سنة الإستبدال.. قراءة في الأسباب وبيان المصاديق

عهخعهخع

حمزة العقابي

كثيرة هي القوانين الربانية والسنن الإلهية التي ذكرها الله تعالى في محكم كتابه الكريم، والتي لا تبدل أبداً كما قال تعالى:”سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” الأحزاب-الآية-62.،ومن هذه السنن التي سنتحدث عنها سنة (الاستبدال)، والآيات القرآنية التي تحدثت عن هذا القانون كثيرة منها قوله تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” المائدة- الآية-54،وقوله أيضا:”إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” التوبة-الآية–39 ،وغيرها من الآيات القرآنية،فما المقصود من هذه السنة؟ وما الاسباب الداعية الى تغيير مجتمع ما واستبداله؟ وما صفات المجتمع البديل؟ .

معنى هذا القانون بإيجاز ان المجتمع الذي يترك مسؤولياته ويبتعد عن أوامر الله تعالى- المجتمع المستبدل- فسوف يستبدله الله بغيره ممن يحملون المسؤولية وأعباء الرسالة الإلهية ـ المجتمع البديل – ، فكتاب الله لا يرى بقاء لأي فئة متخاذلة، ولابد أن تحل محلها فئة أخرى قادرة على إنجاز مهامها الرسالية، وتحيي دين الله من جديد .

ووفقاً للسنة القرآنية، والأحاديث النبوية، لابد أن يحصل في أمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما حصل في الأمم السابقة، والاستبدال وقع في الامم السابقة كبني اسرائيل مثلا؛وذلك عند رفضهم خلافة هارون لموسى (عليه السلام)،وعبادتهم العجل بقيادة السامري، وامتناعهم عن دخول الأرض المقدسة،وتماديهم في الانحراف،وقتلهم الأنبياء والأوصياء، وغيرها من المفاسد التي ذكرها القرآن الكريم بشكل مفصل، وعليه سوف يقع الاستبدال في أمة محمد (ص)،اذا انحرفت هذه الأمة عن المسار الذي وضعه الرسول (ص) كما أشار القرآن الكريم الى ذلك.

لماذا الإستبدال ؟

إن الله عزّ وجلّ خلق الخلق لغاية وهي معرفته والايمان به وبأنبيائه وأوصيائه(ع) والالتزام بأوامره وترك نواهيه وبالتالي الفوز بالنعيم الابدي فقد روي في كتاب علل الشرائع عن محمد بن عمارة قال: سألت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فقلت له: لِمَ خلق الله الخلق؟ فقال عليه السلام: “إن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قدرته، وليكلفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة، ولا يدفع بهم مضرة،بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الأبد”.

فلكي يحقق الإنسان غاية الله في خلقه لابد له من الايمان والعمل الصالح، وكما هو معروف بأن الإيمان متعلق بالجانب العقائدي، وهو الايمان به تعالى وتوحيده وعدله والايمان بأنبيائه وبأوصياء أنبيائه(ع) والايمان بالآخرة،اما العمل الصالح فهو متعلق بالجانب السلوكي كالصلاة والزكاة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من العبادات والمعاملات،فالبشرية اذا تركت الايمان والعمل الصالح أو تركت أحدهما فهي بالتالي لم تحقق غاية الله في ايجادها عندئذ سيحل الله عليها عقوبة الاستبدال من أجل إحياء دينه.

وقد تعرضت ثلاث آيات قرآنية الى أسباب الإستبدال وهي:

1- قوله تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ” ، ذكرت هذه الآية سبباً للاستبدال وهو الارتداد عن دين الله وهذا السبب – كما هو واضح – متعلق بالجانب العقائدي، وليس الارتداد متعلقاً بجميع الأركان العقائدية فقط فالأمة اذا اهملت ركناً واحدا ًمن هذه الأركان فهي مرتدة؛ لأن هذه الأركان مرتبطة ببعضها البعض ويستحيل أن تنفك،وكما هو معروف وللأسف الشديد ان غالبية أمة المسلمين لم تعترف بالإمامة المنصوصة عن النبي (ص) ولم تعترف بخلافة الإمام علي(ع) للرسول (ص)، كبني إسرائيل الذين رفضوا خلافة هارون (ع) لموسى(ع) فأحل الله عليهم عقوبة الاستبدال.

2- قوله تعالى:”هَا أَنتُمْ هَؤُلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ” سورة محمد – الآية – 38 ،هذه الآية بينت سببا آخر للاستبدال وهو ترك تعاليم الله وشريعته ومنها الانفاق في سبيل الله، وهذا السبب متعلق بالجانب السلوكي، وهذا هو حال الأعم الأغلب للأمة الإسلامية فالكثير من مفردات الشريعة الاسلامية من عبادات ومعاملات أصبحت مغيبة و لا أثر لها.

