من الماضي القريب.. حل وزارة صالح جبر وهروبه الى الأردن

kj;ioi

اصدر رئيس الوزراء صالح جبر، بيانا اخر أذيع عدة مرات ، دعا فيه الشعب الى الإخلاد للسكينة والابتعاد عن كل ما من شأنه الإخلال بالأمن وعدم مخالفة القوانين، وضرورة احترامها. ملمحا الى استخدام القوة بالوسائل المختلفة من اجل استتباب الأمن .لم يتحقق لصالح جبر، ماكان يصبو إليه وقد بلغت الوثبة ذروتها، وطالب الرأي العام والمتظاهرون من البلاط الملكي ، استقالته ومحاكمته . وقد عدّ يوم السابع والعشرين من كانون الثاني، يوم الوثبة الوطنية الخالدة.لقد كان اعتقاد صالح جبر في السيطرة على الموقف في غير محله ، فقد انتهى كل شيء عمليا، ويذكر رئيس الديوان الملكي احمد مختار بابان “أن الأمير عبد الإله قد تخاذل في اللحظات الأخيرة او ربما ضعف بتأثير والدته وإخوانه وبقية أفراد العائلة المالكة الذين كانوا مرتبكين جدا بسبب الأحداث التي تناقلتها الألسن مع قدر من المبالغات في مثل هذه الحالات “.

