مــا أصل قصـة «الموناليزا العراقيـة» ؟

عمنعمهع

لا يزال الجدل يحتدم حول اصل الموناليزا العراقية او( صمانجي قيزي) او (كجي كافروش) او (بنت المعيدي) وايهما الصحيح!! فقد تعددت الاراء والاجتهادات وكَتب عن ذلك الكثير من الكتاب والصحفيين ، الصحفي العراقي جاسم الشاماني كتب تحت عنوان ( بنت المعيدي .. حكاية قديمة لا تُنسى ) جاء فيه :

مَا زالت الذاكرة تحتفظ بصورة تلك الفتاة الجميلة التي يسمونها (بنت المعيدي) حيث عُلّقت صورتها على أحد جدران بيتنا العتيق ردحاً طويلاً من الزمن مثلما علقت في بيوت بغدادية أخرى ، ولكن القصص والأحاديث التي كانت تثار عنها لا توحي لسامعها انها (معيدية) ، فمنهم من قال انها (كردية) ومنهم من قال انها (عربية) وما الى ذلك من الأقاويل ولكن الكثير ممن واكبوا تلك الحقبة التي انتشرت فيها تلك الصورة في عموم مدن العراق وبيوتاتها ما زالوا يسمونها (بنت المعيدي) التي تتمتع بجمال أخاذ وعينين جميلتين وشعر كأنه الليل يزيّنه تاج صغير..

ومما اشيع عنها انها كانت ابنة رجل من مربي الجاموس ، ويسميه العراقيون (معيدي).. ومن القصص التي تروى عنها ان ضابطاً من الضباط الانكليز في العراق ممن كانوا يعملون في أحد الحاميات البريطانية في محافظة العمارة في عام 1934 قد شاهدها في باب الحامية وهي تحمل على رأسها (آنية القيمر) وشيئاً من الحليب لكي تبيعه وكانت في ذلك اليوم قد أنابت عن والدها بهذه المهمة لأنه كان مريضاً .

أعجب الضابط (ويسلر) بالفتاة ذات العشرين عاماً وأحبها حباً شديداً، وحاول ان يطلبها من أهلها إلا انه جوبه بالرفض فأضطر لخطفها ، ولشدة حنينها الى أهلها أصيبت بمرض لم يعرف دواؤه حتى ماتت .

ومن الروايات الأخرى ان الضابط الانكليزي الذي خطفها هو الذي صورها وإن تلك الصور كانت موضوعة في غرف القصر الملكي ابان حكم غازي للعراق .

وبالرغم من كثرة الروايات التي تناقلتها الألسن عن صاحبة تلك الصورة الرائعة والجمال الفاتن الأخاذ لتبقى صاحبتها برأي الكثير من الناس على انها بنت المعيدي ، إلا إنّ السؤال الذي يتردد : ترى أ هي (معيدية) فعلاً؟! أم انها بنت أحد الأثرياء أم انها بنت فلاح بسيط؟

كل هذه الأسئلة لا تعني شيئاً أمام تسميتها الأصلية!! ولكنها تبقى وبلا أدنى شك (موناليزا العراق)!… نلاحظ هنا ان اسم الضابط الانكليزي كان (ويسلر ) ، نرجو التركيز فأن اسمه سوف يتغير في الحكاية التالية ويصبح الكابتن ( نكسن ) والتي كتبها زياد سعود بعنوان ( حكاية بنت المعيدي )

تشكل حكاية فاطمة بنت المعيدي شبه اسطورة شعبية يتداولها الناس في المدينة والهور وتنتشر صورتها هذه التي رسمها عاشقها الكابتن ( نكسن ) الذي تزوجها واخذها معه الى لندن.ويقال ان فاطمة هذه ولدت ولداً له هناك وان زوجته الاولى استطاعت خطف الولد وقتله وتقديم جزء منه شواء لفاطمة، وان فاطمة بنت المعيدي جن جنونها عندما ادركت بذلك وقتلت زوجة الكابتن نكسن وهربت من لندن، بلد (يشيلها) وارض (تحطها) حتى وصلت الهور مرة اخرى وهذه الحكاية مشابهة لحكاية الطير الاخضر الشعبية ..وتقول حكاية اخرى إنها قتلت نكسن هذا امام باب المعسكر وانه لم يصحبها الى لندن ثم فرت الى عمق الهور تماماً حيث (حفيظ) الذي حفظها واسكنها عنده مع حبيبها حميد.وتبدأ حكاية فاطمة بنت المعيدي المتداولة منذ عشرينيات القرن العشرين انها كانت فتاة جميلة تصطاد السمك من الهور وتبيعه في سوق العمارة لترعى والدها المريض واخوتها الصغار، وان الكابتن نكسن الذي كان مع الحامية البريطانية بعد ثورة العشرين عشقها، عشق جمالها واستقلاليتها فرسمها وهي تسبح في الهور لكن احد لم يشاهد هذه الصورة بل انتشرت بين الناس صورتها التي نراها منذ ذلك الحين على ورقة او على بساط وانه استطاع اقناعها بالزواج منه ثم تتشظى الحكاية بعد ذلك وتأخذ مسارات متعددة منها انها ذهبت معه الى لندن وانها عادت بعد ان مات او قتل لتعيش في الهور مرة اخرى، ولا احد يدري التفاصيل.ولكن حكاية فاطمة بنت المعيدي تظل حكاية متداولة بروايات متعددة حتى يومنا هذا فيها الغريب وفيها اللا مألوف ولكن جميع الروايات تؤكد جمال الفتاة ومغامرتها مع ( نكسن ) .