3- قوله تعالى:”إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”7،تطرقت هذه الآية الى سبب مهم للاستبدال وهو ترك جهاد أعداء الله، هذه المفردة التي تجلب العزة والكرامة للأمة، وقد ركزت الكثير من الآيات القرآنية على هذا المفهوم ولكن للأسف الشديد نجد ان المسلمين الآن قد ابتعدوا عن هذا المفهوم وحقيقته – الا القليل – فمنهم من حرّفه فأخذ يقتل أبناء الأمة الاسلامية باسم الجهاد، وهؤلاء هم التكفيريون – الصنيعة الأمريكية الاسرائيلية – والتي اُريد من خلالها ضرب الدين الاسلامي من الداخل، ومنهم من عزل هذا المفهوم نهائياً عن الحياة – كالسعودية والدول الخليجية والعربية الأخرى – ورضوا بالذل والخضوع أمام القوى الاستكبارية، فأصبحوا كالخادم الذي يلبي ما يمليه عليه سيده من دون قيد وشرط، فهل أراد الله تعالى أن تعيش الأمة الاسلامية هكذا؟ الم ينهَنا الله عن اتخاذ أعدائه أولياء من دونه في اكثر من آية، ومنها قوله:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” سورة المائدة،الآية 57.

البديل الممهد والبديل التام:

بعد أن تعرفنا على معنى الاستبدال والأسباب الداعية له بقي علينا أن نعرف من المجتمع البديل والذي سيتحمل أعباء الرسالة المحمدية ويحييها من جديد؟، وقبل معرفة المجتمع البديل لابد لنا أن نعرف ما صفاته؟، وقد أشارت الآية 54 من سورة المائدة إلى هذه الصفات حيث قال تعالى:”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ “وهذه الصفات هي:

1- يحبهم الله ويحبونه “يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ”، وليس المقصود هنا الحب القلبي فقط بل الحب الذي يستتبع الاعتقاد و العمل.

2- متواضعون أمام المؤمنين وأشداء على أعداء الله “أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ”، على خلاف المجتمع الذي سيستبدل المتمثل بحكام الأنظمة الخليجية والعربية ومن يساندهم فهم يمارسون كل أنواع الاضطهاد بحق إخوانهم المستضعفين تلبيةً لأوامر أسيادهم أعداء الله والدين أمريكا وإسرائيل.

3- يجاهدون أعداء الله وجهادهم هذا عن عزيمة وقوة تكمن في داخلهم من أجل رفع الظلم والجور عن المستضعفين وإحلال الشريعة الإسلامية السمحة بدل الشريعة الاستكبارية المقيتة “يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ” .

هذه هي صفات المجتمع البديل التي ذكرها الله تعالى في محكم كتابه.يبقى السؤال على من تنطبق تلك الصفات؟

بكل صراحة ووضوح أقول إن هذه الصفات تنطبق على الجمهورية الإسلامية في إيران – والحركات المقاومة في العالم العربي المنضوية تحتها – التي أرسى دعائمها الإمام الخميني “قدس سره” فقد أحيت هذه الجمهورية الإسلام المحمدي وطبقته على أرض الواقع حتى قال عنها المفكر الإسلامي الكبير السيد محمد باقر الصدر “قدس سره” وهو ينظر إلى مكتبته الإسلامية بما مضمونه: لقد طبق الإمام الخميني هذه الكتب على أرض الواقع.

ولو تحدثنا عن وقوف الجمهورية الإسلامية ودعمها للمستضعفين في العالم وجهادها لاحتجنا إلى صفحات كثيرة، و نذكر على سبيل المثال لا الحصر دعمها للمقاومة الإسلامية في لبنان للوقوف بوجه الكيان الصهيوني، ودعمها للمقاومة الإسلامية في العراق لطرد الاحتلال الأمريكي، و فوق كل ذلك دعمها لفلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي الغاصب وسط هذا الخذلان الكبير من الأنظمة العربية، وأخيراً وليس آخراً دعمها و وقوفها مع الشعبين العراقي والسوري ضد التيار الداعشي التكفيري.

واللطيف في الأمر أن هناك روايات عند الفريقين تدل على ذلك، منها إن رسول الله (ص) تلا الآية السابقة، فقالوا: يا رسول الله! من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله(ص) على منكب سلمان ثم قال: “هذا وقومه، والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس”،وروي عن سعيد بن جبير في تفسير الآية السابقة انه قال:”هم أبناء فارس”.

على ان الجمهورية الإسلامية في إيران هي بديل ممهد لا بديل تام بمعنى انها تمهد لدولة العدل الإلهي دولة الإمام المهدي “عجل الله فرجه” حيث تتجلى الصفات التي ذكرناها قبل قليل للمجتمع البديل بشكل أكمل و أتم في هذه الدولة الذي سيملأ قائدها الإمام المنتظر الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، وهناك روايات تشير إلى هذا المعنى، منها قول رسول الله (ص):”يخرج قوم من المشرق يوطئون للمهدي سلطانه”،وفي رواية محمد بن الحنفية قال:”تخرج راية سوداء لبني العباس،ثم تخرج من خراسان أخرى سوداء قلانسهم سود وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يقال له شعيب بن صالح،أو صالح بن شعيب،من تميم،يهزمون أصحاب السفياني،حتى تنزل بيت المقدس،توطئ للمهدي سلطانه،ويمد إليه ثلثمئة من الشام..”.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.