الرياء وأثاره بين القرآن والسنة

هعمهعخهع

“يا أيّها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين” سورة البقرة،الآية 264.

تبيّن لنا الآية الكريمة أن حال المرائي في إنفاقه رئاء وفي ترتب الثواب عليه كحال الحجر الأملس الذي عليه شيء من التراب إذا أنزل عليه وابل من المطر فإنّ المطر وخاصة وابله هو السبب البارز لحياة الأرض واخضرارها وتزيّنها بزينة النبات،إلاّ أن التراب إذا وقع على الصفوان الصلد لا يستقر مكانه عند نزول الوابل بل يغسله الوابل ويبقى الصلد الذي لا يجذب الماء ولا يتربى فيه بذر لنبات،فالوابل وإن كان من أظهر أسباب الحياة والنمو وكذا التراب لكن كون المحل صلدا يبطل عمل هذين السببين من غير أن يكون النقص والقصور من جانبهما فهذا حال الصلد.

وهذا حال المرائي فإنه لما لم يقصد من عمله وجه الله لم يترتب على عمله ثواب وإن كان العمل كالإنفاق في سبيل الله من الأسباب البارزة لترتب الثواب، لأنه مسلوب الإستعداد لا يقبل قلبه الرحمة والكرامة. وقد ظهر من الآية : أن قبول العمل يحتاج إلى نية الإخلاص وقصد وجه الله تعالى وقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أنه قال:”إنما الأعمال بالنيّات”.

تعريف الرياء

قال بعض المحقّقين:”إعلم أن الرياء مشتق من الرؤية وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم خصال الخير التي قصد المرائي إظهارها”.

قال المفسرون:”الرياء من الرغبة الخفية لأنه رغبة الصيت والجاه بين الناس بأنه متين الدين مقيم على نوافل العبادات، وهذه هي الرغبة الخفية أي ليست كرغبة الانسان بلذائذ الحياة المشروعة كصحبة الأصدقاء وحتى الغرائز بصيغتها المشروعة كالطعام والشراب وغيرهما “.

أقسام الرياء

إن الأمور المراءى بها كثيرة وتجمعها خمسة أقسام وهي مجامع ما يتزيّن العبد به للناس،وهي: البدن، والزي، والقول والعمل، والأتباع والأشياء الخارجة.

– الأول

الرياء في الدين من جهة البدن وذلك بإظهار النحول والصفار، ليوهم بذلك شدّة الإجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين وغلبة خوف الآخرة وليدل بالنحول على قلّة الأكل وبالصفار على سهر الليل وكثرة الأرق في الدين وكذلك يرائي بتشعّث الشعر ليدل على استغراق الهمّ بالدين وعدم التفرّغ لتسريح الشعر ويقرب من هذا خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين فهذه مراءاة أهل الدين في البدن.وأما أهل الدنيا فيراؤون بإظهار السمن وصفاء اللون واعتدال القامة وحسن الوجه ونظافة البدن وقوّة الأعضاء.

– الثاني

الرياء بالزي والهيئة،أمّا عند أهل الدين فبتشعّث شعر الرأس،وحلق الشارب،وإطراق الرأس في المشي،والهدوء في الحركة،وإبقاء أثر السجود على الوجه،وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من نصف الساق، وتقصير الأكمام،وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقاً،كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه يتبع السنّة فيه ومقتد فيه بعباد الله الصالحين.وأمّا أهل الدنيا فمراءاتهم بالثياب النفيسة والمراكب الرفيعة (السيارات) وأنواع التوسّع والتجمّل.

– الثالث:

الرياء بالقول ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار لأجل الاستعمال في المحاورة وإظهاراً لغزارة العلم ولدلالته على شدّة العناية بأخبار السلف الصالحين وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي وتضعيف الصوت بالكلام.أمّا أهل الدنيا فمراءاتهم بالقول بحفظ الأمثال والأشعار والتفاصح في العبارات وطرائق التعبير وإظهار التودّد إلى الناس لاستمالة القلوب.

