تظاهرات جسر الشهداء عام 1948 أسقطت الحكومة

uyoiuioui

التظاهرات لم تحل دون سفر رئيس الوزراء صالح جبر الى لندن مساء يوم 5 كانون الثاني 1948 بعد ان ترأس الاجتماع المذكور لمجلس الوزراء والذي تقرر فيه تعطيل الدراسة. كما صدرت الأوامر بتوقيف عدد من المتظاهرين، وغلق الاقسام الداخلية ومطاعمها في وجوه الطلاب الخارجيين، فاطمأن صالح جبر الى هذا الاجراء، وسافر والوفد المرافق له الى الحبانية ليستقلوا من هناك الطائرة الى لندن.
وفي اليوم التالي شنت الصحف العراقية الحزبية خاصة ، حملاتها على حكومة صالح جبر ومشروعاته، في الوقت الذي اعلنت الكليات والمدارس العليا اضرابها عن الدوام، تضامناً مع كلية الحقوق واحتجاجاً على غلق هذه الكلية.
الواقع ان الاحزاب السياسية وصحفها، كانت قد انتقدت المعاهدة واعترضت عقدها، واجمعت على عدم صلاحها على اساس انها ارهاصات بالتكتلات الحديثة في الشرق العربي، فقد اعتمد حزب الاستقلال في رفضه المعاهدة على الاشاعات والأقاويل، وليس على دراستها والاطلاع عليها، فقد جاء في المذكرة التي رفعها رئيس حزب الاستقلال الى صالح جبر رئيس الوزراء جاء فيها (كثرت حول غاياته واهدافه السياسية والعسكرية ،الاشاعات والاقاويل فلم يشأ حزبنا مناقشته والتعليق عليه، قبل ان يبرز الى عالم الوجود ونطلع على تفاصيله ومحتوياته) نائب رئيس الوزراء اصدر من جانبه بيانا يوم 5 /1/1948 جاء فيه (فهم من التقارير الرسمية المقدمة من السلطات المختصة، ان بعض طلاب كلية الحقوق قرروا بتاريخ 4/1/1948 القيام بتظاهرة صباح يوم 5/1، وقد وفد طلاب بعض المدارس الثانوية على الكلية بدون كتب فخرجوا من الكلية متظاهرين ــ بدون اجازة ــ يهتفون بسقوط المعاهدة وبحياة فلسطين واحدثوا شغبا، وعندما حاولت الشرطة حفظ النظام وتفريقهم، بادروا بالحجارة، ثم أخذ البعض منهم يطلقون العيارات النارية على قوات الشرطة، مما ادى الى جرح 42 شرطيا بضمنهم معاون شرطة ومفوض، الامر الذي لم يدع مجالا للشك، من ان بعض المتظاهرين من الطلاب، كانوا يحملون السلاح، عندما عزموا على اقامة هذه التظاهرة، وبعد ان استمر الطلاب على الشغب ورمي الحجارة على قوات الأمن، تحصنوا في الكلية فطوقتهم الشرطة ،الى ان هدأ الحال فسمحت لهم بالتفرق، مع العلم بانه كان يوجد بين المتظاهرين اشخاص من حملة المبادئ الهدامة.
