كيف إنتقم نوري سعيد من المشاركين في حكومة الدفاع الوطني ؟

عغمهحكعع

حاولت الحكومة البريطانية استقطاب الرأي العام ، بعد أن وجدت نفسها في عزلة عن الأوساط الشعبية جراء احتلالها للعراق ، فأنشأت مكاتب للإرشاد والثقافة والدعاية تدعمها السفارة البريطانية ، وعقدت معاهد ثقافية في بغداد والبصرة لتدريس اللغة العربية والإنكليزية ، ثم أنشأت نوادي لنشر أفكار الحكومة البريطانية وسياستها ، إذ قام نادي إخوان الحرية الذي ترأسته البريطانية ” فرياستاك ” بدور كبير في نشر وتوجيه هذه السياسية ، في حين شكل تنظيم يعرف باسم ” بايفورس Paiforce” ، وكان هذا التنظيم يقدم الخدمات للقوات العسكرية البريطانية ، بل أن حكومة المدفعي وتحت ضغط مستمر من لدى السفارة البريطانية ، أغلقت نادي المثنى الذي كان يُعدّ واجهة من واجهات العمل القومي ، وكانت حجة غلقه أنه كان يناصر ويدعم حركة مايس 1941 .

ويبدو أن الحكومة البريطانية في احتلالها الثاني للعراق ، حاولت إيجاد سياسة تطبيعية لكسب القوى المختلفة في العراق ، لكن الروح المناوئة لسياستها استمرت على الرغم من سياسة القمع التي مارستها ، ولاسيما أن حكومة المدفعي حاولت غض البصر ، وإسدال الستار على تلك السياسة التي لم ترق للحكومة البريطانية ، مما دفعها إلى إسقاط هذه الحكومة عن طريق بث روح الخلاف فيها من الداخل ، فوضعت أمامها العقبات ، وقد سقطت فعلاً .

بعد استقالة حكومة جميل المدفعي ، أصبحت الطريق سالكة أمام نوري السعيد لتكوين الوزارة الجديدة ، فهو الشخص الملائم في تلك المرحلة لعلاقته الوطيدة بالساسة البريطانيين.

استدعي نوري السعيد ، وكان يومئذٍ وزيراً مفوضاً للعراق في القاهرة ، فوجّه إليه الوصي عبد الإله الإرادة الملكية بتشكيل الوزارة الجديدة ، وبدأت الوزارة السادسة لنوري السعيد ( 9 تشرين الأول 1941- 4 تشرين الأول 1942 ) . وكان نوري متحاملاً على الذين اشتركوا في حكومة الدفاع الوطني ، وبدأ بتصفية الحسابات ، وملاحقة الذين كانت لهم صلات بحركة مايس ، وهذا ما كانت تتوخاه الحكومة البريطانية ، ولم يخيب نوري السعيد أملها ، وقد تحقق ما يصبو إليه الوصي ونوري السعيد ، إذ أصدر المجلس العرفي العسكري حكماً بالشنق على رشيد عالي الكيلاني ، وعلي محمود الشيخ علي ، ومحمد يونس السبعاوي ، وأمين زكي ، والعقداء الأربعة ، ثم أبدل حكم أمين زكي بالأشغال الشاقة المؤبدة ، أما ناجي شوكت ، فقد حكم عليه بخمس عشرة سنة .

أما مسألة العضوية في المجلس النيابي ، والبت في إسقاط عضوية النواب الذين اشتركوا في أحداث مايس 1941 ، فقد أخذت مساحة كبيرة في مناقشات مجلس النواب ، وقد تمّ إسقاط عضويتهم .

واصلت وزارة نوري السعيد أعمالها الانتقامية، ففصلت عدداً كبيراً من الموظفين ، وكانت أعمالها تجري بتخطيط من السفارة البريطانية إذ لم يقتصر الأمر على المدنيين والسياسيين ، بل وجهت أنظارها إلى الجيش كي لا يتكرر ما حدث ، إذ تمّ اعتقال ( 21 ) ضابطاً بين ملازم وعقيد ركن ، كما تمّ طرد العناصر التي تعمل في الجيش من أصل عربي ، وبالمقابل أعيد الضباط البريطانيون إلى مواقعهم السابقة داخل الجيش، بل أن الفوج الثالث في كل لواء تمّ تحويله إلى كادر إداري لغرض تقليص الجيش والتقليل من دورة .

استمرت وزارة نوري السعيد السادسة بسياستها الموالية لبريطانيا حتى سقوطها في 4 تشرين الثاني 1942 ، على أثر الخلافات التي دبت بين أعضاء الوزارة ، وهذا ما صرح به نوري السعيد حين قدّم كتاب استقالته للوصي.