– الرابع:

الرياء في العمل وهو عند أهل الدين كمراءاة المصلّي بطول القيام ومدّه وتطويل الركوع والسجود وإطراق الراس وترك الإلتفات وإظهار الهدوء والسكون وتسوية القدمين واليدين، وكذلك بالصوم وبالحج وبالصدقة وبإطعام الطعام وبالإخبات بالشيء عند اللقاء كإرخاء الجفون وتنكيس الرأس والوقار في الكلام، حتّى أنّ المرائي قد يسرع في المشي لحاجته فإذا اطّلع عليه واحد من أهل الدين رجع إلى الوقار وإطراق الرأس خوفاً من أن ينسبه إلى العجلة وقلّة الوقار، فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته، فإذا رآه عاد إلى خشوعه، ومنهم من يستحي أن يخالف مشيته في الخلوة لمشيته بمرأى الناس فيكلّف نفسه المشية الحسنة في الخلوة حتّى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير ويظن أنّه تخلّص من الرياء وقد تضاعف به رياؤه فإنّه صار في خلواته أيضاً مرائياً. وأمّا أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر والإختيال وتحريك اليدين وتقريب الخطى والأخذ بأطراف الثياب وإدارة العطفين ليدلّوا بذلك على الجاه والحشمة.

– الخامس:

المراءاة بالأتباع والأصحاب والزائرين والأشياء الخارجة وهي مشتركة بين أهل الدين والدنيا كالذي يزور عالماً من العلماء ليقال إن فلاناً قد زار فلاناً أو عابداً من العباد كذلك أو ملكاً من الملوك وأشباهه ليقال إنهم يتبرّكون به، وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليري أنه لقي شيوخاً كثيرة واستفاد منهم فيباهي بشيوخه، ومنهم من يقصد التوصّل بذلك إلى جمع حطام وكسب مال ولو من الأوقاف وأموال اليتامى وغير ذلك.

توصيف الرياء

عدت الروايات المستفيضة عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) الرياء معصية كبيرة، ووصفته بالشرك الأصغر،وآية ذلك أنّ الإنسان عندما يقوم بطاعة ما من صلاة أو صيام أو جهاد او زكاة ويريد بها الشهرة والإعجاب وينتظر بعدها مديح الناس وثناءهم فإنه في الحقيقة يشرك الناس في عبادة ربه ويتأمّل منهم الأجر على عمله في الوقت الذي ينبغي أن يقوم بعباداته خالصة لوجه الله ولا يطلب الأجر عليها من سواه،فقد ورد عن رسول الله(ص):”اتقوا الله في الرياء فإنه الشرك بالله إن المرائي يُدعى يوم القيامة بأربعة أسماء يا كافر، يا فاجر، يا خاسر، يا غادر، حبط عملك، وبطل أجرك”.وعنه (ص) :” إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجاً به فإذا صعد بحسناته يقول الله عزّ وجلّ اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد بها”.

وعن أبي عبد الله (ع)قال:”من أظهر للناس ما يحب الله وبارز الله بما كرهه لقي الله وهو ماقت له”.وعن رسول الله(ص) :”إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر!،قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟،فقال(ص):”الرياء”.

وفي الخبر المرفوع أيضاً :” إن اليسير من الرياء شرك وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الذين هم في بيوتهم إذا غابوا لم يفقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى ينجون من كل غبراء مظلمة “.وقد ورد في التحذير من الرياء عن رسول الله(ص) لأبي ذر:” يا أبا ذر إتقِ الله ولا ترِ الناس أنك تخشى الله فيكرموك وقلبك فاجر”.وفي دعاء الإمام علي(ع) :”اللهم إني أعوذ بك من أن تَحسُن في لامعة العيون علانيتي وتقبُح فيما أبطن لك سريرتي محافظاً على رياء الناس من نفسي بجميع ما أنت مطلع عليه منّي، فأبدي للناس حسن ظاهري وأفضي إليك بسوء عملي تقرّباً إلى عبادك وتباعداً من مرضاتك “.

