Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

بساتيننا في طريقها إلى الاضمحلال

مُنذُ عصورٍ قديمة غابرة، كان العراقُ الذي يعني في بعضِ معانيه ( شاطئ الماء ) بساطا أخضر يبهج الناظر ويعكِسُ الخير الوفير الّذي حبا بِهِ الباري عزّ وجل هذهِ الأرض الّتي ما عرفت غير الخِصبِ والنّماءِ، فبالإضافةِ إلى المروجِ الخضراء التي تحكي جانباً من تأريخِ أرض السواد التي وسمت بهذا الاسم لشدةِ الخضرة في ثناياها، تختزن كثير من مناطقِ العراق بساتين عامرة، أضفت على فضاءاتِ المدن وأزقتها محاسن بيئية ومسحة جمالية، إضافة إلى احتوائِها على ألذِ وأفضل أصناف الفواكه، فضلاً عن أجودِ أنواع التمور التي كانت فيما مضى تحتل المرتبة الأولى في إجمالي صادرات البلاد من غيرِ الصناعات الاستخراجية، ما جعل عمتنا النخلة تشكل هوية أرض الرافدين نتيجة ارتباطها بحياةِ الأهالي المعاشية والاجتماعية. إذ ارتبط تأريخها بعرقِ وجهود أناس قادتهم طيبتهم، إلى جانبِ احترامهم لعملهم وارتباطهم بتربةِ وطنهم إلى اكتسابِ مهارات وخبرات كبيرة في هذا المجالِ من إنتاجية القطاع الزراعي، إلّا إنَّ النخيل وأشجار الفاكهة التي تعاقبت عليها عصور عديدة في بِلادِنا، تدهورت أوضاعها بعد أن أصبحت تعاني في العقودِ الثلاثة الماضية من تعرضِها إلى الانقراضِ الذي تسبب بانحسار البساتين التي كانت تشكل مساحات خضراء بفعلِ عوامل كثيرة في مقدمتِها الإهمال الحكومي المتمثل بضعفِ الإجراءات المفترضة حيال هذه المشكلة، ما أفضى إلى ندرة مصادر الإرواء وانخفاض مناسيب الأنهار نتيجة قلة إطلاقات المياه في أنهارِنا، فضلاً عن ارتفاعِ الأراضي الزراعية وبعدها عن مصادرِ المياه، إضافة إلى التجاوزاتِ التي تحصل على الحصص المائية في ظلِ غياب المراقبة، على الرغمِ من عدمِ كفاية بعضها لأغراضِ الشرب، الأمر الذي فرض على أصحابِ البساتين اعتماد نظام المراشنة أو اللجوء إلى استثمار المياهِ الجوفية التي يجري سحبها ودفعها في مبازلٍ تسببت بانجرافِ بعض البساتين وهلاك أشجارها ونخيلها ومزارِعها.

اللافت للانتباه أنَّ أغلبَ مزارع وبساتين البلاد كانت إلى عهدٍ قريب تروى بطريقةِ السيح في مأمنٍ من طغيانِ نهري دجلة والفرات بمواسمِ الفيضانات، ما يعني وفرة المياه التي ساهمت بزيادةِ الغلة الزراعية ومن ثم ارتفاع إنتاجية القطاع الزراعي الذي كان يشكل مصدر الدخل الرئيس لكثيرٍ من العوائل، فضلاً عن مساهمتها باتساعِ مساحات المدن وازدهار الأسواق التي يؤمها السكان، حيث حظي بعضها بأهميةٍ تجلت بتحولِها إلى أماكنَ اقتصادية جراء طبيعة موقعها التجاري.

إنَّ سياسةَ عدم الاهتمام الحكومي بمهمةِ تطوير القطاع الزراعي، لم تكن مفاجئة لأي متابع حريص أو باحث في الشأنِ الاقتصادي، ما دمنا نعيش في زمانٍ تتعرض فيه جميع ثروات البلاد إلى الإهمالِ والتهميش؛ انعكاساً لرؤى غريبة على منظومةِ مجتمعنا القيمية التي ترفض أي توجه يفضي إلى تغليب المصلحة الخاصة على المصلحةِ العامة. ويمكن القول إنَّ هذا التوجه مرده إلى انشغالِ البيت السياسي العراقي وغالبية المسؤولين بالمصالحِ السياسية، إضافة إلى الحرص على اكتساب المال والنفوذ من خلال السعي بشتى السبل إلى المحافظة على المناصبِ التي أصبح المواطنُ ضحيتها.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العكيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.