حقيقة الديمقراطية – 2

حسن النحوي

نستطيع القول جازمين، انه لا يوجد تعريف خاص للديمقراطية، لأن ركناً مهماً من أركان الديمقراطية – كما سيأتي – هو مراعاة روح العصر وهوية الشعب. ففي كل عصر، بل ربما أثناء العصر الواحد نفسه كان هناك مفهوم الديمقراطية مخالفاً للمفهوم الذي ساد قبله، فهو على الأقل مغاير له إلى حد كبير، وذلك لاختلاف أذواق الشعوب وسلائقها وباختصار هويتها. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما هو تعريف الديمقراطية في عصرنا ؟.

معنى الديمقراطية حالياً هو: نظرية سياسية تؤمن بالانتخابات كآلية للوصول إلى السلطة وبالحرية للفرد والمجتمع والرأي الآخر وسيلة للازدهار والتطور. أما الأساس الفلسفي الذي تتكئ عليه الديمقراطية فهو الحرية وحقوق الإنسان. ففي الحالة الديمقراطية أنا اعلم انك على خطأ ولكن مع ذلك ادعك تعبّر عن رأيك وموقفك. نعم هناك أخطاء اتفق أنا وأنت على كونها أخطاء، فهذه الأخطاء “المتفق عليها” لا بدَّ أن تحارب، حتى لو كان الذي يتبناها أحدنا. إذن للديمقراطية ركنان أساسيان معتمدان على أصل واحد، وهذا الأصل هو الحرية، أما الركنان فهما:

1) الانتخاب كآلية للنقل السلمي للسلطة.

2) حرية الرأي والعمل السياسي.

وقد ارتبط مفهوم الديمقراطية ارتباطاً وثيقاً بفكرة الانتخاب فإعطاء “حق الانتخاب” لجميع أفراد الشعب، رجالاً ونساءً كان يجسّد المعنى الواقعي للكلمة. ولكن.. نرجع فنقول: إن الديمقراطية تعاني سهولة تقمص المفهوم دون التحلي بالمضمون، لذلك فهي تواجه خطورة التلاعب في التطبيق. وباختصار نريد أن نقول: لا بدَّ لنا أن لا نعطي تعريفاً خاصاً للديمقراطية لكي لا يقع المحذور، بل نستطيع الزعم بان لا يوجد شيء اسمه ديمقراطية في الواقع. بل يوجد رجل ديمقراطي، أي أن الحكم الذي يطبق الديمقراطية ويعطيها حقها واقعاً، هو الديمقراطي، أما الديمقراطية كـ”معنى ومفهوم” فيحسّنه كل أحد حتى الطغاة… وبالعودة للتاريخ فمن الخطأ القول أن أو من مارس الديمقراطية هم الإغريق في مدينة أثينا واسبرطة، نعم ما حدث هو ولادة المصطلح واللفظ في بلاد اليونان، أما المضمون الديمقراطي فلم يكن الإغريق هم أول من مارسه، إذ لم يكن ملوك (سومر) الأوائل طغاة لهم مطلق الحرية في العمل، ولا ملوكاً مستبدين، فقد كانوا يستشيرون مواطنيهم من النبلاء في المصالح الكبرى للدولة وعلى الأخص في قضايا الحرب والسلم والذين كانوا يجتمعون في جمعيات تمثيلية. إن هذا الرجوع إلى مؤسسات ديمقراطية منذ الألف الثالث قبل الميلاد يكون إسهاماً سومرياً جديداً في تكوين مضمون الديمقراطية. وكان هذا البرلمان السومري في الألف الثالث قبل الميلاد يجتمع بصورة رسمية ويتكون شأنه في ذلك شأن البرلمانات الحديثة من مجلسين مجلس الشيوخ ومن مجلس أدنى منه يتكون من كل المواطنين القادرين على حمل السلاح. كل ذلك وجد نحو ألفي سنة قبل الميلاد، قبل أن تولد الديمقراطية الإغريقية. بل نجد النفس الديمقراطي ظاهراً في الصين أيضاً حيث انطوت كتابات “كونفوشيوس” على أفكار سياسية ليست ديمقراطية فحسب بل راديكالية وثورية، فقد كانت المؤسسات المحلية في الصين قوية دائماً واشتملت على أفكار الحكم الذاتي. وإذا انتقلنا إلى اليمن نرى “روح الديمقراطية” في أوج عظمتها عند بلقيس “ملكة سبأ” عندما تقول للـ “البرلمان اليمني”: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} أي تحضرون وتشرفون وتوافقون على هذا الأمر، وهذا هو مضمون الديمقراطية بأبهى صورها. من هنا نستشف أن الديمقراطية ليست بنت أحد بل هي بنت الفكر الإنساني و وليدة فكرة حرية الإرادة والقدرة على الاختيار التي يتمتع بها الإنسان ويفترق بها عن الحيوان، وكما اتضح لك أن للإغريق الفضل في ولادة المصطلح “الكلمة” أما ولادة المضمون فقد اشترك “بنو ادم” أجمعين به من الصين إلى اليونان مروراً بـ”سومر واليمن”.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.