أثينا الجديدة .. نقلة نوعية في التاريخ العالمي اليونان تواجه الأزمة الاقتصادية على قاعدة عدم الانفصال عن المجموعة الأوروبية

مهخهحهخ

صوفيا ـ جورج حداد

يعد انتصار اليسار الراديكالي في اليونان نقطة تحول مفصلية في تاريخ اليونان الحديث، وهو سيكون نقطة انطلاق ليس فقط للتطور القادم الى اليونان فقط، بل ولأوروبا وروسيا وحوض البحر الأبيض المتوسط والعالم كله.

الانقسام العميق

للمجتمع اليوناني

إن المجتمع اليوناني هو مجتمع منقسم سياسيا بعمق، وخاصة منذ الحرب العالمية الثانية. وقد جرى طمس وتمويه هذا الانقسام بفعل الوضع السياسي الراهن، العالمي والإقليمي والداخلي. والآن يعود هذا الانقسام ليطفو بشدة على سطح المسرح السياسي. والحكم السابق في اليونان (بكل مراحله: الملكية، والدكتاتورية العسكرية، و”الديمقراطية الليبيرالية” أو “الاشتراكية الإصلاحية” لم يكن سوى نتيجة لسحق قوات المقاومة الشعبية بقيادة الشيوعيين خلال الحرب الاهلية اليونانية سنة 1946 ـ 1949.

الثورة اليونانية سنة 1946 .. أول ضحية لاتفاقية يالطا

فخلال الحرب العالمية الثانية وبمواجهة الهجوم الإيطالي ثم النازي- الألماني على اليونان، فرَّ الملك الى بريطانيا، واستسلمت القوات الأنجلو ـ ساكسونية للألمان بسهولة. واضطلع الحزب الشيوعي القديم بدور مركزي في المقاومة الشعبية المسلحة ضد الاحتلال النازي الألماني. وهذا ما أهَّله كي يحوز شعبية واسعة تمكنه من الاضطلاع بدور مميز في الحياة السياسية للبلاد بعد نهاية الحرب. وكان الحزب قادراً على الفوز في أية انتخابات نيابية وإعلان اليونان كـ”جمهورية ديمقراطية شعبية” (كباقي بلدان أوروبا الشرقية حينذاك) أو على الأقل المشاركة الائتلافية بقوة وبشكل واسع في السلطة الجديدة بعد الحرب، وهذا ما أرعب الجبهة الغربية بقيادة أميركا وبريطانيا (قبل إنشاء الناتو) فصدر في سنة 1946، بمبادرة من الرئيس الأميركي ترومان ما يمكن تسميته “قانون الولاء”، الذي طبقته حكومة الملك العميل، والذي كان يتوجب فيه على كل مواطن أن يقدم بيانا عن ميوله السياسية وانتمائه الحزبي… إلخ. وقد مُنع المواطنون “المشكوك في ولائهم الوطني” (أي للسلطة) من ممارسة حقوقهم المدنية، ومن العمل في المؤسسات، كما مُنع أولادهم من الانتساب الى الكليات والجامعات. أي انه، بوجود الملكية والاحتلال الانجلو ـ ساكسوني، كان يطلب من ملايين اليونانيين أن يرحلوا من أرض أجدادهم. وفي مثل هذه الظروف القاهرة اتجه الحزب الشيوعي اليوناني نحو إعلان الانتفاضة الشعبية، حيث بدأت في 1946 الحرب الأهلية اليونانية التي استمرت حتى سنة 1949. وتشكَّل ما يسمى “الجيش الديمقراطي في اليونان” بقيادة الجنرال الشيوعي الشهير ماركوس فافياديس. وشق الجيش الشعبي طريقه من الجبال لتحرير أثينا ذاتها. وكانت فلول الجيش الملكي تفر أمامه أو تستسلم. ولكن الجيش الشعبي اضطر للتراجع عن تحرير أثينا بسبب المقاومة الضارية من قبل القوات الأنجلو ـ ساكسونية، وخاصة القصف بالمدفعية الثقيلة والحديثة وقصف الطيران الأميركي واستخدام قنابل النابالم. وكانت غالبية أسلحة الجيش الشعبي من مخلَّفات الحرب العالمية الثانية، من الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها من معسكرات الجيش الملكي المهزوم، والتي صار يصعب الحصول على ذخيرة لها. وقد اعتمدت القوات الانجلو ـ ساكسونية سياسة “الأرض المحروقة” في ضرب قوات الجيش الشعبي وقواعد انطلاقه. وتقول الإحصاءات الرسمية اليونانية أنه سقط في الحرب الاهلية 70 الف قتيل من المقاومة (ما عدا المدنيين) وتم تهجير اكثر من مليون نسمة. وقد اتجه الجيش الشعبي لطلب المساعدة اللوجستية من الدول “الديمقراطية الشعبية” المجاورة ومن الاتحاد السوفياتي. ولكن حال دون ذلك خلاف تيتو ـ ستالين (حول مسألة الدولة الفيدرالية اليوغوسلافية والدولة الفيدرالية لشعوب البلقان، وهو ما لم تكن الكتلة الغربية والخائن ستالين موافقين عليه) من جهة ، ومن جهة ثانية وأساسية تقيّد ستالين باتفاقية يالطا التي تعد اليونان “منطقة نفوذ غربية”. ويقول القائد الشيوعي اليوغوسلافي المنشق دجيلاس في إحدى كتاباته انه خلال لقاء بين وفد شيوعي يوغوسلافي وستالين في شباط 1948 قال ستالين: “هل تفكرون ان بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية ـ اقوى دولة في العالم ـ سوف تسمحان بأن نقطع عليهما خطوط امدادهما في البحر الأبيض المتوسط ؟ هذا هراء. ونحن لا نملك أسطولا. ان الانتفاضة في اليونان ينبغي ان تتوقف فورا”.