نماذج للرياء

من نماذج الرياء:أنّ رجلاً كان لا يقدر على الإخلاص في العمل وترك الرياء، ففكّر في أحد الأيام أن يذهب إلى طرف البلدة للصلاة والعبادة في مسجد مهجور لا يدخله أحد، وذهب إلى ذلك المسجد في ليلة مظلمة ذات رعد وبرق ومطر، فشرع في العبادة وبينما هو في الصلاة إذ دخل عليه داخل، فأحسّ به ودخله السرور بأن يراه هذا الداخل وهو على حالة العبادة في الليلة الظلماء، فأخذ في الجد والإجتهاد في عبادته إلى أن جاء النهار فنظر إلى ذلك الداخل فإذا هو كلب أسود قد دخل المسجد للإحتماء من المطر، فتندّم ذلك الرجل على ما دخله من الرياء عند دخول الكلب وقال :” يا نفس إني فررت من أن أشرك بعبادة ربّي أحداً من الناس فوقعت في أن أشركت معه في العبادة كلباً أسود فيا أسفاه وويلاه على هذا”.

علامات المرائي

إن للمرائي علامات يعرف بها وهي النشاط والرغبة في العمل وتحسين صورة هذا العمل إذا كان بمحضر الناس وعلى مسمع منهم ومرأى فلذا تراه منهمكاً في عمل ما ومتحيّراً في إيجاد الطريقة المناسبة التي يقوم بها بعمله لينال أكبر مقدار من الثناء والمديح على فعله،وعلى العكس من ذلك فإنّه إذا كان في خلوة ولم يكن هناك من مطلع من الآدميين فحاله حال المتكاسل الذي يقوم بتكليفه كيفما كان دون روية أو اهتمام، وإلى هذا يشير أمير المؤمنين علي(ع) :” ثلاث علامات للمرائي ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يُحمد في جميع أموره”.

عذاب المرائي

مما لا شكّ فيه أن الله تعالى شأنه وتقدّست أسماؤه قد وعد على الرياء العقاب الشديد والعذاب الأليم،لا سيّما بعد أن تبيّن أن الرياء فرع من فروع الشرك بل هو الشرك الاصغر وأن الله لا يغفر أن يشرك به،ولقد دلّت الروايات على عقوبة المرائين وسوء عاقبتهم فعن النبي الأكرم(ص):”أن النار وأهلها يعجّون من أهل الرياء!” فقيل:”يا رسول الله وكيف تعجّ النار؟! “قال (ص):” من حر النار التي يعذّبون بها”.وعن الإمام الصادق(ع):”يجاء بعبد يوم القيامة قد صلّى فيقول:”يا ربّ صلّيت ابتغاء وجهك”فيُقال له:”بل صلّيت ليقال ما أحسن صلاة فلان،اذهبوا به إلى النار”.

علاج الرياء

يتم علاج الرياء بشكل عام كسائر الأمراض القلبية بتقوية الإيمان والسعي للوصول إلى درجة اليقين لأن من أضاء في قلبه نور اليقين بحضور الله، فرأى أن الله حاضر وناظر في كل مكان وكل حال فكيف سيؤدّي في حضوره عبادة للتقرّب إلى مخلوق؟.

إذا جاء السلطان وخادمه وبادر شخص لتكريم السلطان إلاّ أنّ وجهه كان باتجاه الخادم هل هذا العمل عقلائي..وهل يقوم به عاقل؟،اللهم إلاّ أن يكون حقيقة لا يرى السلطان ولذلك يتقرّب إلى خادمه،كذلك من المستحيل أن يكون شخص يرى أن الله حاضر ومع ذلك يتقرٍّب في حضوره إلى عبده بأداء عبادة ما..لا يمكن أن يصدر منه ذلك إلاّ في حالة الغفلة وعدم اليقين بحضور الله تعالى.

من علاجات الرياء

1- أن يعرف الضرر منه وما سوف يفوته من الثواب العظيم في الآخرة حين يُقال له خذ ثوابك ممن عملت من أجله لأنه لم يكن بقصد رضوان الله عزّ وجلّ.

2- أن يدرك أن رضا الناس غاية لا تُدرك وكلما فعل من أجلهم لا يرضون عنه،وليعلم أن الأمور كلّها بيد الله، فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس.

3- ليعلم أن الحوائج الدنيوية لا تتحصّل بالرياء ولكن كلّها بقضاء الله وقدره ولكن من اهتم بأمور آخرته كفاه الله أمر دنياه.

4- لو كان راغباً في مدح الناس له فليرغب في مدح الله والأنبياء والملائكة وهو الأفضل.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.