صفحات من تاريخ العراق المعاصر… ضياء جعفر وزير دائم في حكومات نوري السعيد

عهحخح90

بقيت علاقة السيد ضياء جعفر بنوري السعيد قوية وعلى مايرام وكثيراً ما يتداول معه حين يلتقيان خارج الاطار الرسمي في احوال البلد ويتناقشان كل صغيرة وكبيرة بما فيها وضع الجيش العراقي.

ويقول السيد ضياء جعفر في هذا الصدد ان لنوري السعيد ذاكرة قوية جداً وكان يتابع اخبار اذاعة الـBBC ويثق باخبارها التي يسمعها صباحا ومساءاً ويطلع بصورة سريعة على الجرائد اليومية المحلية وكان في السبعين من عمره.

في 5 او 6 كانون الثاني عام 1949 كان ضياء جعفر خارج داره موجوداً في محلة الشيخ بشار في الكرخ وكانت وزارة مزاحم الباجه جي قد استقالت وغادر الوزراء مكاتبهم والشارع كان في هياج ومظاهرات وان الوضع العام قلق في تربص وحذر. وحين عاد الى داره اخبر بأن الباشا قد اتصل به ولم يرد على اتصاله معتقداً انه نائم بعد الظهر لكن جرس الهاتف رن والمتحدث هو نوري السعيد طالباً حضور السيد ضياء عنده في البيت وذهب اليه فقال له سأشكل الوزارة فأقعد وساعدني وراح يملي على ضياء جعفر وقال : (ان احمد بابان سيأتي بالارادة الملكية) وكتب بياناً ليذاع (بالراديو) بعد ان اكملت عملية التشكيل ثم رافقه الى منطقة السنك قرب (اورزدي باك) لشراء سمكة وشويها (مسكوفاً) حيث كانت هناك شريعة لبيع الاسماك الحية الموضوعة في شباك داخل الماء. لقد تألفت الوزارة من سبعة وزراء وكان ضياء جعفر وزيراً للاقتصاد علما انه اشترك في جميع الوزارات التي شكلها نوري السعيد. ثم قال له لنذهب الى الميدان الى دار توفيق الهاشمي لقراءة الفاتحة لوفاة اخته فقال له ضياء جعفر: ان الشارع ثائر فرد عليه نوري السعيد ان البيان قد اذيع والشارع قد هدأ الان فذهبا وركنا السيارة قرب وزارة الدفاع وتوجها الى دار الهاشمي. ومن الاعمال التي قام بها السيد ضياء جعفر حين اصبح وزيراً للاقتصاد توزيع اراض اميرية قرب النجف وسامراء وكربلاء بعد تقسيمها الى قطع مساحة الواحدة منها (600 م2) وبسعر (600 فلس) للمتر المربع الواحد وقد احدثت عملية التوزيع هذه شغباً في مكتب رئيس الوزراء ضد ضياء جعفر. بعد مدة سأله نور ي السعيد عن الموضوع فأجابه ان هذه المناطق اصبحت وكراً للمعارضين نظراً لحالة الفقر هناك واصبح اغلب اولاد العلماء والمجتهدين الدينيين من الشيوعيين او من انصارهم وقد عينت لجنة مختصة لتسعير الاراضي وكان الهدف اعطاء قطعة ارض واحدة لكل عائلة لغرض بناء دار عليها خارج المدن المكتظة غير الصحية بدون قصد للربح فوافق نوري السعيد على هذا المنجز. لندن وتاميم قناة السويس في حفل عشاء ضم الملك فيصل الثاني وعبد الاله وزيد بن الشريف حسين (سفير العراق في لندن) ونوري السعيد وتحسين قدري وضياء جعفر تناول الجميع طعام العشاء ولم يجر الحديث عن موضوع التأميم خلال العشاء او بعده ثم تناولوا القهوة وغادروا مقر رئيس الوزراء البريطاني رقم10 في شارع داوننج حيث طلب منهم انهاء جلسة العشاء وقد تمت كتابة محضر بما حدث تلك الليلة ووقعه كل من ضياء جعفر وتحسين قدري بحضور الدكتور جعفر ضياء جعفر (ابن ضياء جعفر) ولم يصل خبر تأميم قناة السويس الى العراقيين الذين كانوا مواجودين في حفلة العشاء بما فيهم نوري السعيد الذي طلب منه حضور مؤتمر الدول التي كان اسطولها التجاري يستخدم قناة السويس فرفض نوري السعيد الحضور. ويذكر ايدن رئيس الوزراء البريطاني في مذكراته عن وقائع ماحدث مساء يوم التأميم انه ابلغ ضيوفه النبأ وان هذا الحدث قد غير كل المرئيات وان كل شيء يتوقف على العزيمة التي تقابل هذا التحدي. ثم قال في رسالة له للرئيس الامريكي ايزنهاور مانصه (ويبدو العراقيون اشد الحاحا في تحذيرهم لنا وقد تحدث الينا كل من نوري السعيد وولي العهد