ويفسر بعض المحللين التاريخيين امتناع القيادة الشيوعية اليوغوسلافية عن الاستمرار في دعم الجيش الشعبي اليوناني بخوف تيتو من ان يتم تطبيق اتفاقية يالطا على يوغوسلافيا أيضا وان يتم هجوم انجلو ـ ساكسوني ساحق على يوغوسلافيا، بموافقة ستالين. وبعد هزيمة الجيش الشعبي سنة 1949 سمح لبقاياه بأن تنسحب في مجموعات صغيرة، عبر الأراضي التركية بالذات، الى بلغاريا والاتحاد السوفياتي. وطبعا ألقى ستالين كل مسؤولية عدم مساعدة الجيش الشعبي اليوناني بوجه الدعم الانجلو ـ ساكسوني للحكم الملكي اليوناني، على قيادة تيتو. وفي الوقت نفسه قامت الأجهزة الستالينية العمياء بتصفية آلاف المقاتلين والمناضلين الشيوعيين اليونانيين الذين كانوا يقاتلون الاحتلال الانجلو ـ ساكسوني لبلادهم، والذين لجأوا الى الاتحاد السوفياتي، بإرسالهم الى “معسكرات الموت” الستالينية بتهمة… “العمالة للإنكليز”! أما الجنرال ماركوس فافياديس فقد وُجهت اليه انتقادات شديدة واتهامات ملفقة عديدة (كما يقول عشرات المقاتلين اليونانيين الذين التقيتهم شخصيا في بلغاريا في مطلع الستينيات من القرن الماضي) وعزل من كل مسؤولياته ولكنه “رحم” وسمح له بالعمل والعيش كعامل بسيط في معمل للأحذية. (وللمقارنة والعبرة نذكر ان الزعيم الكردي مصطفى البارزاني حينما انسحب مع بقية قواته الى الاتحاد السوفياتي بعد سقوط “جمهورية مهاباد” الكردية سنة 1946، “بفضل” اتفاقية يالطا أيضا التي كانت تعد ايران كاليونان “منطقة نفوذ غربية”، أعطي رتبة جنرال في الجيش الأحمر، وعومل على هذا الأساس حتى عودته الى العراق بعد ثورة تموز 1958).

تغييرات نوعية في المجرى التاريخي

وطبعا، خلال أكثر من ستة عقود ماضية جرت مياه كثيرة، فالملكية اندثرت، والكنيسة الارثوذكسية التي كانت تلتصق بالملكية أصبحت أكثر استقلالية وأكثر شعبية وأكثر وطنية، وانفضح اليمين الموالي للغرب، الفاشستي والليبيرالي و”الاشتراكي ـ الديمقراطي الاصلاحي”، وانهارت المنظومة السوفياتية والاتحاد السوفياتي، وسقطت موضوعيا اتفاقية يالطا التي كانت تلزم اليونان بأن تكون تابعة للغرب، وانشقت وتبعثرت الحركة الشيوعية العالمية، وظهرت شتى الأحزاب اليسارية، ومنها “الشيوعية الاسمية” و”شيوعية (!) الخيانة الوطنية” (كشيوعية كريم مروة والياس عطالله ونديم عبد الصمد، الذين استبدلوا ماركس وانجلز ولينين بالحريري والسنيورة والنفط ودولار)، و”الشيوعية الهجينة” التي لم تعرف طريقها بعد، كما ظهرت وتقوت الأحزاب والكتل والتيارات اليسارية والراديكالية: التروتسكية و”الستالينية” والماوية والغيفارية… إلخ.

