مذكرات سجينة..الشهيدة أمل الربيعي: هذه المرة سيقتلونني ولا أعتقد أني سأعود

هععهخهعع

كانت (أمل) ريحانة عطرة.. فجاءت الى‏ سجن الرشاد زهرة ذابلة،لما عانت من وحشيتهم في التعذيب المريع وقسوتهم في الحقد الدفين لنشاطها وعطائها..حيث كانت تُعبّى‏ء الناس وتستنهض الهمم(وهُدوا الى‏ الطيّب من القول…). لاسيّما وأنها كثيراً ما كانت تتفقّد عوائل الشهداء والمعتقلين وتحمل لهم ما يمكن أن يخفّض عنهم همّ الحاجة وضيق المعيشة، ف (ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمنّي، ولكن الإيمان ما خلص في القلوب وصدَّقته الأعمال).
كانت (أمل) تكتب وتوزّع – سرّاً – المنشورات الثورية التي تُدين جريمة النظام الكبرى‏ باعدام المرجع القائد المفكّر السيد محمد باقر الصدر1 وأخته الفاضلة العلوية وبشن الحرب الظالمة على‏ دولة الإسلام الفتيّة. كان ضابط التحقيق المجرم الجلّاد المقدّم مهدي الدليمي (أبو هبة) الذي ترك في مديرية أمن البصرة سجلّاً أسود بشعاً حافلاً بالإجرام وهتك الحُرمات.تم اعتقالها وخطيبها عام «1982م» من قبل أزلام (أمن) النظام في مدينة الثورة بتهمة الإنتماء الى‏ خط الصدر على‏ حَدِّ قولهم. اعتقلوها ليلاً بعد أن داهموا البيت بهمجيةٍ بعثيةٍ مألوفة ! كما اعتقلوا معها أُختها المجاهدة (سُندس) والتي حُكِم عليها فيما بعد بالسجن المؤبد – إعدام مخفف – بيد أنها خرجت بالعفو الصادر عام «1991م» والذي يحمل القرار رقم «241»، حيث أُطلق سراحها يوم (1991/7/21م). – أعلن رأس النظام هذا العفو قبل احتلاله لدولة الكويت بأيام !
أمل.. وألم‏: تم تعذيب الصابرة المجاهدة (أمل) بكل الوسائل البشعة، كالتعليق بالسقف، والفلقة، والعصا الكهربائية، والكيبل.. كان المجرم يأمر بتعليقها ساعات طوالاً، فكانت قدماها تقاومان عشقهما للأرض حيث العصا التي لا ترحم جسدها الرقيق، وهي تئن وتعاني من الآلام الشديدة من نهش الكيبلات التي مزّقت جسدها.. لقد غيّر الجلاد مواقع حروف أسمها الجميل أثناء التعذيب الوحشي فصارت (أمل) كتلةً من (ألم). بقيت (أمل) في مديرية (أمن) الثورة مدة (6) أشهر.. ثم جي‏ء بها الى‏ (موقف) مديرية الأمن العام، بعدها ذهبوا بها الى‏ قاعة محكمة (الثورة) لإصدار حكم الاعدام الجائر والجاهز، وحسب المادة (156 – أ) ! تم نقلها من المحكمةِ مباشرةً الى‏ سجن الرشاد ببغداد – القسم السياسي – حيثُ بقيت (3) أشهر بانتظار تنفيذ الحكم..بغداد.. حبيبتي‏: انتهت مدة الإنتظار في سجن الرشاد.. فها هي سيارة الاعدام تنتظر عند الباب الكبير لنقل (أمل) ورفيقاتها الى‏ سجن (أبو غريب) حيث تنفيذ حكم الاعدام الجائر. وهكذا ودّع سجن (الرشاد) الفراشة الوديعة.. ودّع (أمل) الحبيبة الإليفة.. استقرّت حمائم الإسلام في الصندوق الصدى‏ء.. إنطلقت السيارة تخترق العاصمة بغداد وهي تلوذُ بأطراف الشوارع، وكأنها لصٌّ يحاول الاختفاء ! عواطف ملتصقة بالنافذة الحديدية الصغيرة وسط الصندوق وبجانبها (أمل).. كانتا تهمسان مع بغداد – الذكريات – وكان الحديث لكُلِّ منهما ذا شجون.. فتعال معي – أيُّها القارى‏ء الكريم – لنطّلع على‏ الحديث الذي دار بين (أمل) وبغداد، والذي نقلته لنا – فيما بعد – بعد تأجيل الاعدام ورجوعها الى‏ سجن (الرشاد)..