اكثر من مرة من عواقب نجاح عبد الناصر في ضربته انهما يشعران بضياعهما مع التيار). ويقول ضياء جعفر ان عبارة ايدن (ادركوا لتوهم) غامضة بعض الشيء حيث يتساءل عن كيفية معرفة ايدن مماكان يدور في خلد ولي العهد ونوري السعيد في تلك الدقائق التي سبقت انهاء العشاء حيث لايوجد دليل على ان حديث نوري السعيد وعبد الاله كان عما جرى في ذلك العشاء الذي انهي بسرعة بسبب مفاجأة الجميع بالخبر وان المعلومات قد حصلت في مناسبات تلت دعوةالعشاء حسب تحليل السيد ضياء جعفر. للحقيقة والتاريخ تحت هذا العنوان كتب السيد ضياء جعفر مذكرة اوضح فيها المغالطات التي حدثت في تسريب اخبار تأميم قناة السويس من ايدن رئيس وزراء بريطانيا في حينه ونص المذكرة التالي: اني ضياء جعفر قد اطلعت على الفلم SUES مساءً ووجدت فيه معلومات مخالفة للحقيقة فيما يخص العراق ورجال العراق في حينه. وادون ان يوم اعلان ناصر رئيس جمهورية مصر تأميم القناة (قناة السويس) كنت مع المدعوين وكان ملك العراق ورئيس الوزراء نوري السعيد وتحسين قدري من المدعوين وقد وصل خبر التأميم بتسليم ورقة صغيرة سلمت الى المستر ايدن فوضعها بجيبه ولم ينطق بأي شيء ولم يعلن عن اي شيء وذلك اثناء العشاء وبعد العشاء خرجت انا والسيد تحسين قدري فسألني عن السجادة الكبيرة الموجودة في الغرفة المجاورة وعندما وجدني ايدن انظر الى السجادة قال لي هل تعلم ما نوعها؟ وقال عندي سجادة اخرى في غرفتي ارجو ان تراها فذهبت معه الى غرفته فوجدت عند ه سجادة صغيرة بخاري روسي وكتاب شعر فارسي لحافظ الشيرازي ثم قال لي إن الورقة التي تسلمتها عند العشاء تخبرني بأن ناصر اعلن تأميم قناة السويس فأرجوك عند خروجك واخذ القهوة ان تطلب من اخوانك الانصراف لأني اود ان اطلب من الوزراء البريطانيين الاجتماع حول هذه القضية هذا واني اشهد بانه لم يجر اي نقاش حول موضوع التأميم ذلك اليوم لا حول مائدة السفرة ولا بعده وقد دونت ذلك للحقيقة والتاريخ وعليه اوقع هذه الحقيقة وبحضور السيد تحسين قدري. ضياء جعفر يروي معاناة نوري السعيد كثيراً ما كان نوري السعيد يعاني من الساسة والبلاط وظلت هذه المعاناة قائمة منذ 1930 الى اخر وزارة شكلها وسبب هذه المعاناة كونه المحرك الاول والاخير للسياسة العامة سواء أكان داخل الحكم ام خارجه فهو موجود على طول الخط السياسي وكلمته هي الماشية لدى البلاط الملكي هذا ما يوضحه السيد ضياء جعفر لدى مرافقته له وما استشفه واستقرأه خلال هذه الرفقة حيث حاول نوري السعيد تطهير جهاز الدولة فهو اكثر رؤساء الوزارات جرأة في تمشية اللوائح والقوانين التي تساهم في تطهير جهاز الدولة العراقية وخاصة قانون تطهير جهاز الدولة الذي صدر عام 1957. وقد جرت عدة محاولات لتعديل هذا القانون بهدف ارجاع من استغني عنهم لكن السعيد وقف بوجه عدد كبير منهم حاجباً محاولاتهم في تغيير القانون اعلاه او تعديله حيث قال في هذا الصدد: (لايمكن لأحد ان ياخذ اعتراف الراشي والمرتشي او المتلاعب بسهولة ابداً) كما انه اعتمد على خبرة الرجال وانصفهم للتحري عمن يراد الاستغناء عن خدماته وقال في معرض معالجته للامور (كل ما نطلبه هو ان نتخلص من اصحاب السمعة المشبوهة بالقول لهم ان الدولة تعطيهم استحقاقهم وتقول لهم ان تشتغلوا بحرية خارج وظائف الدولة). وقانون تطهير جهاز الدولة هو اهم القوانين التي نفذها نوري السعيد ولم يجرؤ احد على عمل مماثل ابداً. كان نوري السعيد اقوى شخص في العهد الملكي ولهذا السبب يفسر السيد ضياء جعفر كره اكثر رؤساء الوزارات على اختلاف طبقاتهم له مع انه كان يتودد لهم ويداريهم وكان يحاول ترضية حتى اعدائه وينصح ضياء جعفر بان يعمل الخير وقال له في احد الايام لاتندم على اي عمل خير وان كنت متاكداً انك ستقابل بالشر والحسد.