بوصلة ألكسيس تسيبراس

وقد تشكل حزب “سيريزا” (وهو اسم مركب من الاحرف الأولى لاسم “الائتلاف الراديكالي اليساري” باللغة اليونانية) كاتحاد تحالفي لأحزاب يسارية راديكالية عدة: تروتسكية، ماوية، غيفارية، وانصار البيئة الراديكاليين. وكان لألكسيس تسيبراس الدور الرئيس في توحيد هذه الأحزاب والجماعات. وكان هو نفسه منذ الخامسة عشرة من عمره المناضل في صفوف الحركة الطلابية الشيوعية، ثم تحول الى الغيفارية. وتسلم تسيبراس دوراً رئيساً في التقريب بين هذه الأحزاب ثم توحيدها في الائتلاف. مما يدل على ثقافته الواسعة، والقدرة على إيجاد لغة فكرية مشتركة مع كل منها، وأخيراً جمعها حول برنامج عمل سياسي ـ اجتماعي ـ وطني، موحد، يرضى به الجميع. وكانت تلك نقلة نوعية في التخلّص من الشرذمة الشاملة لليسار وتشتيت الجماهير الشعبية اليونانية ذات التقاليد النضالية التاريخية. وفي سنة 2013 عمدت الكتل والأحزاب السابقة التي كان يتشكل منها “الائتلاف الراديكالي اليساري” الى حل نفسها وتحويل “سيريزا” الى حزب يساري راديكالي موحد، يستطيع أي مناضل فرد موافق على برنامجه ونظامه الداخلي ان ينتسب اليه، دون إلزامه أن يكون عضواً في أية جماعة راديكالية أخرى من الجماعات التي تشكل منها حزب “سيريزا” بالأساس. وانتخب الكسيس تسيبراس من جديد رئيسا لحزب “سيريزا” الجديد. ومنذ تأسيسه قاد تسيبراس الحزب من نصر انتخابي الى نصر انتخابي أكبر، الى أن فاز في الانتخابات الأخيرة بنسبة اكثر من 36% و149 مقعدا نيابيا من اصل 300. أي لم ينقصه سوى مقعدين ليحوز نسبة النصف زائد واحدا كي يشكل الحكومة منفردا أو بالتحالف ذي الخلفية السياسية مع أي حزب آخر، صغيراً كان أو متوسطاً.

قيادة تحمل عبء التاريخ

ومع تشكيل الوزارة الجديدة وعلى اثر التشكيل أعطى تسيبراس وحكومته الإشارات القوية التالية التي تدل على التوجهات الرئيسة للحكومة:

1ـ لدى تأدية القسم التقليدي أمام رئيس الجمهورية كارولوس بابولياس امتنع تسيبراس عن ان يكون الاحتفال بحضور رجل الدين الأرثوذكسي كما هي العادة تقليديا، واكتفى بتقديم قسم يمين مدني بموجب الدستور، ومن دون أي محتوى ديني. وبذلك، ومنذ الخطوة الأولى نحو تحمل المسؤولية الوطنية، اكد تسيبراس وحكومته العزم على بناء دولة مدنية تعترف بحقوق جميع المواطنين على أساس المواطنية، من دون تفضيل أي دين أو مذهب اخر، بما في ذلك الدين أو المذهب الأرثوذكسي الذي ينتمي اليه جميع افراد الحكومة وغالبية الشعب اليوناني. ولكن في الوقت نفسه قام تسيبراس بزيارة خاصة الى البطريركية الارثوذكسية للتأكيد على المكانة والدور الخاصين للكنيسة الارثوذكسية في التاريخ اليوناني، ومن ثم مسؤوليتها الخاصة في إعادة بناء اليونان الجديدة، بدون التطلع الى حيازة أي امتيازات على حساب الأديان والمذاهب الأخرى، أو حيازة امتيازات خاصة في السلطة.

