التعيس في الحب … كثيراً ما يكون سعيداً في المال

غخعهخعه

د.معتز محيي عبد الحميد

مات والده وترك له تركه ثقيلة من الاخوة والاشقاء … فقد كان والده مزواجا … ويحب النسوان حتى اخر عمره ! كان (ع) الابن الاكبر فتحمل المسؤولية ، واغلق قلبه امام غزوات الحب والزواج ! كبر اخوته الاولاد والبنات … تخرجوا من كلياتهم … تزوجوا ، وانشغلوا بحياتهم الجديدة ومشاكل الابناء … نسوا الرجل الذي ضحى بسعادته ليسعدوا هم … وحتى عندما تزوج – وهو في اخر العمر … امرأة تداريه من امراضه المزمنة وتؤنس وحدته … لم يستقبلوا هذا الامر بارتياح … قالوا ( الرجال كبر وخرف ! ) .

مرت السنوات وانقطعت زياراتهم له … لكنهم تجمعوا حوله عندما اشتد عليه المرض ، وظنوا أنها ساعته الاخيرة … كانت همساتهم كلها تدور حول التركة والفلوس والميراث التي يجب ان يسيطروا عليها قبل ان تنتبه زوجته … وبعد جدل ونقاش وعراك استقروا على نقل واخذ اثاث البيت والحلي الذهبية التي لم يعد صاحبها في حاجة اليها … تركوا الرجل بين الحياة والموت وتشارجوا على توزيع الحصة ونهبها ! لكن المريض لم تخرج روحه الى بارئها كما كانوا يأملون … سرت في عروقه صحوة الحياة من جديد … وعندما عاد من المستشفى الى البيت ليجد كل الغراض الثمينة سرقوها وبقيت فقط غرفة النوم !

قصة الجحود ونكران الجميل رواها لي (ع) بعيدا عن شكاوي الشرطة التي حررها ضدهم … وقضية الحجر التي اقاموها ضده … كان صوته المرتعش يغلب عليه الضعف ، ويمتزج فيه الحزن بالغضب … قال لي بانفاس متقطعة … مات أبي قبل 40 سنة ، كنت وقتها شابا اقترب من الثلاثين من عمري … يملؤني الامل والطموح في حياة جديدة استعد لدخولها ، فقد ادخرت مبلغا يكفيني للزواج واختيار شريكة الحياة ! انطفأ الامل في قلبي وتحولت الافراح الى اتراح … فالمرحوم ترك وراءه ثمانية من البنين والبنات … كان بعضهم من زوجات اخريات غير امي … ابحت شيخ الاسرة وعائلها الوحيد … استجبت لنداء الواجب … تفرغت لادارة محل والدي التجاري الذي يمثل مصدر رزقنا .. واعطيت لقلبي اجازة مفتوحة من الحب والزواج … فلن اكون انانيا او ابني سعادتي على حساب تعاسة الاخرين … كان بعض اصدقائي يبدي شفقة علي ويقول ناصحا … شوكت اتشوف نفسك … فارد انه قدري ولا استطيع الهروب منه … قلت لهم الحكاية … جم سنة وعندما لم اجد بجانبي من يحمل المسؤولية ويخفف العبء … بعدها افكر في نفسي … لان التعيس في الحب كثيرا ما يكون سعيدا في المال ، فقد كان التراب يتحول بين يدي الى ذهب ، فتزداد قناعتي بانني اسير في الطريق الصحيح فالمال رزق ساقه الله لي من اجل اخوتي ! ووسط دهشة الجميع … تبدلت احوالنا المالية بعد رحيل والدي بصورة كبيرة … كنا ننتقل من حسن الى احسن … كان اصدقائي يمازحونني قائلين : يبدو ان المرحوم اخذ الفكر وياه … فارد ضاحكا : ارزاق ! بدأت اشهر بما كنت اظن الانفراج تلوح في الافق عندما تزوجت ثلاث من شقيقاتي واحدة وراء الاخرى … حمدت الله فتزويج البنات تسر ! قضيت سنوات عمري كلها في انتظار وترقب … اتفاءل خيرا كلما تخرج احد اشقائي من الكلية … ثم اكتشف انه يخطط لحياته بطريقة تختلف عني … وهكذا شق كل واحد منهم طريقه في الحياة … تزوج واستقل باسرته الجديدة وبعد ان استقر الجميع في بيوتهم كنت انا في منتصف العقد الخامس … خمدت عاطفة الشباب في قلبي ، كما ان فرص الحصول على زوجة تناسبني باتت محددة ! لكني لم اشعر حينها بأي تغيير فاشقائي واولادهم كانوا لا يزالون يلتفون حولي بصفتي حلال المشاكل والعقد ورجل المهمات الصعبة ! الذي يدخرونه للازمات المالية وما اكثرها … وكنت انا العون للجميع بحب وسعادة ، فهم شركاء في المال وانا ليس عندي اولاد انفق مالي عليهم … كانوا يجتمعون في البيت في الاعياد والمناسبات يغمروني بالحب والحنان ، واسمع في غرف البيت ضحكات الاطفال وصراخهم … فاشعر بالفخر والرضا … على الاقل لم تذهب تضحياتي سدى ، واصبحت في مقام الاب لعائلة كبيرة تحترمني وتوقرني.