ونطرح الان رأياً آخرلاحد الكتاب التركمان وهو زاهد البياتي والذي كتب تحت عنوان ( من التراث الشعبي التركماني العراقي ) يقول :ما زالت المخيلة الشعبية التركمانية العراقية تحتفظ بالكثير من الصور والحكايات المثيرة، والحوادث النادرة التي تجاوزت احيانا حدود المعقول الى عالم من الخيال والاسطورة مع مرور الايام، من جراء التحديث الذي يجري عليه عادة وبما يكسبه من الاغناء الشعبي، التداول من شخص الى اخر لتدفع بها نحو افاق انسانية ورومانسية رحبة،

وخاصة في تلك القصص الدرامية الفطرية المتداولة، والتي حملت في طياتها حوادث مأساوية او اكتنفتها فواصل مؤثرة، فما زال الكثير من شيوخنا وامهاتنا في كركوك واربيل يذكرون ويتذكرون، ويتداولون حكاية رومانسية مؤثرة تحمل اسم (صمانجي قيزي) وتعني بالتركمانية ابنة التبان.. تلك الصورة الجميلة ونظرة صاحبتها الحائرة المحيرة بين الالم والمسرة، بين الحزن والفرح.. والتي اكتسبت شهرة واسعة في العراق بنظرتها كما في نظر وشهرة صورة موناليزا في اوروبا والتي تشابهها باعتقادنا في النظرة الحائرة المحيرة ولكن تباينها في الجمال الطبيعي اذ تتفوق جمالية صورة فاطمة (موناليزا العراقية) على رديفتها الايطالية (جيوكاندا) بالجمال والاشراقة والحضور!هذه مداخلة للناقد التشكيلي كاظم الجيزاني يحاول ان يقارن بين اللوحتين فيقول:ـ الجيوكاندا التي رسمها الرسام الايطالي الشهير ليونارد دافنشي بين عامي 1500-1504 تعني بالايطالية الشمعة المحترقة بعد ان لاحظ على المدام ليزا مدى حزنها لانها تزوجت رغم ارادتها من رجل لا تحبه! اعتقد هنا نقطة التشابه بين اللوحتين في النظرة الحزينة المحيرة على خلفية الزواج الذي تعرضتا له رغم ارادتيهما! فاطمة ايضا زوجت من ضابط انكليزي رغم ارادتها ورحلت الى انكلترا سرا(حسب اغلب الروايات)..

ـ اذاً مسحة الحزن على الوجه المشرق الجميل كانت لربما احدى ميزات اللوحة التي عشقها جيل او اجيال من شبابنا كنموذج واصبحت فتاة احلام الفقراء والمتعبين من عامة الناس الطيبين الذين لم تفارق صورة بنت التبان جدران غرفهم واكواخهم وحقائبهم الخاوية وحتى محفظاتهم الجلدية في جيوبهم.. ولربما كانت هذه الصورة بلسما لوجعهم الدائم, وشفاء مؤقتا للفقر الذي لازمهم منذ الازل رغم طوفان نفوطهم وكنوزهم الى الهامة!.صمانجي قيزي يمكن عدّها، بحق فتاة الغلاف لعقود متعددة اي ان بوسترات صورها الملونة المؤطرة كانت لا تفارق واجهات وجدران الدكاكين والمطاعم والمقاهي الشعبية وكذلك جدران البيوت سواء في المدن ام الارياف العراقية وخاصة في اربيل وكركوك وسائر المناطق العراقية الاخرى، فيما كانت حكايتها المثيرة لا تفارق الالسن ولم تنقطع من التداول وليومنا هذا ولكن بدرجة اقل، وخاصة في عقد العشرينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي وما تلتها من عقود حيث لم نتوصل لتحديد تاريخ الحدث بالذات، وانما كان هناك تداول ملموس لمجريات قصة هذه الحسناء التركمانية الطاغية الجمال والتي اختلط جمال وجهها بدرامية مأساتها فيما انعكست لربما بشكل ما على الحس الوطني العراقي لتعمق جرحا بليغا في وجدانه الاخلاقي والقيمي، حين تركت بصماتها الواضحة على ذوق المجتمع العراقي وعلى حسه الجمالي.. هذه الصورة الحاضرة عبر العقود والتي تمثل بحق الجمال الانثوي العراقي الطبيعي والتى اصبحت نموذجا فريدا لمقاييس الاختيار وموديلا معياريا لمديات الحسن والرقة والجمال امام اجيال الشباب، وعلى مدى عقود متعددة، ولعلها ايضا اصبحت فتاة الاحلام لهم ومصدر الهام للكثير من الشعراء والعاشقين، حينا من الزمن! فما زالت تلك الصورة عالقة في اذهان الناس، وحكايتها ما زالت حاضرة بين البعض..

يقول ايوب جامجي (صاحب محل زجاج واطارات منذ ربع قرن في كركوك) الذي يحتفظ بصورتها الاصلية المطبوعة في لندن: عشقت القصة قبل الصورة، منذ سمعتها متداولة على ألسن والديّ وبعض المعمرين من الاختيارية في قريتي منذ صغري! وبحثت سنين طويلة عن صورة اصلية لها الى ان اشتريتها بمبلغ محترم منذ اكثر من سبع سنوات وقد دفع بها احد الهواة مؤخرا مبلغا كبيرا من المال دون جدوى لانني عدّها جزءا مهما من حياتي وشخصيتي الكركوكلية!

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.