حكومة وحدة وطنية

2ـ لتشكيل الوزارة الائتلافية كان من الأسهل لحزب “سيريزا” اليساري ان يختار احد الأحزاب اليسارية الصغيرة الى جانبه. ولكنه فضّل ان يختار كحليف له حزبا يختلف معه أيديولوجيا وبشكل تام، وهو حزب “اليونانيين المستقلين” ذي التوجه الديني الأرثوذكسي. ولكنه لم يمنح الحزب أية وزارة محددة، بل عيَّن وزراءه كوزراء دولة، باستثناء رئيس الحزب بانوس كامينوس الذي سُلِّم إحدى اهم الوزارات وهي وزارة الدفاع. وهذا يعني ان حزب “سيريزا” أراد، أولا، ان يبعد عن الوزارة اللون الحزبي ـ الأيديولوجي الواحد، وان يضفي عليها الطابع الوطني الشامل. واراد، ثانيا وهو الأهم، ان يؤكد ان اليسار الراديكالي لا يمثل “انقطاعا” بل “استمرارا” للتاريخ الأرثوذكسي لليونان، وان يقول للصليبية الغربية وللاسلاموية العثمانية ان الارثوذوكسية خصوصا والمسيحية الشرقية عموما مازالت هنا، وستدافع عن وجودها وعن حقوقها التاريخية.

التوجه

الاستراتيجي الاوراسي

3ـ عين نيكوس كوتزياس وزيراً للخارجية اليونانية، وهذه نقطة مهمة جدا تدل على تكامل استراتيجي، ثقافي واقتصادي وسياسي وعسكري، لليونان في عهدها الجديد. فنيكوس كوتزياس هو أستاذ جامعة على علاقة وثيقة بروسيا، وهو من أنصار التوجه الأوراسي، الذي يقوم على مبدأ التفاعل والتكامل والتعاون، حضاريا واقتصاديا وسياسيا وعسكريا، بين أوروبا وآسيا. والجدير ذكره أن الرئيس الروسي بوتين هو من انصار الفكرة الاوراسية، وكل السياسة الروسية مبنية على فكرة التوجه الاوراسي. والفكرة الاوراسية ليست فكرة سياسية طارئة بالنسبة لليونان، بل هي تدخل في صميم ثقافة وتكوين الشعب اليوناني منذ الاف السنين. وتعبر عن هذه الفكرة خير تعبير الأسطورة اليونانية حول الاله الأسطوري اليوناني زفس (زيوس) والاميرة الفينيقية أوروبا (شقيقة قدموس) ابنة الملك الفينيقي أجينور. وتقول الأسطورة، ان زفس شاهد أوروبا وهي تتنزه على شاطئ البحر الفينيقي فأعجب بها، فتحوّر في شكل ثور وخطفها الى بلاد اليونان وتزوجها. وإكراما لها تمت تسمية الأرض الواقعة خلف البلقان، أي قارة أوروبا، باسمها. وسافر قدموس الى جزر اليونان بحثا عن اخته أوروبا. وخلال ذلك علَّم اليونانيين الابجدية الفينيقية وبنى مدينة طيبا. ولذلك يلقب قدموس بـ “المعلم” و”الباني”. ومن الثابت تاريخيا ان الاغريق اخذوا الأبجدية من الفينيقيين، ونحتوا منها الابجدية الاغريقية، ومن الاغريقية أخذت الكيريلية (السلافية) واللاتينية (الأوروبية الغربية). وظهور الحضارة الهيلينية ما بعد الغزو الاسكندري للشرق وهو إحدى اكبر ثمرات الاوراسية، وتم نتيجة لتفاعل وتدامج الحضارة الاغريقية الكلاسيكية القديمة مع الحضارات الارامية (السريانية والاشورية) والقبطية والفارسية. ولا يزال اليونانيون الى اليوم يسمون انفسهم “الهيلينيين” وبلادهم “هلاس” أو “إلاس” وجمهوريتهم “الجمهورية الهيلينية”. ومن أبرز علائم الاوراسية الفلسفة الرواقية التي وضعها الفيلسوف زينون الفينيقي (334ق.م ـ 262ق.م) الذي ولد في قبرص وعلَّم ومات في أثينا. وقد مهدت الرواقية لظهور المسيحية وانتشارها في الأوساط المثقفة، على مستوى الدعوة للفضيلة والأخلاق ومعارضة العبودية والمبادئ الفلسفية، المتناقضة معثقافة العبودية والعنصرية واللااخلاقية الرومانية.

