Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

روسيا وحرب الدونباس.. ما هو سبب انخراط الناتو في عملية تسلح مكثفة في أوروبا الشرقية ؟

أشارت وزارة الخارجية الروسية إلى أن مقترحات الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو التي قدمها أمام البرلمان، والخاصة بتحديد مناطق في مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك لوضع نظام خاص للإدارة الذاتية فيها، “تثير تساؤلات وهموما جدية”، وتشوّه جوهر اتفاقات مينسك لأنها تضع لدخول القانون المذكور حيّز التنفيذ “عدداً من الشروط الإضافية التي لم تتم مناقشتها من قبل”، ومنها الاعتراف بنتائج انتخابات محلية لم يناقش أسلوب تنظيمها أبداً ولا انعكاس لها في نصوص اتفاقات مينسك, واعتبرت الخارجية أن تصرفات كييف هذه تمثل “دلالة جديدة على توجهها نحو إفشال عملية مينسك” .

الصراع المسلح في أوكرانيا

إن سبب الصراع المسلح في أوكرانيا المعروف أيضاً باسم حرب الدونباس هو التدخل الغربي في الشأن الداخلي الأوكراني. وقد اعترف الرئيس الأميركي نفسه بالتحرك الذي انطلق من ساحة ميدان أما هدف التدخل فهو التمهيد لتأمين وجود عسكري متزايد لقوات الناتو بالقرب من الحدود الروسية. وقد بدأ الصراع مع ولادة حركة “يوروميدان” والانقلاب الذي أدى إلى إسقاط حكومة فيكتور يانوكوفيتش واستلام السلطة من قبل حكومة مؤيدة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وفي ظل هذا ألوضع أبدى سكان المقاطعات الشرقية في أوكرانيا رفضهم للحكومة المؤقتة الجديدة وعبروا عن ذلك في سلسلة من التظاهرات التي خرجت في جميع أنحاء الدونباس. وبذلك، نشأت حركة رافضة لتحرك “ميدان” وتم الإعلان عن قيام جمهورية دونتسك الشعبية. ثم عن قيام جمهورية لوغانسك الشعبية، وعن اتحاد هاتين الجمهوريتين وقيام الجيش الاوكراني بتدخل في المناطق الشرقية، وتواصلت المعارك بعد ذلك على الرغم من توقيع المجموعة الأولى من اتفاقيات مينسك وفي السادس والحادي عشر من شباط توجه كل من فرنسوا هولاند وأنغيلا ميركل إلى روسيا لعقد مفاوضات مع بوتين حول خطة سلام جديدة في إطار تسوية شاملة. لكن مثل هذه الخطة تظل هشة جداً حتى لو تم الاتفاق على وقف لإطلاق النار، شأنها في ذلك شأن الاتفاق الأول لأنه لم يحل دون استمرار المعارك حتى بعد دخول وقف النار حيّز التنفيذ. وجاء ماراثون المفاوضات الذي استغرق 17 ساعة بين ألمانيا وفرنسا وروسيا وأوكرانيا ليسمح بالتوصل إلى اتفاق على وقف إطلاق النار ليدخل حيّز التنفيذ. ويبدو أن هذه النتيجة قد جاءت استجابة لطلب الكرملين. وقد أظهر الاتفاق ضعفاً متزايداً في الموقف التفاوضي الأوكراني، كما أظهر رغبة ألمانيا في تجنب المواجهة مع روسيا وفي السعي من أجل إنقاذ منطقة اليورو من الانهيار. هذا، ونجد في الاتفاق عدداً من البنود المتعلقة بوقف إطلاق النار وسحب الأسلحة والتغييرات التي ينبغي على أوكرانيا أن تقوم بها في سياق منح الكرملين حق تقرير محتوى عدد من البنود العامة في الاتفاق. وجاء توقيع الاتفاق من قبل الرئيس الروسي إضافة إلى مشاركته المباشرة في المفاوضات ليؤكد تصميم موسكو على الحد ولو جزئياً ومؤقتاً من التصعيد العسكري.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قد أهاب بالشركاء الغربيين أن يحضّوا السلطات الأوكرانية على منع العودة مجدداً إلى السيناريو العسكري، على أساس أن ذلك هو ما يشكل الهدف الأكبر. على هذا، نعتقد بأن خطتين للتسوية قد تم رسمهما في المفاوضات. الأولى هي المشاركة الفعلية من قبل أوكرانيا، وهو الأمر الذي لا يمكن قبوله من قبل الغرب الذي يبني تدخلاته على أساس سيادة أوكرانيا ووحدتها الترابية الكاملة. أما الثانية، وهي المنصوص عليها في اتفاق مينسك الأخير، فضرورة أن تبادر أوكرانيا إلى وضع قانون خاص حول صفة مقاطعتي دونتسك ولوغانسك يسمح لهما بتشكيل ميليشيا محلية وبالعمل بشكل منسق مع الحكومة المركزية في مجال تعيين الموظفين، وفي مجال صياغة الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية في المقاطعتين. كما تم البحث أيضاً في تشكيل هيئة يشارك فيها الروس والغربيون لمراقبة الحدود تحت إشراف منظمة الأمن والتعاون الأوروبي. وحتى لو طبقت الخطة الثانية، فإن الخلافات بين الكتل المتصارعة ستتواصل في إطار التوجه نحو مواجهة عسكرية على نطاق أوسع. إن غالبية الأوكرانيين ينظرون إلى الصراع على أنه صراع داخلي وليس حرباً للدفاع عن البلاد ضد عدو خارجي. ومن هنا يتساءلون حول الأسباب التي تدفع النظام القائم في كييف إلى رفض كل حوار مع الانفصاليين وإعطاء الأولوية للمواجهة العنيفة مع مواطنيها.

