حقيقة الديمقراطية – 1

حسن النحوي

الديمقراطية Democracy كلمة مشتقة من لفظتين يونانيتين هما: Demos (الشعب) و (Krgtos) (سلطة) ومعناها الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب.

إذن الديمقراطية – في إطارها السياسي القديم- كلمة يونانية مركبة تركيباً مزجياً من لفظتين، معناهما (حكم الشعب) أي سلطة الحكم المستمدة من الشعب، تمييزاً لها من حكم الفرد، أو حكم فئة قليلة ، وقد تسربت هذه الكلمة اليونانية إلى كل اللغات حديثاً وقديماً.

ولد مصطلح ( الديمقراطية) في بلاد الإغريق – وفي أثينا بالذات- أرقى مدن الإغريق، التي كانت كل منهما دولة قائمة بذاتها.

الدولة الإغريقية كانت صغيرة لذا كان من السهل على الشعب أن يمارس الحكم مباشرة عن طريق اجتماع أفراده، فلم تكن ثمة برلمان ولا وزارات ولا موظفون دائمون بالمعنى الاصطلاحي المعاصر.

لكننا نرى أن الذي استعمل هذا اللفظ – الديمقراطية- أول مرة كان يقصد منها التعبير عن فكرة مثالية أكثر من التعبير عن واقع حي، أو عن تجربة ممارسة أو يمكن ممارستها.

إنّ > حكم الشعب نفسه بنفسه< وهذا معناه اليوناني الأصلي، لم يتم ولن يتم في أي عصر من العصور إذ كانت تعيش في أحلام الفلاسفة اليونان وهي الديمقراطية المثالية (ideal democracy) , إذ أن فكرة (الشعب) تستدعي مقابلاً لها ، وهو فكرة (الدولة), فمن الصعب تصور (( شعب )) دون نوع من التنظيم يربط هذا الشعب .ومن الصعب كذلك تصور (تنظيم) دون نوع من الجهاز الرابط المنسق. وكيفما كان هذا الجهاز فإنه لا يمكن إلا أن يكون دولة ، أو مؤسسة قريبة الشبه بها. إذ أن كلمة (حكم) نفسها لا يتحدد معناها إلا إذا كان هناك طرفان: أحدهما حاكم، والآخر محكوم هذا علاوة على الأداة أو الوسيلة التي تجسم العلاقة الضرورية بين هذين الطرفين.

وهكذا فإن تعريف الديمقراطية على أنها (حكم الشعب نفسه بنفسه) هو تعريف لا يمكن أن يوجد له مجال للتطبيق إلا في إحدى تلك >المدن الفاضلة< التي وجد فيها متخيلوها نوعاً من الملجأ هربوا إليه في متاهات (عالم الفكر) عندما لم يجدوا في عالم الواقع أيّة إمكانية لتطبيق آرائهم و (مُثُلهم).نعم؛ قد يرد إشكال على هذا الرأي وهو: أن المقصود من حكم الشعب نفسه بنفسه هو أن حكم الشعب لا يكون عن طريق رأي فرد واحد أو فئة قليلة، بل إن وجود الحكومة على سدة الحكم هو برغبة وإرادة الشعب، وبالتالي فالشعب قد طبّق رأيه وقناعاته. والحكومة بحد ذاتها جهاز تنفيذي لهذا الرأي وتلك القناعة وبالتالي فالشعب يحكم نفسه بهذا الأسلوب. وهو رأي صائب؛ إذ أن الديمقراطية في الواقع لابد أن تعرّف بأنها ( الحكم بإرادة الشعب) .

ولكننا لو نلاحظ من خلال هذا التاريخ أن الديمقراطية في ذلك الزمان ( زمن الإغريق ) تختلف عن الديمقراطية المعاصرة، إذ الديمقراطية المعاصرة مصطلحٌ عائم ومفهوم فضفاض، بل إن إعطاء تعريف خاص للديمقراطية يستلزم محذوراً خطيراً وهو محاولة الدول غير الديمقراطية القفز على المفهوم ووضع أكليل ديمقراطي على رأس طغاتها مستغلةً سهولة تقمص المفهوم دون التحلي بالمضمون، فالديمقراطية تواجه خطر التلاعب في التطبيق . لذلك نجد أن دساتير الدول غير الديمقراطية هي أكثر ديمقراطية من الدول الديمقراطية المعروفة نفسها؛ ولكن بلا تطبيق.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.