العداء التاريخي الغربي لليونانيين

ومنذ الإمبراطورية الرومانية وحتى الحروب الصليبية، وعلى الرغم من ان فئة من الطبقة العليا الاغريقية تعاملت مع الغرب من اجل مصالحها الطبقية، فإن الشعب الإغريقي أو الهيليني أو اليوناني عومل دائما كعدو. وفي القرون الوسطى تآمر اليهود والبابويون مع العثمانيين وساعدوهم على الاستيلاء على آسيا الصغرى والقسم الأوروبي مما يسمى اليوم تركيا والقسطنطينية، وذبح وطرد غالبية اليونانيين من أراضيهم التاريخية. وفي الحرب العالمية الاولى وفي اعقابها دعم الانجليز “اعداءهم” الاتراك للتغلب على اليونانيين وذبح وطرد الأقلية الباقية منهم في اسطنبول، واستمرار سيطرة تركيا على مضائق الدردنيل والبوسفور. وبعد تنسيب اليونان الى الاتحاد الأوروبي والناتو بعد الحرب العالمية، عوملت اليونان دائما ككمية مهملة، وانتهجت حيالها سياسة الإهمال والإفقار والحصار المبطن، من اجل اضعافها الى اقصى حد وتقوية تركيا عليها، ومنعها من المطالبة بحقوقها التاريخية والسكوت المطبق عن الاحتلال التركي لشمال قبرص تمهيدا للاستيلاء على النفط والغاز المكتشف منذ عشرات السنين في شرقي المتوسط ومنع اليونان من الاستفادة منه الا بما تسمح به الاحتكارات العالمية. والازمة الاقتصادية الراهنة ما هي الا نتيجة “طبيعية” للهيمنة الغربية على اليونان. والتوجه الاستراتيجي الاوراسي الجديد للسلطة اليونانية الجديدة، وعودة اليونان “الى الشرق” سيقلب كل البانوراما الجيو-استراتيجية القائمة حاليا رأسا على عقب.

مع روسيا ولكن ليس

ضد أوروبا

4ـ كان اول سفير اجنبي قابله رئيس الوزراء الجديد تسيبراس هو السفير الروسي، ولم يرشح شيء الى الصحافة عما دار في الاجتماع سوى ان السفير نقل رسالة تهنئة من الرئيس الروسي الى الحكومة الجديدة. ولكن غالبية المعلقين أشاروا الى أهمية إعطاء الأولوية للاجتماع مع السفير الروسي. وهو ما يدل على رغبة السلطة اليونانية الجديدة في طي صفحة الماضي في العلاقات اليونانية ـ الروسية التي لم تكن تخرج عن نطاق املاءات الناتو والاتحاد الأوروبي. وبالمعيار عينه فإن جميع العلاقات الخارجية اليونانية، بما في ذلك مع الدول الشرق – أوسطية والعربية ستتحرر تماما من هذه الإملاءات.

القضية الوطنية اليونانية

5ـ ان اول زيارة خارجية قام بها رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس كانت الى قبرص، وهذا يدل على ان الحكومة اليونانية الجديدة تعطي الأولوية للقضية القومية اليونانية، داخل وخارج “الدولة اليونانية” الراهنة، التي فصّلتها الامبريالية العالمية كما تشاء، بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. وهو يعني ان السلطة اليونانية الحالية، بما تمثله من حركة شعبية راديكالية وامتداد تاريخي لكفاح الشعب اليوناني، بدأت تستعد، بشكل دبلوماسي وغير دبلوماسي، رسمي وشعبي، لطرح القضية الوطنية للشعب اليوناني، بكل تفاصيلها، كتحرير شمال قبرص من الاحتلال التركي بدعم أميركي ـ ناتوي، وعودة مئات الاف المهجرين القبارصة اليونانيين الى أراضيهم وبيوتهم، واجلاء القاعدة العسكرية الأميركية من جزيرة كريت، وفك الارتباط العسكري مع الناتو، وإنهاء التعاون العسكري مع إسرائيل، مما يهدد الأمن القومي لليونان ويتعارض مع المصلحة الوطنية العليا لها في إقامة علاقات متوازنة مع روسيا والصين وايران والبلدان العربية وغيرها. كما ستطرح من جديد وحدة قبرص واليونان، ومشاركة اليونان في استثمار النفط والغاز المكتشف في شرقي البحر الأبيض المتوسط. ولن يتم ذلك بعد الان تحت سقف املاءات الناتو والاتحاد الأوروبي، بل تحت سقف علاقات الصداقة والعلاقات ذات المصلحة المتبادلة اليونانية ـ الروسية، اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. ولن يطول الوقت الذي ستبدأ فيه الغواصات النووية والسفن الحربية الروسية تتنزه في المربع بين قبرص وسوريا ومضائق الدردنيل والبوسفور وجنوب ايطاليا.