توسع الناتو في أوروبا الشرقية

لقد انخرط الناتو في عملية تسلح مكثفة في أوروبا الشرقية بهدف عزل روسيا بشكل تدريجي، وكل ذلك بحجة الصراع المسلح في أوكرانيا والموقف الموصوف بأنه عدائي من قبل موسكو تجاه أوكرانيا والغرب. وقد تواصلت عملية التسلح هذه منذ ضم القرم إلى روسيا وتعززت خلال الأشهر الأخيرة. فالواقع أن الناتو قد قرر “تعزيز الدفاع عن خاصرته الشرقية” وشكل، لهذه الغاية، قوة جديدة من 5000 رجل يمكن نشرهم بشكل سريع، فضلا على إقامة 6 مراكز قيادة في أوروبا الشرقية. وقد وافقت كل من إيطاليا وبولندا وإسبانيا وبريطانيا وفرنسا على أن تكون البادئة في المشاركة بهذه القوة الجديدة التي أطلق عليها اسم “رأس الرمح” والتي ستكون جاهزة للعمل عام 2016. وقد قرر الناتو أن هذه القوة ستحظى بوجود دائم. وبهذا الصدد، أكد جينس ستولنبرغ (الأمين العام الجديد لحلف الناتو) “اتفقنا على الشروع فوراً بإقامة 6 مراكز قيادة ومراقبة في بلغاريا وإستونيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا. وإذا ما حدثت أزمة جديدة، فإن هذه المراكز ستضمن، منذ البداية، جهوزية جيوش تلك البلدان وجيوش حلف الناتو القادمة من مختلف البلدان الأعضاء للعمل بشكل منسق… كما ستستخدم هذه المراكز في تسهيل نشر الجيوش إذا لزم الأمر وفي وضع خطط الدفاع الجماعي، وكذلك في تنسيق التدريبات العسكرية. وقد وافقت كل من ألمانيا والدانمارك على إقامة مركز للقيادة في غربي بولندا تكون مهمته تنسيق العمل بين مراكز القيادة الستة”. وقد اعتبر الأمين العام للناتو أن هذه الإجراءات هي أضخم تعزيز لدفاعه الجماعي منذ نهاية الحرب الباردة. وأضاف قائلاً إنها تأتي “رداً على الأعمال العدائية التي تقوم بها روسيا التي انتهكت القانون الدولي بضمها للقرم”. كما ركز على الصفة الدفاعية لهذه القرارات وتم اتخاذ القرار بشأن هذه الترتيبات خلال قمة رؤساء دول وحكومات بلدان الناتو التي انعقدت في بريطانيا في أعقاب ضم القرم إلى روسيا وما تبع ذلك من تدخل روسيا في المقاطعات الشرقية من أوكرانيا”.

