Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

زيارة كيري لم تطمئن المملكة..قلق سعودي من الترجمة السياسية للاتفاق النووي في ساحات إقليمية

uyoiuou

عندما يجزم وزير الخارجية الأميركي جون كيري بأن إيران ستتمكن من المضيِّ في برنامجها النووي إذا لم يُوقع الاتفاق معها، وأنَّ نجاح المحادثات سيحقق هدفا بإثبات أن البرنامج النووي الإيراني طابعه سلمي وسيبقى، فإنه يؤكد معلومات سابقة بأن التوافق تم في الجولات السابقة وأن تمديد المفاوضات جاء بناءً على طلب أميركي لتجاوز العقدة الإسرائيلية وعدم منح بنيامين نتنياهو فرصةً لاستثمارها انتخابيا، فضلا على تبديد الهواجس السعودية التي انزعجت بذريعة عدم إطلاعها مسبقاً على اتفاق جنيف النووي الأولي. قناعة كيري هذه عبَّر عنها وهو في طريقه الى الرياض للقاء الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي لطمأنتهم بأن الاتفاق النووي سيكون في مصلتحهم حسب الرواية الرسمية الموزعة عن أهداف الزيارة. لكن قلوب الوزراء الخليجيين شتى وإن كانت أجسامهم مجتمعة مع كيري، فليست مواقف الخليجيات هي نفسها تجاه إيران، وهذه حقيقة معروفة وإن اضطُرت بعض الدول الخليجية أن تساير الموقف السعودي لدرء شرِه الإعلامي على الأقل، ومراعاة للأعراف “العائلية” في تلك الدول. وللاستدلال على ذلك، فعلى الرغم من أن الإمارات تقف إعلاميا خلف السعودية بشكل شبه كامل، فإنها تُسرِّ في العلن أشياء مناقضة، مثل ما كشفته إحدى الصحف اللبنانية من أن مسؤولاً أمنياً إماراتياً كبيراً قال أمام مسؤول أمني عربي زار أبو ظبي مؤخرا بأنه على تواصل شبه يومي مع القيادة السورية و”ان أبو ظبي تتفهم حقيقة انخراط الإيرانيين وحزب الله في المعركة ضد «داعش» والإرهاب”، هذا فضلا على ضوابط الموقف الإماراتي المؤدب تجاه إيران. على الأرجح أن الامر النووي قُضي والسعودية باتت تتعامل معه كحقيقة قائمة وهي نالت ما تريده من حفظ ماء الوجه عبر إطلاعها مسبقا على نتائج المفاوضات، وإذا كانت تخاف حقيقة من امتلاك إيران قنبلة نووية فان واشنطن قادرة على توفير “مظلة نووية أميركية لمن يريد من الدول الخليجية مشابهة للتي تؤمنها لليابان وكوريا الجنوبية ودول الحلف الأطلسي لحمايتها من اعتداء نووي، من دون اضطرارها إلى تطوير قدرات ذرية وفقا لما أبلغت به مصادر غربية صحيفة “الحياة” السعودية الصادرة في لندن.

ذعر سعودي

والواقع أن البرنامج النووي ليس هو المشكلة ولا اطلاع السعوديين مسبقا على الاتفاق، فهل هم قادرون على منعه وقد حاولوا وأغروا الفرنسيين بالمليارات من الدولارات (صفقة الأسلحة الفرنسية للجيش اللبناني جاءت بهذه الخلفية) لكنهم اخفقوا، إنما المشكلة هي في الترجمة العملية للمفاوضات على شكل اتفاق تاريخي سيغير وجه المنطقة، وهذه هي الحقيقة التي تخيف السعودية بالدرجة الأولى، باعتبار أن الاتفاق سيقدم الجمهورية الإسلامية على أنها الدولة الإقليمية الاقدر على التحكم والتأثير في النظام الإقليمي الجديد انطلاقا من المعارك الرابحة التي خاضتها والتي كان أولها معركة المفاوضات النووية ومعها وقبلها الدعم العقلاني والأخلاقي لحلفائها في ساحات إقليمية عدة لم يعد الأميركيون يتحرجون من تسميتها. وهنا يكمن مصدر الخوف السعودي، من خلال النظر الى الاتفاق على انه ليس نوويا بقدر ما هو سياسي يؤسس لإعادة صياغة النظام الإقليمي الجديد مع إقرار وإذعان أميركي – وباعتراف من الرئيس باراك أوباما – أن إيران جزء لا يتجزأ منه ولها قطب الرحى، ليس محبة انما كأمر واقع لم تعد واشنطن تستطيع إنكاره ولا تجاوزه. بحسب تقارير غربية فان الفوبيا الإيرانية سلبت لب المسؤولين السعوديين الى درجة ان بعضهم يجاهر بتأجيج نزاعات داخلية بخلفية مذهبية أو قومية في ايران . والدليل على ما تقدم فانه وبينما كان كيري يتحدث عن فوائد الاتفاق النووي وهو العنوان الحصري لزيارته كان وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل يسهب في الحديث عن القضايا الإقليمية الأخرى بدءا من الساحة الأكثر إقلاقا للسعودية اليمن حيث أفرط في الكلام عن الانقلاب الحوثي ومخاطره وشرعية الرئيس هادي والمبادرة الخليجية التي أصبحت في خبر كان، قبل أن يتحدث عن معارضة بلاده وقلقها من المشاركة الإيرانية في عملية تحرير تكريت وينتقل الى سوريا ليقول أن التوازن العسكري ضروري قبل الحل السياسي، وربما أتى الفيصل بعبارة واحدة عن الموضوع النووي لرفع العتب فقط. وهنا يكمن مربط الهلع السعودي حيث تنظر الرياض بخوف شديد من الترجمات السياسية للاتفاق النووي في هذه الساحات الإقليمية وغيرها، وكيفية معالجة بعض الأزمات انطلاقا من شرعنة الدور الإيراني ودخوله الى قاموس السياسات الدولية بوصفه أمرا واقعا وقانونيا ومقبولاً، وهذا ما ظهر من خلال التباين الأميركي السعودي في النظر الى الدور الإيراني في عملية تكريت التي بررها كيري أمام الفيصل بالقول ان العملية بقيادة الجيش العراقي وإشرافه، ثم امتدحها قائد القوات الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي بوصفها عملا إيجابيا في مواجهة الإرهاب حتى ولو لم يكن هناك تنسيق مع الإيرانيين على الساحة العراقية.

