بمناسبة مرور 1400 عام على إتخاذ علي «ع» الكوفة عاصمة لدولته..

هذا العمود جزء مستل، من مقالة طويلة قديمة، كنا نشرناها قبل زهاء عشر سنوات، وكان عنوانها: لماذا يكرهون عليا والعراق؟!

حاولنا في تلك المقالة؛ تسليط الضوء على إجابة مفترضة، عن سؤال ربما لم تتم الإجابة عنه من قبل، ألا وهو: لماذا اختار الإمام علي عليه السلام، العراق مقرا لدولته، مبتعدا عن المقر الأول لدولة الإسلام، التي بناها وثبت دعائمها رسولنا الأكرم صلواته تعالى وسلامه عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين؟!

من غرائب التأريخ؛ أنه إذا أعاد نفسه بدورة زمنية محددة، فانه يعيد معه مسببات الحدث، وهذا ما اعتادته العرب عاربتهم ومستعربتهم، في تعاملهم مع العراق، في علاقة بنيت على محاولة تدمير النموذج الحضاري العراقي.

هي محاولة ناتجة دوما من مبدأية الصراع، بين الحضارة التي يمثلها العراق، الخصب الزراعي والثقافي، وبين البداوة التي تمثلها الصحراء والنكوص والسلفية, وهي مع الأسف مواصفات الجوار العربي الشقيق. أعداء العراق اليوم، هم ذاتهم أعداؤه، يوم تشكلت الأمة العربية، بسيوف فهر وقيس وقريش, حيث رسخت السيوف وهما وزيفا، بإنتساب لا معنى له، عند من خلقها جل في علاه، إلى عدنان أو قحطان, ومنذ ذلك الحين؛ كان هناك تصنيف متعال للبشر، الذين سكنوا هذا المستوطن السكاني الأول.

الفاتحون البدو؛ الذين لم يتمكن الإسلام بعد من تغييرهم، ومن ترسيخ مفاهيمه السامية في أنفسهم؛ ولا نظنه إستطاع ذلك بعد أربعة عشر قرنا، وجدوا أنفسهم متخلفين كثيرا أمام العراقيين، بإرثهم الحضاري الموغل بالقدم, وكانوا لا يمتلكون عمليا، الشيء الذي يستحق الاعتزاز به، سوى السيف والخيل والبيداء، وهي أدواتهم الحضارية الوحيدة، التي لا تصلح بالتأكيد لبناء حضارة.

هكذا وجد العراقيون أنفسهم، وهم يحتضنون الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، الخليفة الراشد المنتخب, الذي اختار الكوفة إحدى مدن العراق، عن وعي سياسي متقدم، لتكون عاصمة لدولة العدل الإلهي، التي قيض له أن يقدمها، كنموذج أوحد وامثل تفردا، على مر التأريخ.

إصطف العراقيون خلف الإمام علي (عليه السلام )، لوعي سياسي متقدم أيضا، مقتنصين الفرصة التاريخية، ليساهموا في إنشاء هذا النموذج، ليس لأنهم بحاجة له حسب، بل لأنهم يمتلكون القدرة على استيعابه، واستيعاب متطلباته ولديهم أدواته, وهكذا أيضآ قدر للعراقيين، أن يكونوا سدا حضاريا، بوجه الهمجية البدوية!

إستوعب العراقيون الرسالة الإسلامية بسرعة، لينطلقوا بها إلى آفاق تخدم الإنسانية، وليؤسسوا ما بات يعرف اليوم بالحضارة الإسلامية، وليكونوا ليس فقط، عماد هذه الحضارة ومؤسسيها وناشريها؛ بل وحماتها.

في ذلك الوقت؛ حين كان أعاريب الجزيرة العربية، ينطلقون بخيلهم شرقا وشمالا وغربا، لا من أجل نشر الإسلام كما هو الظاهر، بل ومن أجل غنائم الفتح بصورة رئيسة، وليشبعوا غرائزهم الوحشية في إستيطان الأراضي الخضراء، التي لم يعهدوها من قبل، ليبني لهم سكانها قسرا، قصورا ملأ وها بالجواري والغلمان، من أهل البلاد المفتوحة، وليعبوا أفواههم بخمور الأندرينا.

كلام قبل السلام: علي(عليه السلام)؛ كان معيارا صادقا نقيا للطهر الإلهي، لذلك التف حوله العراقيون، مشايعين إياه بما يحمل من فكر وأمل وزهد وإنسانية، فأصبحوا شيعته..!..أليس هو صوت العدالة الإنسانية كما يقول المنصف جرجي زيدان؟

سلام….

قاسم العجرش

qasim_200@yahoo.com

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.