كان لايرتاح من كامل الجادرجي ويتهمه بحماية الشيوعيين بأسم الديمقراطية.

اما موقفه من حزب الاستقلال فهو يرتاح الى السيد محمد مهدي كبة رئيس الحزب وبعض العناصر الاخرى فيه وكان يقول هؤلاء وطنيون ولن يفرطوا بالبلد كما انه بنفس الوقت غير متاكد من اخلاص صديق شنشل الذي كان صديقاً لطه الهاشمي وقال يوماً الى ضياء جعفر انه عنصر نظيف ولكن تصعب مسايرته. وعن طه الهاشمي يقول كان التعامل معه سهلاً بوجود رستم حيدر ولكن قتل حيدر عقد الامر واصبحت مسايرته صعبة. وحين عين ضياء جعفر وزيراً للأعمار كان يتذكر دائماً كلام السعيد لذلك تعاون مع طه الهاشمي الذي كان نائباً لرئيس مجلس الاعمار. ونتيجة العلاقة القوية لضياء مع السعيد عرف ان الاخير قد خصص نصف مليون دينار للاملاك التي يحتاجها مجلس الاعمار وقد وجد ان الاسعار تزيد على ثمانية دنانير للمتر المربع الواحد فذهب الى طه الهاشمي وقال له: يا باشا لدي ارض في المنطقة فأذا بقي التقدير على هذا السعر الفاحش فسأحتاج الى مضاعفة المبلغ اضعافا اذا ما خصص لذلك فقال له الهاشمي وما العمل؟ فأقترح عليه الغاء جميع التقديرات والطلب من رئيس الوزراء والمتصرف تعيين لجنة من اشخاص لهم خبرة فوافق والغيت جميع الاستملاكات وقدرت اللجنة الاراضي بثلث قيمتها المقدرة سابقاً وقد قدر الهاشمي هذا الانجاز من ضياء جعفر. وفي مشروع سد دوكان الذي لم تستطع الشركة الفرنسية انجازه بسبب افلاسها اقترح السيد ضياء جعفر اكماله بالالات والمعدات والمهندسين الفرنسيين الموجودين بأسرع ما يمكن وعليه تم توفير الزمن والكلفة بدلا من اعلان المشروع ثانية والتعاقد مع شركة اخرى بعد بيع مكائن والات ومواد شركات اخرى وبيع مواد ومكائن الشركة الفرنسية المفلسة وكان لهذا القرار اثره الايجابي على طه الهاشمي انعكس ايجابياً على التعاون مع ضياء جعفر. ثم يعود ضياء جعفر الى معاناة نوري السعيد موضحاً انه كان يعاني من الساسة الذين لهم اتصال بالبلاط ويشاغبون عليه وفي مقدمتهم والاكثر اهمية هو احمد مختار بابان الذي اصبح المستشار الاول لمدة طويلة في البلاط سواءً أكان رئيساً للديوان الملكي ام خارجه وكان يشجع الساسة على المشاغبة من وراء الكواليس حيث لم تكن لديه الشجاعة الكافية لمواجهة الامور.

وكان يصعب على نوري السعيد تمشية الامور بهذه الصيغة لاسيما وانه كان مؤمناً بالعائلة المالكة وقيمتها الامر الذي جر عليه متاعب نتيجة هذه الايمان. وقد حرضه كثيرون على القيام بانقلاب فلم يوافق رافضاً بشدة هذه التصرف وان صديقه الحميم الاسكتلندي السير اندرو ماكتا كرت رئيس شركة (بلفور بيتي) قال له يوماً (ان لم تتخلص من الامر فسيقضي عليك وعلى الدو لة) وكان ذلك بعد معاهدة بورت سموث لكن نوري السعيد ظل ملتزماً بقناعته بان وجود العائلة صمام امان وضمان لاستقرار العراق بطوائفه المتعددة. لقد كان همه ان يكون العراق مستقراً ومتفاهما ً مع جيرانه وخاصة تركيا لانه كان يرتاب من هذه الدولة الفقيرة بمواردها والقوية بجيشها وعلاقتها بالغرب.

ومع ان العراق كان من مؤسسي الجامعة العربية الا ان نوري السعيد يرى ذلك غير كاف للحفاظ على عروبة العراق واستقلاله ما لم تتم تقوية الجيوش العربية على حد تعبير نوري السعيد لذلك بذل جهداً كبيراً في ايجاد حلف بغداد ليتجنب العراق مشاكل الدفاع عن ارضه الغنية بالموارد الاقتصادية.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.