تسلّم نوري السعيد رئاسة الوزارة للمرة السابعة ، إذ أن الوصي لم يجد بُداً تحت ضغط السفارة البريطانية ، كما أنه لم يجد أنسب منه للمرحلة التي تمرّ فيها البلاد ، ولاسيما أنها تستعد لاتخاذ قرارات مهمة وخطيرة بشأن الحرب ضد دول المحور ، وزيادةً على ذلك فإن أغلب الساسة المخضرمين لم يَعُد لهم وجود في الساحة السياسية .

لم تكن مهمة الوزارة الجديدة صعبة ، على الرغم من أن أكثر القضايا أهمية وتعقيداً التي كانت تشغل الساحة ، ألا وهي قضية التموين، فسياسة نوري السعيد تحظى بتأييد الأغلبية، ومن هنا أوعز نوري السعيد إلى مؤيديه في المجلس النيابي بتقديم مذكرة إلى رئيس المجلس يطالبون فيها بالانضمام إلى ميثاق الاتلانتي.

وحقق نوري السعيد السياسة المرسومة له التي يستطيع تحقيقها ، حينما كان رئيساً للحكومة عند بداية الحرب العالمية الثانية في 3 أيلول 1939، فقد جُوبه في وقتها بانتقادات وسخط وعدم رضا حتى من أفراد وزارته ، أما اليوم وقد خلت الساحة السياسية له ، فقد استطاع أن يحقق ما عجز عنه في الماضي القريب ، فصدرت الإرادة الملكية بإعلان الحرب على دول المحور اعتباراً من منتصف ليلة 16/17 كانون الثاني 1943.بدأ الضعف يسري في الوزارة السابعة لنوري السعيد ( 8 تشرين الأول 1942 – 25 كانون الأول 1943 ) ، إثر الخلافات بين وزرائه ، فقد استقال ثلاثة وزراء ، كما أن الوزارة لاقت صعوبات فيما يخص قضية التموين التي أصبحت من القضايا المستعصية ، لذلك قدمت استقالتها.تشكلت وزارة نوري السعيد الثامنة ( 25 كانون الأول 1943- 3 حزيران 1944 ) بعد استقالة وزارته السابقة ، إذ استمرت هذه الوزارة في تسيير الأمور كما في الوزارتين السابقتين ، كما نشطت في دعم المجهود الحربي للحلفاء بحسب ما نصت عليه المادة الرابعة من معاهدة 1930 المعقودة بين الطرفين ، إذ بذل نوري السعيد ما في وسعه لإرضاء بريطانيا .

وبالرغم من الخدمات التي قدمتها وزارة نوري السعيد للبلاط وبريطانيا ، أصبح أمر تغيير هذه الوزارة أمراً لابد منه ، لاسيما أن التجديد أمر ضروري ، إذ أن نوري السعيد ألّف ثلاث وزارات بصورة متوالية ، كما أن العلاقة بينه وبين البلاط أصبحت فاترة ، فأقبل نوري على تقديم استقالته التي أوضح فيها السبب ، وهو الحملة التي شنّها ضده مجلس النواب والأعيان بأمر من الوصي.

انتقلت رئاسة الوزارة إلى حمدي الباجةجي ، فألّف وزارتين ، كانت الأولى قصيرة العمر ( 3 حزيران – 28 آب 1944 ) ، إذ أنها واجهت منذ البداية مشكلة إصلاح الجيش ، فقد قام الجنرال رنتن ( Renton ) رئيس البعثة العسكرية البريطانية إلى العراق الذي وصل منذ مدة قريبة لتفتيش الجيش العراقي وإعادة تنظيمه ، وقام بتقديم تقرير يتضمن تقليص الجيش ، وقد بيّن الغاية من طلبه وإنه يعود لأسباب مختلفة . في حين اعترض وزير الدفاع آنذاك تحسين العسكري على اقتراح الجنرال البريطاني ، وأدى هذا الخلاف إلى نقله إلى وزارة الأشغال والمواصلات ، وإسناد الوزارة وكالة إلى صالح جبر وزير المالية ، بدأ الخلاف بين أعضاء هذه الوزارة ، فقدم رئيسها استقالته بصورة قصدية، لأنه يرمي من ورائها إخراج تحسين العسكري من هيئة الوزارة.

عاد حمدي الباجةجي من جديد يؤلف وزارته الثانية (29 آب 1944 – 30 كانون الثاني 1946)، وقد بدأت هذه الوزارة تواجه ضغوطاً من المجلس النيابي منذ بداية توليها زمام السلطة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.