مذكرات من البيت الميت.. هل قرأنا دوستويفسكي الحقيقي ؟

حهخحهخ

حين رأيت الطبعة الجديدة من رواية (مذكرات من البيت الميت للاديب الروسي فيودور دوستويفسكي ) الصادرة مؤخرا بالعربية عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء بترجمة الدكتور ادريس الملياني، كان انطباعي الاول: ماذا يمكن ان اجد في عمل كنت قد قرأته منذ ما يزيد على العقدين من الزمن ، وماذا يمكن ان يضيف مترجم لم اكن اعرفه لابداعات الدكتور سامي الدروبي الذي اتحف القارئ العربي بترجمة الاعمال الكاملة لدوستويفسكي؛ لكن الصدمة كانت كبيرة ، جعلتني اقف واراجع الكثير مما اصبح مسلمات في الثقافة العربية وخصوصا تجاه ماترجم لها من اللغات الاخرى ، وانا متأكد من ان المتلقي سيشعر بما اقول بعد قراءته لمقدمة الترجمة الجديدة.. ولنبدأ الحكاية من البداية .يعد الدكتور سامي الدروبي علامة فارقة في الثقافة العربية بما اضافه لها من ترجمات مهمة في مختلف مجالات الثقافة والفكروالادب ،تأليفا وترجمة ،وهنا سنتناوله مترجما ، فقد ترجم الاعمال الكاملة للاديب الروسي الكبير دوستويفسكي في 18 مجلدا في ( نحو 11000 صفحة ) وترجم الاعمال الكاملة للاديب الروسي الكبير ليو تولستوي في خمسة مجلدات في ( نحو 4000 صفحة ) بالاضافة الى ترجمة اعمال مهمة لبوشكين وليرمنتوف وكورلينكو ، وبالتالي فقد عرف القارئ العربي على أمهات الادب الروسي . اما في حقل الفلسفة ، وهو تخصص الدكتور الدروبي الحاصل على دكتوراة الفلسفة من جامعة باريس ، فقد ترجم اغلب اعمال الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون الى العربية ، كما ترجم لكتاب اخرين ؛ من البرازيل ( ماشادو ده اسيس ) ومن يوغسلافيا ( ايفو اندريتش الحاصل على نوبل للاداب ) وكتّاب عرب يكتبون بالفرنسية مثل ( ثلاثية محمد ديب ) . قصارى القول ان الدكتور سامي الدروبي قد ترجم اكثر من ثلاثين الف صفحة الى اللغة العربية ، نتاج غزير بلا شك ، وهنا يجب ان نضع في الاعتبار ان الدروبي لم يكن متفرغا للكتابة والترجمة ، فقد كان اكاديميا يدرِّس في جامعة دمشق ثم وزيرا للتعليم ثم سفيرا ومندوبا دائما لسوريا في جامعة الدول العربية ، وهو مع ذلك توفي مبكرا عن عمر 55 عاما ، ومن المعروف ان كل أعمال الترجمة تلك كان الدكتور سامي الدروبي قد انجزها في سنوات مرضه بمرض القلب – اذ حصل على شبه تفرغ من الوظيفة – والتي امتدت من عام 1969 وحتى عام 1976 . ويجب ان نؤكد ان كل الترجمات التي قدمها الدروبي كانت عن اللغة الفرنسية لانه لايجيد لغة اخرى .ولابد هنا من ان نذكر ايضا ما قاله عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين لأحد الصحفيين ذات مرة : “إنّني أقرأ ترجمات الدكتور سامي الدروبي للأعمال الكاملة لدوستويفسكي، والذي يثير إعجابي أنّ هذا الإنسان مؤسَّسة بكاملها بل أحسن، ها نحن نرى شخصاً واحداً يقوم بهذا العمل الجبَّار، فيعطي القارئ العربي والمكتبة العربية أعمال دوستويفسكي كاملةً بأسلوب آخاذٍ ولغة جميلة متينة وبفهم عميق لروح المؤلف”.لكن المفارقة الصادمة للمتلقي تكمن في الملاحظات التي ذكرها مترجم ( ذكريات من البيت الميت ) الصادرة حديثا وهو الاستاذ ادريس الملياني ، وهو شاعر مغربي معاصر، اكاديمي وصحفي و مترجم عن الفرنسية والروسية ، اذ يذكر عدة ملاحظات على ترجمات دوستويفسكي السابقة بشكل عام و( ذكريات من البيت الميت ) بشكل خاص ، فيذكر ان البداية مع اسم الكاتب الروسي الكبير الذي دخل الى العربية بلفظ خاطئ اذ ان من المفروض ان يكتب ( دايستافسكي ) كما يلفظ بالروسية وليس كما رسم طبقا للفظ الفرنسي ( دوستويفسكي ) ، اما العتبة الاولى للنص / العنوان فهو ( مذكرات من البيت الميت ) والبيت الميت هو توصيف للمعتقل السيبيري الذي تدور فيه احداث الرواية ، ولا نعلم لمذا تحول الى( ذكريات من منزل الاموات ) في ترجمة الدروبي وهو ، اي الدروبي ، يقر بذلك في مقدمة ترجمته اذ يذكر ان ترجمة العنوان غير دقيقة ، فإن دوستويفسكي يحدثنا هنا عن منزل ميت يدفن في الناس احياء !!! اذا لماذا ابقى على العنوان الخاطئ ؟ كما تم حذف العديد من العتبات الاخرى كالاهداء والهوامش والحواشي التي وضعها الكاتب في الاصل الروسي للعمل دون تبيان اي مبرر لذلك ، والمشكلة في ترجمات الدروبي انها قامت على لغة وسيطة هي اللغة الفرنسية وبالاستناد الى طبعة مجهولة ، اذ لم يذكر في الكتاب النص الاصلي المترجم عنه ، لكن الملياني وعبرتتبعه الامر لانه يجيد الفرنسية والروسية والعربية توصل الى النص الفرنسي الذي تمت الترجمة عنه ، وهونص اقل ما يوصف به انه غير امين على الاصل الروسي ، وقد ذكر الملياني في مقدمته العديد من الامثلة التي تم فيها تحريف المفردات الروسية الى مفردات تتساوق مع الثقافة الفرنسية ، مثل ترجمة نوع من المعجنات الروسية كالاتش تم تحويلها الى كرواسون وهو اسم معجنات فرنسية ، بل حتى الاسماء تم تغييرها من اسماء روسية الى فرنسية مثل اكولكا الذي تحول الى أسيلين ! والكلب شاريك تحول الى بولو دون مبرر ، كما ان التشبيهات او التوصيفات كان المترجم الفرنسي قد اشتغل عليها فاصبحت فرنسية وحتى شعبية فرنسية ومن ثم تمت ترجمتها الى العربية !!! بالاضافة الى العديد من اخطاء المضامين مثلما ورد في ص 230 من ترجمة الدروبي حيث يذكر في النص الروسي حكمة روسية اقرب ما تكون للمقولة العربية العين بالعين والسن بالسن ، لكنها ترجمت بحسب الدروبي الى (ان لاحدهما سن تركب سنا اخرى ) ، وهكذا هنالك العديد من الامثلة التي لا يتسع المقام لذكرها جميعا.ما قيل عن الترجمات الفرنسية لاعمال دوستويفسكي الى الفرنسية ؛ ان هنالك اربع ترجمات لاعمال دوستويفسكي الى الفرنسية الثلاث الاولى منها غير دقيقية وغير امينة وربما كانت الترجمة الافضل هي ترجمة الشاعر اندرية ماركوفتش المولود في براغ من ام روسية واب فرنسي من اصل بولندي.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.