ويكشف تركيز الفيصل على الملفات الساخنة حقيقة ان هناك مقاربات مختلفة بين الرياض و واشنطن تتجاوز الملف النووي وتتصل بملفات ساخنة أخرى لتصل الى حد إعادة تعريف دور المملكة النفطية بذاتها في النظام الإقليمي الجديد ومدى الحصانة التي ستبقى الولايات المتحدة مستعدة لتقديمها للنظام السعودي كما فعلت طيلة العقود الماضية، عندما كانت المملكة بعين الاميركيين بئرا نفطيا يحتاجونه لملء خزانات احتياطاتهم الاستراتيجية والحفاظ ما امكن من النفط الأميركي في بطن الأرض بانتظار زمن ينضب فيه نفط الآخرين، فتبقى الولايات المتحدة مع مخزون بترولي كبير تعتاش منه لعقود مع موارد الطاقة الجديدة. ويبدو ان الرياض استشعرت تقلص الحاجة الأميركية اليها سيما بعدما قفز النفط الصخري الى الواجهة. وهناك نقطة أخرى لم يستطع الاميركيون تجاهلها ولا تزال تؤرق بال السعوديين وهي العلاقة الجذرية بين المدرسة الوهابية التكفيرية والظواهر التكفيرية العنفية المنتشرة في العالم الإسلامي باعتبارها نتاجاً لهذه المدرسة التي تتقاسم النفوذ في المملكة وتشكل المظلة الشرعية للنظام، وهي حقيقة تأسست عليها المملكة ذاتها باتفاق معروف بين كبير العائلة الحاكمة التي اسمت الدولة باسمه وصاحب المدرسة الوهابية التي سميت أيضا باسم شيخها.

