تركيا و«معركة الموصل» .. وإعادة رسم الحدود

kl;oi;oi

تتواتر الأحاديث عن اقتراب معركة «تحرير الموصل»، ويشمل النقاش كل التفاصيل المحتملة: حجم القوات البرية، والدور الجوي لقوات «التحالف»، ومَن من المكونات العراقية سيشارك في المعركة، وماذا سيحصل بعد التحرير، هذا إن حصل بالطبع.

ولعل الحدث البارز هنا هو قفز تركيا إلى واجهة المشهد لتعلن أنها ستساهم في الحرب ضد «داعش»، وإن كانت أعلنت أنها لا تزال تدرس حجم المشاركة، وإن كانت سترسل قوات برية أم لا.

السؤال هنا: لماذا هذه الحماسة التركية الآن… خصوصاً ان تركيا تجنبت، منهجيا، الدخول في أي مواجهة مع التنظيم المتطرف، لا بل ظهرت في مواقف متعددة وكأنها تقوم بالتنسيق معه وتسمح له باستخدام المعابر الحدودية وتصدير النفط الخام إلى أسواقها.تعني الموصل شيئاً مختلفاً تماماً بالنسبة لتركيا، فمن ناحية أولى، كانت المدينة العراقية منذ أقل من مئة عام جزءًا من السلطنة العثمانية، وقد احتلتها القوات البريطانية بعد توقيع «هدنة مودروس» في العام 1918 بين السلطنة العثمانية والحلفاء، والتي نصت على توقف الحرب بين القوات البريطانية والعثمانية. ولهذا اعتبرت السلطنة ما حصل يومها خرقاً للهدنة، دون أن تنجح باستعادة الموصل.ولاحقاً عندما وقعت تركيا «اتفاقية لوزان» في العام 1923، والتي تعتبر النهاية الرسمية للسلطنة العثمانية والاعتراف بالجمهورية التركية الجديدة وفق الحدود الجديدة المتفق عليها، بقيت قضية الموصل خارج المعاهدة لتبت فيها «عصبة الأمم»، التي أرسلت بدورها لجنة تقصي حقائق أوصت بأن تبقى المدينة تابعة للعراق، وقد وافقت تركيا على ذلك ووقعت اتفاقية ترسيم حدود مع العراق في العام 1926، وبقيت الموصل تابعة للعراق الذي كان قد غير اسم المحافظة إلى محافظة «نينوى».هذه النبذة التاريخية تظهر أن للموصل أهمية خاصة لدى الأتراك، وخصوصاً لدى من يحمل أحلام وآمال تجديد الأمجاد العثمانية السابقة و «تصحيح» الأخطاء التي حصلت في لحظة ضعف تركية بعد الحرب العالمية الأولى.وبالرغم من أن الحلم التركي طموح للغاية، إن لم يكن رومانسياً، إلا أن تركيا ليست الطرف الوحيد الطامح إلى الاستحواذ على الموصل وتغيير الحدود التي رسمت منذ قرابة القرن، فالأكراد قالوها صراحةً: «الحدود الجديدة ترسم بالدم»، وهذه الحدود الجديدة إنما تعكس الطموحات والتطلعات، كما تعكس أيضاً اعتقاد الأطراف المعنية بحجم أدوارهم أو بحجم الضمانات التي يعتقدون أنها يجب أن تقدم إليهم.ومن المنظور التركي، تبدو مدينة الموصل، ومحافظة نينوى عامة، ضمانةً لمواجهة الطموحات الكردية.ويبدو ان محافظة نينوى، بمساحتها ومواردها وتركيبتها الديموغرافية، تمثل السد الذي يمكن أن يمنع الاتصال الفعال بين كردستان العراق والمواقع الكردية في سوريا، وبالتالي تسمح بأن تبقى المشاريع الاستقلالية الكردية، في سوريا والعراق، على شكل أقاليم جغرافية مطوقة ومعزولة، ما يمنع الأكراد الأتراك من الاستفادة من المتغيرات الجديدة ومن المساعدة التي يمكن أن يحصلوا عليها من أشقائهم في العراق وسوريا.ويدرك الأكراد العراقيون هذه المسألة بالطبع، ولذلك فإنهم لا يخفون نياتهم المشاركة في العملية البرية لتحرير الموصل، ولا سيما بعدما توسعت مناطق نفوذهم، في نهاية العام الماضي، لتصل إلى جبل سنجار، في الأجزاء الغربية من محافظة نينوى على الحدود السورية.ومن ناحية أخرى، يمكن أن تكون المشاركة الإيرانية في معركة تحرير تكريت، عاملاً إضافياً يشجع تركيا على المساهمة البرية في معركة الموصل. ولا يخفى أن الوجود العسكري الإيراني الصريح في تكريت هو تعبير صريح عن حجم النفوذ الإيراني في العراق. وإن كانت التحليلات قد تتفاوت بين من يعتبر أن هذا الوجود هو مجرد حالة مؤقتة تهدف إلى استعراض إحدى أوراق القوة الإيرانية خلال المفاوضات النووية أو هو تعبير عن تغيير دائم، وبالتالي هو يشجع تركيا على أن تتقدم هي أيضاً صراحة إلى الساحة العراقية.إعادة ضم تركيا للموصل هو أمر مستبعد بالطبع، ولكن التفاصيل التي تتم مناقشتها حالياً، والاشتراطات الأميركية بأن يكون لـ «العرب السنة» دور أساسي في عملية تحرير الموصل، والقول إن مشاركة «العرب السنة» مشروطة بالتعهد بعدم انتشار الجيش العراقي في المدينة بعد نجاح التحرير، تشير إلى أن تحرير الموصل سيكرس، في الحد الأدنى، أدواراً ومحاصصاتٍ طائفية وإقليمية جديدة.ولا يخفى هنا أن أسامة النجيفي، نائب الرئيس العراقي، وشقيقه أثيل النجيفي، اللذين طالما طالبا بإقليم «عراقي سني»، هم من أبرز أصدقاء تركيا في العراق. وفي مطلع الشهر الحالي كان أسامة النجيفي قد زار أنقرة وأجرى محادثات مع القادة الأتراك، وذلك بعدما نفذت القوات التركية «عملية نقل رفات سليمان شاه»، التي أشار بعض المحللين إلى أنها قد تكون مجرد «بروفة» للمشاركة العسكرية التركية المقبلة في معركة الموصل.وهنا قد يلتقي مشروع «الإقليم السني» مع حاجة تركيا الى إبقاء الموصل خارج مناطق السيطرة الكردية.مهما تعددت التحليلات حول مصير الموصل، ومحافظة نينوى، بعد التحرير، إن حصل بالطبع، يبقى الأكيد هو أن احتلال تنظيم «داعش» للمدينة العراقية الشمالية، في العام الماضي، قد يكون ساهم في تغيير خريطة العراق إلى غير رجعة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.