حل الأزمة ليس على حساب

الجماهير الشعبية

6ـ بعد نيل الثقة ألقى رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس خطابا مطولا في البرلمان ركز فيه على مواجهة الازمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، انطلاقا من النقاط التالية: أولا ـ وقف إجراءات التقشف التي كان يفرضها برنامج الإنقاذ للدائنين الخارجيين، والذي كان يهدف الى حل الازمة المالية على حساب الجماهير الشعبية الكادحة والصناديق الاجتماعية، أي تخفيض مستوى المعيشة ورفع معدلات البطالة والفقر و”القتل الجماعي” بالجوع والمرض للمتقاعدين والمرضى الفقراء واجبار الشبان القادرين على العمل على الهجرة، وتغيير التركيب القومي للسكان على المدى المتوسط والبعيد. ثانياـ وقف دفع الدين الخارجي لحين الاتفاق على برنامج انقاذي جديد، والتفاوض مع الدائنين الخارجيين حول ذلك. وتركيز المفاوضات مع المجموعة الأوروبية والاستبعاد العملي لصندوق النقد الدولي (أي عمليا استبعاد اميركا) عن المفاوضات. وذلك من دون أي وهم حول النوايا الحقيقية للدائنين الأوروبيين أنفسهم (وبالأخص المانيا) بأن هدفهم الأساس ليس مساعدة اليونان بل نهبها اكثر واستعباد شعبها الأبي. بل ان وزير الدفاع (من الحزب الأرثوذكسي) أدلى بتصريح صحفي، قال فيه: لسنا نحن الذين ينبغي ان ندفع الديون لألمانيا، بل على المانيا ان تدفع لنا تعويضات حرب عن الخسائر المادية الكبرى والبشرية (300.000 قتيل من المقاومة و400.000 مدني) خلال الاحتلال النازي لليونان في الحرب العالمية الثانية. هذا وتجري الان مفاوضات صعبة بين وزير المالية اليوناني الجديد يانيس فاروفاكيس الذي يعد من صقور حزب “سيريزا” وبين المجموعة الأوروبية. وقد تم الاتفاق على تمديد برنامج الإنقاذ الحالي مدة أربعة أشهر، ستتابع خلالها المفاوضات للتوصل الى اتفاق مرضٍ للطرفين. ثالثا ـ وقف خصخصة مشاريع القطاع العام، وإعادة تشغيل بعض القطاعات التي تم توقيفها وصرف العاملين فيها من اجل برنامج “التقشف” الذي فرضه الدائنون الخارجيون. رابعا ـ مكافحة تهريب الأموال والتهرب من دفع الضرائب.

اليونان همزة

وصل بين روسيا وأوروبا

خامساـ لقد قام وزير الخارجية اليوناني الجديد بزيارة موسكو، وقابل نظيره الروسي سيرغي لافروف، الذي صرّح بأن روسيا مستعدة لتقديم المساعدة الاقتصادية والمالية الى اليونان متى قدم طلب بذلك اليها، وادلت الناطقة باسم وزارة الخارجية الصينية بتصريح مماثل. ولكن أثينا تتريث في طلب المساعدة من روسيا والصين، وتستفيد من التجربة المريرة لاوكرانيا التي ورطتها المجموعات الفاشستية واليمينية في الخيار العنصري: اما أوروبا واما روسيا. والحكومة اليونانية الجديدة تريد ان تستند الى الدعم الروسي من اجل تعزيز مواقعها الأوروبية وليس للخروج من الاتحاد الأوروبي. وروسيا تؤيدها في هذا التوجه السليم. لان أوروبا هي ليست فقط أوروبا الحكومات بل هي أيضا أوروبا الشعوب. والموقف الأوروبي قابل للتغيير. ويقول رئيس الوزراء تسيبراس: ان اوساطا شعبية ومنظمات أوروبية كثيرة بدأت تدعم اليونان ضد الدائنين الخارجيين، وخصوصاً استبعاد صندوق النقد الدولي الذي هو أداة هيمنة أميركية.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.