توجه سعودي لتشكيل تحالف ضد طهران

واليوم ومع نزوع واشنطن نحو الحل السياسي لأزمة البرنامج النووي الإيراني قرع جرس الإنذار في الرياض بسبب التحول في السلوك الأميركي وأيضا الأوروبي الذي يبدو انه يتقاطع في الإقرار بأن دور وموقع ايران بات حتمية جيوستراتيجية لا يمكن تجاهلها ولا بد من قطيعة مع المرحلة الماضية. وهذه نقطة خلاف جوهرية أميركية سعودية أوروبية لا يمكن القفز عنها بعدما اعتاشت السعودية كثيرا على تفاقم النزاع بين الأطراف الثلاثة. وهذا ربما ما يفسر النزعة الحالية التي يتم الحديث عنها بإسهاب في وسائل الاعلام الغربية والعربية وفي الأوساط السياسية عن توجه سعودي لتشكيل تحالف سني في مواجهة المد الإيراني، وهو ما اسبغ عن اللقاءات المكثفة التي يعقدها الملك سلمان مع قادة في دول مجلس التعاون ورئيسي تركيا ومصر. وبمعزل عن فرص نجاح هذا التحالف المذهبي الكفيل بتأجيج النزاعات في المنطقة فانه ينطوي على تفسير بأن السعودية تبحث عن بدائل إقليمية للتعويض عن الحلفاء الخارجيين الاميركيين والأوروبيين مع طموح بان تكون الرياض هي في صدارة القيادة الإقليمية لمواجهة عدو واحد تسميه ايران بعدما كانت السياسة الخارجية السعودية تقضي بالوقوف خلف الآخرين (مصر مثلاً). السعودية تبحث عن بدائل إقليمية للتعويض عن الحلفاء الخارجيين الاميركيين والأوروبيين مع طموح بان تكون الرياض هي في صدارة القيادة الإقليمية لمواجهة عدو واحد. وبحسب تقارير غربية فان الفوبيا الإيرانية سلبت لبَّ المسؤولين السعوديين الى درجة ان بعضهم يجاهر بتأجيج نزاعات داخلية بخلفية مذهبية أو قومية في ايران، وهو ما سمعه مسؤولون أوروبيون بآذانهم في لقاءات لهم مع مسؤولين في الخارجية السعودية يعتبرون انهم قادرون على اللعب داخل ايران كما هي تلعب داخل الساحات العربية، ولديهم الإمكانات المالية لذلك. ومع تحذيرهم من مغبة هكذا تفكير في الاروقة السعودية وارتدادها على المملكة نفسها، فان مسؤولا أوروبيا زار بيروت مؤخرا نقلت عنه صحيفة السفير اللبنانية ان “مشكلتنا مع السعودية وجاراتها الخليجية أنها دول خائفة وقلقة، وهذا النوع من الدول قد يؤذي غيره”.لكن مشكلة الرياض ليست مع طهران وحدها في ظل بروز مؤشرات عن تفهم غربي واسع لما تقوم به ايران وحلفاؤها في مواجهات الجماعات التكفيرية الى حد انها تراجعت عما كانت تسميه تدخلا في الشؤون الداخلية لبعض الدول سيما في سوريا والعراق، وهذه المعطيات تؤشر الى تحولات مهمة في الموقف الغربي لا ترضي بالضرورة القيادة السعودية التي يبدو انها تشعر بالعزلة في مواقفها التصعيدية ضد ايران، فبعض التقارير الصحفية الرصينة تتحدث عن كلام جديد في بعض العواصم الاوروبية ومنه ما نقلته صحيفة السفير اللبنانية أيضا عن ان “الايطاليين قالوا لباقي حلفائهم الأوروبيين بالحرف الواحد: حزب الله وإيران والنظام السوري هم حلفاء موضوعيون لنا في الحرب ضد الإرهاب”. حتى ان الصحيفة وفي التقرير نفسه تحدثت عن جواب أحد قادة 14 آذار أمام مسؤولة دولية في بيروت عندما سألته: “اذا انسحب حزب الله من سوريا وسلم الحدود كلها للجيش اللبناني، هل يشكل ذلك عنصراً كافياً لتنفيس الاحتقان السياسي والمذهبي، وبالتالي تحصين الاستقرار اللبناني، فجاءها الجواب من ضيفها: ومن قال لك إننا نقبل بأن ينسحب حزب الله من الحدود ويترك الجيش اللبناني وحده هناك؟. ومن دون الافراط في التعويل على هذه المعلومات وغيرها فانها على الأقل مؤشرات على طريقة تفكير جديدة تنظر اليها الرياض بعين القلق سواء كانت وقائع في ساحات بعيدة عنها أو في ساحة ملاصقة لحدودها، أي الساحة اليمنية، فهي لا تستطيع ان تهمل رفضاً أميركياً لنقل السفارة من صنعاء الى عدن كما فعلت هي وبعض الدول الخليجية ولم تفعل أخرى مثل سلطنة عمان، وأيضا كما ترفض بريطانيا نقل سفارتها وتفضل مع الاميركيين إدارة مصالحها من دول مجاورة (الاميركيون اختاروا جدة)، وهذا بذاته ربما يفسر استعجالاً سعودياً في التفرد بالشأن اليمني، أو محاولة فرض مسار معين على الاميركيين يريدون التأني في بلورة تصوارتهم لكيفية التعامل معه، أو تعبير عن قلق من تراجع أميركي آخر كما يحصل الان في العراق وكما حصل في سوريا، وبالتالي فان الأجندة السعودية اليوم باتت متخمة بالأزمات الى حد ان واشنطن قد لا تستطيع تلبية كل احتياجاتها إلا على وفق مصالحها التي في أمكنة عدة أصبحت على افتراق مع مصالح المملكة النفطية التي يبدو انها تقترب من إسرائيل بقدر ما تبتعد عن اميركا وفقا لتقدير مسؤول أوروبي، وبقدر ما يبتعد بنيامين نتنياهو عن باراك أوباما ايضاً، بحيث تبدو زيارة كيري للرياض وغيرها من الزيارات المستقبلية تجتهد فقط في تنظيم الخلافات والحفاظ على ما سيتبقى من مصالح مشتركة بين البلدين.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.