حقيقة الديمقراطية – 3

حسن النحوي

إن فكرة “إن الإنسان مختار” – التي يتبناها الفكر العالمي عموماً والإسلامي خصوصاً – معبرة عن فكرة “الاختيار السياسي” والتي هي بعنوان آخر “الديمقراطية” كنظرية فللإنسان الحرية باختيار من يمثله سياسيا، نعم قد يخطأ هذا الإنسان فيختار “الطالح” ويترك “الصالح” وهو في هذه الحالة مؤاخذٌ على فعله، بل ويتحمل تبعات هذه الفعل دنيويا من خلال ممارسات “الطاغية المنتخب” إذ يصب استبداده على من انتخبه، وكذلك لهذا الفعل تبعات سماوية لأن الإنسان لم يستثمر “نعمة الاختيار” بصورة صحيحة فالإنسان في هذه الحالة إما “شاكراً” لنعمة الاختيار فيختار القادة الصالحين، وإما “كفوراً” باختياره للقادة الطالحين. فيعاقب لسوء اختيار الطالحين، بل قلنا له لك الحرية في اختيارهم وفرق بين الحق والحرية، فالحق لا يعاقب عليه أما الحرية فتحتمل الاثنين. فنحن “هديناه النجدين” ولكن لم نقل له: لك الحق باختيار احد النجدين. وباختصار: الإنسان مختار في إرادته، ولكن إن كان الاختيار غير موفق، فهذا يستلزم محذوراً إما دنيوياً وإما سماوياً. ورجوعاً إلى ما بدأنا به… نقول: الديمقراطية كنظرية سياسية هي بنت “الإنسان” ووليدة “شرعية” لفكرة الاختيار، تلك الفكرة التي كانت تجول في ذهن “كونفوشيوس” في الصين و “بلقيس” في اليمن وفي “سومر” و “اليونان”. نعم؛ اختلفت المذاهب الديمقراطية في بعض مضامينها لأسباب موضوعية، وهذه الأسباب ترجع لأمر مهم ألا وهو مواكبة روح العصر ومراعاة هوية الشعب المحكوم، فلكل عصر ظروفه وملابساته، ولكل شعب هويته المعبرة عنه، وهذا لا يعيق مسار الديمقراطية، لأن المهم هو تطبيق المضمون، وقلنا إن المضمون الديمقراطي منصب على شيء رئيس واحد ألا وهو “الحكم بإرادة الشعب” فإن الشعب يريد حاكماً “ملكاً” كان أو “أميراً” أو “رئيساً” أو “رئيس وزراء” أو “رجل دين” أو “رئيس قبيلة” أو “ضابطاً عسكريا” فما دام الشعب هو الذي أراده فقد تحققت الديمقراطية، ومادام هذا “الملك” أو “الأمير” أو… الخ يحكم وفق إرادة الشعب، فقد تحققت الديمقراطية، لان الديمقراطية الحقّة هو أن تأتي إلى الحكم بإرادة الشعب وأن تحكم وفق إرادة الشعب.هذا هو القاسم المشترك بين أنواع الديمقراطيات في العالم وان اختلفت نوعاً ما في بعض مضامينها. ومن هنا يتبين خطأ “الاستنساخ السياسي” الذي تحاول بعض الدول فعله في بلدانها، لان الديمقراطيات تختلف باختلاف هويات الشعوب وهويات الشعوب هي التي تحدد مذاهبها السياسية مرتكزة على النظرية السياسية المشتركة.. وباختصار نقول: الديمقراطية الحقة: هي التي تكون مواكبة لروح العصر ومراعية لهوية الشعب، والتي يأتي فيها الحاكم بإرادة الشعب، ويحكم على وفق إرادة الشعب. اما مصطلح ((الهوية)) قريب من مصطلح ((الثقافة)) التي عرّفها ((تايلور 1871)) بانها: ذلك المركب الكلي الذي يشمل على المعرفة والمعتقد والفن والادب والاخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الاخرى التي يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في المجتمع)) . ومن هنا نستنتج ما ادعيناه سابقاً من صعوبة إعطاء تعريف خاص للديمقراطية –المصطلح- نعم نستطيع أن نحدد مضمون الديمقراطية أو بتعبير آخر القاسم المشترك لكل “الديمقراطيات” والذي قد يصلح كتعريف عام، ولكن عيبه الوحيد هو عدم ذكر خصوصيات الشعوب والأزمنة، وبالتالي قد تتهم بعض البلدان باللاديمقراطية لكونها لم تستنسخ الديمقراطية الأوروبية – مثلاً – بصورة تامة، لذا – وتلافياً لهذا المحذور- نبقى على ادعائنا بعدم وجود تعريف للديمقراطية، بل هناك حاكم ديمقراطي، جاء بإرادة الشعب ويحكم على وفق إرادة الشعب.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.