العزل السياسي والاقتصادي المفروض على روسيا

منذ سنوات، بدأ السلوك الغربي تجاه روسيا يتميّز بالميل نحو تقليص قوتها ونفوذها في العالم. وقد تجسد ذلك بشكل ملموس خلال العام الماضي مع إخضاعها لعقوبات سياسية واقتصادية, وفي غضون العام المنصرم، شددت وسائل الإعلام التابعة للغرب من هجماتها على روسيا ورئيسها، ولم توفر وسيلة إلا واستخدمتها في هذا السبيل. فقد عرضت تقارير عديدة صورت عنجهية بوتين وأشكال “السلوك العدواني” الروسي تجاه الغرب. أما العنصر الأساسي وراء إطلاق هذه الحملة فهو ضم القرم من قبل روسيا وما أعقب ذلك من انفجار طائرة تابعة للخطوط الجوية الماليزية فوق أوكرانيا. وقد وجهت التهم غير المستندة إلى أي أساس إلى الرئيس الروسي بخصوص تلك الطائرة، وكذلك في ما يتعلق بالدور الذي لعبه في تفجر واستمرار الصراع في الدونباس, وقد ذكرت صحيفة “لاتريبون” الفرنسية في أن بوتين يتصرف “كطاغية من القرن العشرين”, وبالمعنى نفسه، تحدث وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند، وشبّه سلوك الرئيس بوتين في أوكرانيا بسلوك “دكتاتور ينتمي إلى القرن الماضي”, أما رؤساء الدول المشاركون في قمة العشرين في بريسبن، فقد استقبلوا الرئيس الروسي بفتور واضح. وبالمناسبة، أطلق دايفيد كاميرون تصريحاً قال فيه إن روسيا “تتصرف كدولة كبيرة تعتدي على دول أصغر في أوروبا”. كما أدان مسؤولون آخرون نشر القوات البحرية الروسية في شمال أستراليا وفي جنوب المحيط الباسيفيكي.

رقصة العقوبات

وكرد على إجراءات مفترضة قام بها الكرملين، أعلنت الولايات المتحدة عن فرض سلسلة من العقوبات على روسيا. وتبعها في ذلك الاتحاد الأوروبي وسائر البلدان الحليفة للغرب، تم الإعلان من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن دفعة جديدة من العقوبات الانتقامية ضد روسيا بسبب الأزمة الأوكرانية وتبعتها في ذلك بقية البلدان الحليفة, وقد شملت العقوبات الأوروبية شخصيات من القرم وعدداً من كبار السياسيين ورجال الأعمال الروس والأوكرانيين، فضلا على العديد من الشركات , وبحسب وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل غارسيا – ماغالو، بلغ حجم الخسائر التي لحقت بالاتحاد الأوروبي من جراء هذه العقوبات ما يقرب من 21 مليار يورو. وحذّر الوزير من أن فرض أية عقوبات جديدة “سيكلف العالم كله ثمناً باهظاً”. وباختصار، فإن معظم العقوبات الدولية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا قد جرى تطبيقها في مجالات الاقتصاد والدفاع (حظر تصدير واستيراد الأسلحة والأعتدة) والتكنولوجيا والطاقة. كما اشتملت العقوبات على القرم ومدينة سيباستوبول. ثم توسعت اللائحة بهدف زيادة الضغط على الكرملين. أما عقوبات واشنطن فقد طالت “قطاعات أساسية في الاقتصاد الروسي” كقطاع الطاقة والدفاع والمال، إضافة إلى تجميد الصادرات واشتمال العقوبات على مصارف وشركات جديدة في قطاع الدفاع، والوقف الكامل لأشكال الإقراض الخاصة بأعمال التصدير وبتمويل التنمية الاقتصادية الروسية , ولم تكن العقوبات عقابية وحسب على ما تقوله المزاعم الغربية. فقد اعتبر بول غريغ روبرتز أن “الهدف الحقيقي للعقوبات الغربية هو قطع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين أوروبا وروسيا”، وذلك في إطار عملية عزل روسيا بشكل كامل.