تقول أمل : «عندما رأيت بغداد، خفقَ قلبي.. لقد امتزج الفرح والحزن معاً.. أحقاً هذه بغداد ؟ ! كنت أتطلّع الى‏ بغداد، وكل ذرّة في كياني تختلج.. كُدّتُ أسمع دقّات قلبي وهي تلفظ حروف «بغداد» بأيقاعٍ ثقيل.. ها هي بغداد، حيث طارت الذكريات صوب الوطن المطعون وبدأ شريط الذكريات والدموع.. بغداد.. اشتقتُ إليك.. اشتقت الى‏ قبابك الذهبية.. اشتقت الى‏ الأهل والخلّان..على‏ مَنْ عتبي ؟ على‏ الأيام التي باعدتنا ؟ أم على‏ الأعداء الذين نهبوا أرضنا ؟ تُرى‏ هل يكون لنا لقاء آخر يابغداد ؟ هل أراك ثانية ؟ بغداد، كيف أنتِ الآن ؟ أما زالت صحارانا تشكو من دماء الأبرياء، والتي لو نطقت لطَلبتْ الى‏ بارئها الثأر لمن تحتها من الصالحين ؟ أما زال أنين الثكالى‏ أقوى‏ من صوت الأذان ؟! مسحتُ دموعي، ثم واصلت التفرّج على‏ معالِم بغداد المظلومة التي انسحب عنها النور وزحف إليها الظلام، رُغم أن حفيف سعفات النخيل الذي صاحبه زخّات من المطر كان أجمل موسيقا أسمعها قبل ارتحالي عن هذه الدنيا.. إذاً ها هي بغداد المفجوعة عند مرمى‏ بصري، ولا أخالها تتذوّق للشمس طعماً، بل انها تلعقُ طعم الفجيعة.. لا أخالها تُفرِّق بين ليلٍ ونهار، فكل أوقاتها أصبحت ليلاً كثيف العتمة وظلاماً ثقيل الظُلمة.. بغداد هل فتّتَ الأسى‏ والألم روحك ؟ هل مازال قلبك ينبض بالحياة ؟! أراكِ ترتدين ثوب الحداد الأسود.. منكوبة بغداد، فقد انغرستْ في لحمك أنياب وحوش البعث الضارية.. فالشوارع تنعق بأغاني القادسية الرخيصة وبموسيقا‏ الحرب الصاخبة، وكأن خريف الموت داهمكِ فجأةً، فأصبحتِ شبح مدينة تحتضر.. في آخر مرّةٍ خرجتُ من حُضْنُكِ الدافى‏ء والعيون غرقى‏.. لوّحتُ لكِ، وكأني قُلتُ وداعاً، لأنَّه الوداع القهري.. ولو كنتِ سامعةً قولي لانكسرَ قلبكِ يابغداد.. ولكن أنّى‏ لك ذلك، والضجيج المنبعث من فرقة الطبالين ومرتزقة الفن المَلكي حال بينك وبين أن تسمعي صوتي الخفيض المتخشِّع.. ولكن لا يابغداد.. لابدّ للشمس أن تعود، ولابدَّ للسحابة أن ترحل
رافقت «أمل» الشهيدة «عواطف» في جميع محطات رحلة العذاب التي ذكرناها في الفصل السابق.. لقد تابعت فصول مهرجان الإعدام الجماعي ب (150) شهيداً.. ثم شاهدتْ بأم عينيها تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بالعلوية (فاطمة).. نعم، لقد شاهدت وعن قرب تلك الوجوه التي أرهقها عذاب الاعتقال.. رجال لِحاهُم طويلة، عيونهم غائرة، أجسادهم نحيلة، شفاههم لم تفتر لحظةً عن ذكر اللَّه.. وعن الدعاء، مشغولةً تتوسل السماء بالمغفرة، وتنطق بالشكر للخاتمة (ترى‏ أعيُنهم تفيض من الدمع ممّا عرفوا من الحقِّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين). – سورة المائدة : 83.
ثُلّة منهم تقرأ ما حفظت من كتاب اللَّه.. وأخرى‏ تُصلي وتقرأ الزيارة، وثالثة التصقت بالجدران تكتب أشياء، ورابعة انضمَّت لقراءة نشيد الخلود (يحسين بضمايرنه).. دويٌّ كدويّ النَحل يعبد الخالق ويشكوه ظلم الطغاة وما فعلوا بهم وهو أعلم بما يفعلون. كان يوماً فريداً لا أظن انه سيمحى من ذاكرة الشهيدة (أمل) حتى‏ لو انتقلت الى‏ بساتين الجنة..
قتلوهم كى لا يأتي الفجر
كانت الشمس الموشكة على‏ الغروب تلقي بأشعتها الواهنة على‏ جدران سجن (أبو غريب) الكبير، وكان السجن في تلك المدة باباً من أبواب جهنم، يصرخ وينادي هل من مزيد ! لقد شاهدت (أمل) جثث الشهداء، تلك الأجساد الغضّة بالشباب والمبادى‏ء، وقد أمسوا فريسة الذئاب والخنازير، حيث لا تسمع لهم صوتاً ولا حركة.. فهي تنظر الى‏ داخل القاعة، غير مصدِّقة ماترى‏ ! لقد طحنتها الصدمة، فهي تارةً تُغمض عينيها لأن المشهد يفُتّ القلب، وأُخرى‏ تمسح دموعها وتُعاود النظر بذهول. نعم أُختاه.. إنّهُ نظام حُكم العُصابة اللاإنسانية التي جثمت على‏ صدر عراقنا الحبيب.. وحوش ذات قلوب مقفلة عشعش فيها الظلام والحقد الأسود، بل هؤلاء أبشع من الوحوش ! فالوحوش تترفّع حينما تشبع، ولا تَفتُك حتى‏ تجوع. وانَّ الطُغاة على‏ مرِّ التاريخ لا يرتاحون للصالحين الواعين فتراهم يذوقونهم سوء العذاب بينما يرفُل الهمج الرُعاع في النعيم.. يحتَّلون المناصب والادارات (فاستخفَّ قومه فأطاعوه). مئة وخمسون فارساً أعدمهم الفرعون، ولم يعدم من الزمن سوى‏ ساعة فقط.. أجساد تساقطت فوق بعضها تباعاً كأوراق الخريف.. كانت التُهم جاهزة، وعنوانها الرئيس (خُمينيّون في خط العميل الصدر) ! قتلوهم في المساء، قتلوهم حتى‏ لا يأتي الفجر.. ما أعجزهم حين يقتلون، والقتل كُلَّ ما يستطيعون.. وهكذا انتهى‏ خصام الوحوش باعدامهم جميعاً.. بعدها نقلوهم ليدفنوهم في مقابر مجهولة، وأعطوا للبعض من أهاليهم أوراق (صفراء) تُنبى‏ء بقتلهم.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.