتيتهم ، فأسرع فهمي سعيد ، ومعه رئيس أركان الجيش إلى دار طه الهاشمي ، وأعربا له عن قلقهم إزاء ما حدث ، ولم يخرجا من داره إلاّ وهما يحملان استقالته .

عَلِمَ الوصي بمقدم الضابطين وهما يحملان استقالة طه الهاشمي إثر الاتصال الذي أجراه الهاشمي قبل أن يصل الضابطان إليه ، فغادر الوصي هارباً بشكلٍ متخفٍ إلى السفارة الأمريكية ، ثم نقل منها إلى الحبانية ، وبعد ذلك نقلته طائرة حربية إلى البصرة ، ثم هرب إلى القدس وعمان وقد بقي هناك ، وبهربه أحدث فراغاً دستورياً ، فلم يوقّع استقالة الهاشمي ، ولم يكلّف أحد بتشكيل بالحكومة الجديدة .

أصبح الوضع حرجاً ، فالبلاد بلا حكومة ، وكان لابُدَّ للعقداء الأربعة ورشيد عالي الكيلاني تدارك الأمر إلى حين تشكيل حكومة جديدة ، فتكونت حكومة الدفاع الوطني.

تكونت حكومة الدفاع الوطني التي يرأسها رشيد عالي الكيلاني ، ودعمها تكتل الجيش المتمثل في عقدائه الأربعة ، وأصدر رئيس الحكومة بياناً أوضح فيه سبب قيام الحكومة وتوليه رئاستها.

وفي اليوم الأول من حزيران 1941 ، عاد الوصي عبد الإله تحت حماية الرشاشات البريطانية ، وكان أول عمل قام به ، هو تكليف جميل المدفعي بتأليف الوزارة الجديدة ، كما تم استصدار إرادة ملكية بإعلان الأحكام العرفية ، وقد أعلنت في الثالث من حزيران 1941 ، وتكوين مجلس عرفي عسكري للنظر في الأحداث ومحاكمة المسؤولين عنها .

أما حكومة جميل المدفعي ( 7 حزيران – 7 تشرين الأول 1941 ) ، فقد ألغت جميع القوانين التي صدرت عن حكومة الدفاع الوطني لأنها غير شرعية ، وَعُدّل القانون الأساس ( الدستور) بحيث يمكنه من السيطرة على البلاد في الظروف الاستثنائية ، إذ أصبح بإمكانه إقالة رئيس الوزراء عند الضرورة ، كما حُصِر تعيين قواد الفرق العسكرية بيده ، وزاد عدد أعضاء مجلس الأعيان ليصبح ربع عدد أعضاء المجلس النيابي ، ونقل العاصمة إلى إحدى المدن بصورة مؤقتة .

وحاولت بريطانيا إحكام سيطرتها على البلاد ، إذ عينت ضابطاً في كل لواء من ألوية العراق يمثل القوات البريطانية ، وقد أحدث ذلك تذمراً من لدى المتصرفين ، نتيجة تدخل هؤلاء الضباط ، كما قامت السفارة البريطانية بعد موافقة الحكومة العراقية على فرض رقابة شديدة على دوائر البريد ، لإحكام السيطرة على البلاد وحماية مصالحها ، بل ذهبت لفرض شروطها كيفما تشاء ، فطالبت بتعويض للمتضررين من الرعايا الإنكليز والموظفين من لدن الحكومة العراقية، وملاحقة كلّ المشتركين في حركة رشيد عالي الكيلاني .

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.