الرد الروسي

أما العقوبات التي فرضتها روسيا على الكتلة الغربية فقد تمثلت بإجراءات منها المنع الكامل لاستيراد معظم المنتجات الغذائية القادمة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا وكندا والنروج. وإلى هذا تضاف الردود المتمثلة بالتضييق على استيراد العديد من المنتجات الصناعية, وبهذا الصدد، يقول بول غريغ روبرتز: “إن الاعتدال الحالي في الرد الروسي على العقوبات الأوروبية إنما يعود إلى أن روسيا ما تزال منفتحة على علاقات التكافؤ مع الغرب ولا تشكل تهديداً له، وذلك على العكس من واشنطن التي تواصل الضغط على روسيا على حساب مصالح شركائها الغربيين”، وخلال الأسبوع الماضي، وجه الرئيس الروسي رسالة إلى أوباما هدده فيها بنشر صور مأخوذة عن طريق الأقمار الصناعية تثبت ضلوع الولايات المتحدة في تفجيرات 11/9. وبهذه المناسبة، جرى الحديث عن أن التوترات بين البلدين، وهي الأشد خطورة منذ نهاية الحرب الباردة، تشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.

مخاوف بعض قادة العالم من نشوب حرب عالمية ثالثة

إن اشتداد الأزمة الاقتصادية العالمية التي تفاقمت بفعل برامج التقشف، والصراع المسلح في أوكرانيا، وعملية العزل المتصاعدة بحق روسيا، وعملية التسلح المكثفة في أوروبا الشرقية من قبل حلف الناتو، هي التهديدات الرئيسة التي تحدق بالسلم الدولي. وقد حصلنا على أربع شهادات تبين مخاوف البشرية إزاء هذه التهديدات. وهذه الشهادات هي استعادة لبيان راسل ـ إنشتاين، ونداء فيدل كاسترو، وعدد من الاستنتاجات المستخلصة في مؤتمر المكسيك الثاني الذي انعقد حول تأثيرات الأسلحة النووية على حياة البشرية، وأخيراً المخاوف التي أبداها ميخائيل غورباتشوف.

ما الذي يمكن أن تتوقعه واشنطن من روسيا ؟

لا شك في أن موسكو ستواصل التشديد على أهمية الحل المتعدد الأطراف للمسألة النووية الإيرانية – وستستمر أيضاً في استخدام هذه المنصة المتعددة الأطراف لخدمة المصالح الذاتية الخاصة بها. وستسعى موسكو الى مساندة طهران لتطوير برنامجها النووي لانها لا تجد في البرنامج الإيراني تهديداً لها بقدر ما هو تهديد للغرب. من هنا، إذا تعذر على «مجموعة الخمسة زائد واحد» التوصل إلى اتفاق، تستطيع موسكو أن تنتظر قبل أن تستمر بتوسيع نطاق تعاونها النووي مع طهران. أما إذا تم التوصل إلى اتفاق، فستسعى موسكو جاهدة لضمان أن تسمح لها شروط الاتفاق بالحفاظ على مثل هذا التعاون. وفي كلتا الحالتين، فان الولايات المتحدة واوروبا في مأزق مع موسكو ، على صعيد الضغط الدولي المتعلق بسلوك روسيا في أوكرانيا وسوريا. ويعلم بوتين أن واشنطن ترغب في الاتفاق النووي أكثر مما ترغب به روسيا، فلمَ لا يستفيد من هذا التباين ؟ وفي الواقع، سيواصل الكرملين دعم الرئيس الأسد بوجود اتفاق أو غيابه، وسيواصل أيضاً دعمه للمعارضه لذلك، إذا كانت واشنطن تأمل بالتصدي لهذه الإستراتيجية قد تضطر إلى تذكير الكرملين بأن التسلّح النووي الإيراني لا يصب في مصلحة روسيا على المدى البعيد وهذا الامر هو خلاف قناعة الروس وتوجهات الكرملين الساعية الى سياسة تعدد الاقطاب على الرغم من ان الامريكان يحاولون اقناع الروس بان لعب دور بنّاء في الحد من طموحات ايران النووية قد يرقى بمكانة روسيا كقوة عالمية تساهم فعلاً في ضمان الأمن العالمي والإقليمي. ومع ذلك، ففي النهاية، تتجه السياسة الامريكية باتجاه أن لا تكون لدى واشنطن أية أوهام بشأن نوايا بوتين، ويجب عليها أن لا تتسرع في تقديم التنازلات السخية مقابل الحصول على القليل.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.