لكن لا توجد زهرة تعيش كل فصول السنة ، ولا شجرة تظل تنمو وتنمو حتى تطول السحاب ، فدوام الحال من المحال … بدأت عزيمتي تضعف وصحتي تعتل… فهذا الجسد الذي تحتله روحي عانى كثيرا من الصدمات والازمات ركبته الهموم وتركت فيه معاول القلق والارق ندبات عميقة ! يوما بعد يوم … بدأت الارجل تخف عن بيتي حتى طلب الفلوس يأتيني بالموبايل … وممكن ارساله لاحد اخواني مع احد العمال … اصبحت وحيدا … رجل مريض لا يجد احد يعطيه الدواء … ولا انيس الا من زيارات اصدقاء الطفولة والجيران الذين بلغوا سن التقاعد ! ذات ليلة انبرى احدهم قائلا : يا اخي … لماذا لا تتزوج … وتخلص من هذه المعاناة … الزواج لا عيب ولا حرام ؟ قلت باستغراب … اريد ممرضة … وزوجة … رد ضاحكا … طبعا .. زانت تريد زوجة تؤنس وحدتك وتقوم أيضاً بدور الممرضة … راقت لي الفكرة التي رأيتها منطقية … فانا قد اموت وتتحلل جثتي فوق الفراش قبل ان يكتشف اشقائي انني رحلت … بدأت افحص الترشيحات التي قدمها لي الاصدقاء … كان الامر مسليا ولا يخلو من الطرافة … واخيرا وقع اختياري على امرأة لطيفة وحلوة … كانت هي أيضاً في حاجة الى ونيس ! ولشد ما كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت علامات التعجب والاستنكار ترتسم على وجوه اشقائي … صحيح انهم لم يعلنوا الرفض صراحة … لكنهم حذروني من تلك المرأة … فربما كانت تطمع في اموالي او تريد ان تورث ابناءها البيت الكبير الذي اعيش فيه ! … فهمت المغزى … قلت لهم .. انا افهم اعترافكم وافهم ما تريدون … وحتى يطمئن بالهم قمت بتوزيع الميراث الذي ساهمت في تنميته واصبح كل واحد يعرف حقه ، قبل ان اتزوج بامرأة يخشون ان تسطير على قلبي وعقلي ومالي ، انقطعت صلتي باشقائي … في اوقات متباعدة كان احدهم يتصل بي متأسفا ويرجو ان التمس العذر … مشغول في هذه الحياة الصعبة … اصبحت انا وزوجتي مثل اهل الكهف … احيانا لا تخرج من البيت ولا نرى نور الشارع لعدة ايام متتالية … ولا احد يسأل عنا من قريب او بعيد … وجاءت لحظة شعرت فيها ان النفس الذي يخرج ربما لا يعود ثانية … جهزت نفسي للرحيل ورفضت الحاح زوجتي باستدعاء سيارة الاسعاف … قلت لها ، اريد ان اموت فوق فراشي ! امسكت زوجتي بالموبايل واستنجدت باشقائي ، استثارت فيهم النخوة وقالت لهم …. تعالوا شوفوه يموت على الاقل القوا عليه نظرة الوداع ! هرع الجميع لزيارتي … اصروا على نقلي للمستشفى … كانوا يعتقدون انني ربما لن اتجاوز الازمة … في ساعات الانتظار- كما علمت فيما بعد – تدارسوا الموقف … كانوا يعرفون ان بيتي مليء بالتحف النادرة والحلي الذهبية والقطع الاثرية … قالوا : ربما تنتهز زوجته انشغالنا بتوديع الميت وتخفي الثروة … تركوني في المستشفى واسرعوا الى البيت يحصرون التركة … كل واحد حمل سيارته بكل ما وصلت اليه يداه … باعتبار ان هذه الاشياء الثمينة لم يعد صاحبها في حاجة اليها …. وهل يأخذ احد معه الى القبر جهاز حاسوب وموبايل حديث ! لكن للقدر حكايات اخرى … لم تكن ساعتي قد حانت بعد ، ومرت الازمة بسلام …

عدت للبيت فهالني ما رأيت … تمنيت وقتها ان لو كانت روحي قد خرجت الى بارئها ، فذلك افضل من ان اعيش حتى ارى اشقائي يورثوني بالحياة ؟ دخلتس معهم في معركة كلامية .. اشتكيت عليهم في مكتب المكافحة … توعدتهم بان اكتب ملكية البيت وكل ثروتي لزوجتي حتى لا يصل فلس واحد لهم … اخذوا كلامي بمحمل الجد ، واقاموا ضدي دعوى حجر لفقدان الاهلية العقلية !

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.