ويروي أيضا أنه اتصل هاتفيا بصالح جبر بطلب من الأمير عبد الإله الذي امر أن يحضر صالح جبر الى قصر الرحاب، وقال لصالح جبر “.. ربما انك تحس بالتعب نوعا ما ، فأذا أمكن ارجو حضورك الى قصر الرحاب ، لم يفاجأ المرحوم صالح جبر بالخبر، وهو فهم مضمون الرسالة حالا فكان رده أذهب الى قصر الرحاب مباشرة .. قدم صالح جبر كتاب استقالته الذي انطوى على نوع من الانتقاد والتأنيب الرصين. في الحقيقة في العراق الملكي، كانت آداب التعامل السياسي راقية بكل معنى الكلمة وكانت لغة المخاطبة رفيعة ..” ويضيف بابان أن الأمير عبد الإله تلقى الاستقالة من صالح جبر بطريقة حنونة للغاية، حتى أنه احتضنه بحرارة وقبله، ونظرت في هذه اللحظة الى عيون الأمير فوجدتها مغرورقة بالدموع. وكان رد المرحوم صالح جبر بالمستوى نفسه ، فقد أكد للأمير استعداده الدائم لأن يتصرف حسب أوامر العرش وبهذا اسدل الستار على وزارة صالح جبر ومدة حكمه الحافلة بالأحداث ” .
ويصف احمد مختار بابان الوضع بقوله “لم يفهم الجميع هذه الأمور ، كما يجب ، ولم يقدروها بصورة واقعية، والشعب العراقي عاطفي بطبيعته، فهياجه سريع وحبه سريع وبغضه سريع. فخلال دقائق معدودات بدأ الجميع يهتفون بحياة الأمير عبد الإله عندما أعلن عن إلغاء معاهدة بورتسموث في عهد وزارة السيد محمد الصدر ..” ومع اعتقادي بأنه ليس من مصلحة أية دولة أن تسير بعقلية غوغائية وبتأثير الشارع ولكن كان يجب (مماشاة) شعور الناس على قدر الإمكان، فيجب دائما أن يحسب حسابا دقيقا للرأي العام وعدم المساس بشعوره وتقرير مبادئه” . وقد اضطر الوصي عبد الاله الى اصدار ارادة ملكية بحل الوزارة في التاسع والعشرين من كانون الثاني 1948 .
بعد تقديم الاستقالة سافر صالح جبر الى الهاشمية ، حيث يقيم أصهاره من آل الجريان ، ثم الى الأردن فإنكلترا . تعددت الروايات حول هروب صالح جبر، فتجد أحدهم يقول “هرب صالح جبر الى ناحية الشامية بلواء الديوانية ليتخلص من بطش الشعب ومن ثم سافر الى الأردن فإنكلترا بعد أن شكره عبد الإله على كتاب الاستقالة ” ، بينما يذكر اخر “إن هروب صالح جبر ولجوءه الى أصهاره من آل جريان في الهاشمية على شاطئ نهر الفرات في الحلة، اثر الاصطدامات الدامية”، وفي هذا الصدد يقول جيرالد دي غوري، هرب صالح جبر ناجياً بنفسه والتجأ إلى داره الاولى في ادنى منطقة الفرات في الوقت الذي كانت تسير مئات الآهلين وراء جنائز الشهداء.
كان من الطبيعي والحالة هذه أن تفشل المعاهدة، التي حكم عليها الرأي العام العراقي ، منذ البداية، كونها أدت الى تشديد تبعية العراق الى بريطانيا، وإنها أسوأ من سابقتها .ومن اجل تكوين تصور واضح بشأن المعاهدة التي أسقطها الشعب والذي دافع عنها صالح جبر كونه المفاوض الأول، نشير الى ان معاهدة 1948، ألغت مبدأ مشاورة بريطانيا المقامة في جميع شؤون البلاد السياسية والخارجية ، الذي نصت عليه معاهدة 1930، والذي يعد مساسا بسيادة البلاد ، كما أنها ألغت الشرط الخامس بحفظ وحماية مواصلات بريطانيا الأساسية بصورة دائمة، واعادت معاهدة 1948، القاعدتين الجويتين الى العراق باستثناء حالة الحرب وحالات معينة يحددها ملك العراق، فضلا عن حق بريطانيا بإقامة قواعد في الأراضي العراقية، كما نص على استمرار حفظ وصيانة مواصلات بريطانيا الأساسية. وجعلت المعاهدة الجديدة ذلك اختيارا وليس إلزاميا. والغت معاهدة 1948، البند الذي ينص على استخدام الرعايا البريطانيين في الوظائف التي تحتاج الى موظفين اجانب، واصبح للعراق حق اختيار موظفين من أية دولة أخرى وكذلك ألغت المعاهدة البعثة الاستشارية العسكرية البريطانية التي فرضتها معاهدة 1930، وتحملت بريطانيا إدامة القاعدتين وتزويدهما بالفنيين والتجهيزات، وتسلم العراق من دون تعويض الكثير من المؤسسات مثل المستشفى البريطاني والهندي وبعض الأجهزة الكهربائية وأجهزة المياه والهاتف. وان صالح جبر في إطار دفاعه عن المعاهدة، أشار الى ان اتفاق فندق كلارج ، فذكر أن الوفد العراقي اتفق مع الجانب البريطاني على تزويد الشرطة العراقية بخمسين ألف بندقية لتوزيعها بين الثوار الفلسطينين واحلال القوات العراقية محل القوات البريطانية بعد انسحابها من فلسطين، ولكن الأيدي الصهيونية حالت دون تصديق المعاهدة التي كانت ستؤثر في قيام الدولة الصهيونية ، “وهذا ما أشار اليه أيضا فاضل الجمالي الذي ذكر بأنه أعرب لبيفن عن قلقه من مشروع تقسيم فلسطين ..” وتجدر الإشارة الى أن الجمالي أكد أن اجتماع فندق كلارج لايمكن أن يعطي صفة رسمية. وهو الاجتماع الذي اقترح فيه الوفد العراقي انسحاب القوات البريطانية من فلسطين قبل الخامس عشر من مايس 1948، واحلال قوات عراقية محلها. وتزويد الشرطة العراقية بخمسين ألف بندقية لتوزيعها على الثوار الفلسطينيين . حسب رأي احمد مختار بابان ” كانت المعاهدة تمثل خطوة الى الأمام قياسا بالمعاهدات السابقة إلا أن الشعب العراقي رفضها، مع ذلك ولا استبعد قيام أوساط مغرضة بتحريض الشعب ضد المعاهدة واستغلالها عواطفه الجياشة بإطلاق إشاعات لم يكن لها نصيب من الصحة. ويذكر عبد الرزاق الحسني أيضا “ومما لاشك فيه ان عناصر يهودية لعبت دورا هاما في تطوير احداث الوثبة وتوسيعها ، ثم توجيهها لخدمة الصهيونية العالمية دون أن تدرك القوى الوطنية ذلك ، فقد استطاعت هذه العناصر أن تصرف الشعب عن مأساة فلسطين وما كان يخطط في لندن وواشنطن.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.