واضاف البيان (ان الحكومة قد اعادت الامن الى نصابه فورا، وقد اصدرت اوامرها بوجوب اجراء التحقيق عن السبب لهذه التظاهرة والبادىء بالتجاوز والشغب) ، وجاء في البيان (ويظهر من هتافات المتظاهرين ،ان سبب هذه التظاهرة يرجع الى عاملين. الاول تعديل المعاهدة والثاني قضية فلسطين. في حين ان المفاوض العراقي الذي ذهب لتعديل المعاهدة لم يبدأ بعد بمفاوضاته، ولم يظهر منه اي اتجاه حتى ولا اي تصريح بما يخالف الآمال الوطنية، بل ان تصريحات رئيس الوفد امام مجلس الامة كانت كلها تشير الى ان التعديل كان يرتكز على اساس استقلال البلاد وتأمين المصالح الوطنية. اما قضية فلسطين فان موقف الحكومة تجاهها صريح ومعلوم، وان تصريحات فخامة رئيس الحكومة، قد اطلع عليها الرأي العام). وقال البيان (ومن هذا نستنتج ان هذه الحركة، ما هي الا دسيسة مقصودة، من منظمات نعرفها حق المعرفة، احدثت لاشغال الرأي العام لغرض جعله ينظر الى قضية فلسطين بنظر اخر، وان يفت في عضد المفاوض العراقي وعرقلة مساعيه، الذي ذهب بكل حماس واخلاص للقضية الوطنية ولتعديل المعاهدة)0
بعد هذا البيان هدأت الحالة في بغداد وسادت السكينة ارجاء العاصمة، فيما وصل الوفد العراقي المفاوض الى لندن في السادس من كانون الثاني، واجرى عدة لقاءات ومفاوضات انتهت في العاشر من الشهر نفسه، بعد ان وقع رئيسا الوفدين على نص المعاهدة بالحروف الاولى من اسميهما. ثم دعا رئيس الوفد البريطاني اعضاء الوفد العراقي ليكونوا ضيوفا على البحرية البريطانية في بورتسموث حيث يتم التوقيع النهائي على المعاهدة.
وفي صباح يوم 15/1/1948 سافر الوفد العراقي الى بورتسموث وقام بالتوقيع على المعاهدة في بهو بلدية المدينة ، ثم تبادل الخطب وسميت المعاهدة باسم معاهدة بورتسموث. وقد لاحظ صالح جبر، ان المعاهدة مطبوعة وعليها اسم كل من رئيس الوزراء صالح جبر ووزير الخارجية البريطانية ارنست بيفن، فلفت نظر وزير الخارجية البريطانية الى وجوب جعل المعاهدة موقعة من اعضاء الوفدين كافة ، فوافق بيفن وامر باعادة طبعها، على هذا الاساس0
وكان صالح جبر، قد بعث بمسودة المعاهدة قبل توقيعها باللغة الانكليزية الى وكيل رئيس الوزراء ووزير العدل جمال بابان ، يطلب فيها ان لاتنشر في الصحف الا بعد ترجمتها الى العربية، واعادتها للاطلاع على صيغة الترجمة، الا ان بابان نشر المعاهدة يوم 16 قبل ترجمتها،
لاسيما ان الصحف البريطانية كانت قد نشرتها، مما ادى ذلك الى بداية التحرك الجماهيري ،بعد ان توالت احتجاجات الاحزاب العراقية المعارضة، فاصدرت بيانات تندد بالمعاهدة، مما كان لها الاثر الكبير في الهاب حماس العراقيين وغضبهم، فقرر الطلاب اعلان الاضراب عن الدراسة مجددا والقيام بتظاهرات، ايدتها وزارة الداخلية، حيث تركت الطلاب وشأنهم، حيث توجهوا الى مجلس الامة، واحتشدوا هناك، يرددون هتافات، يطالبون فيها بسقوط الحكومة القائمة، اسفر عن وقع اشتباكات بينهم وبين رجال الشرطة، نتج عنه سقوط عدد من الجرحي والقتلى، الذين نقلوا الى معهد الطب العدلي والمستشفى التعليمي بالقرب من كلية الطب، مما اثار طلابها هناك الذين اعلنوا الاضراب عن الدراسة ايضا.
في هذا الوقت، كانت الامور شبه طبيعية ،الا ان المفاجأة غير المتوقعة، جاءت حينما داهمت قوات الشرطة كلية الطب، وفتحت النار على الطلبة المتظاهرين، اسفرت عن سقوط احد الطلاب صريعا برصاص الشرطة، فيما نقل البعض الاخر من الجرحي الى المستشفى، مما خلق هوة سحيقة بين الحكومة والشعب يصعب تلافيها فيما بعد.
وبعد الاحتجاجات الواسعة التي اعلنتها الجمعية الطبية العراقية، فقد اعترف المسؤولون بالخطأ الذي ارتكبته قوات الشرطة، مما حدا بمدير الشرطة العام ان يبعث الي عميد الكلية الطبية برسالة يؤكد فيها ان الاوامر التي تلقاها من وكيل رئيس الوزراء ومن وزير الداخلية بصورة مكررة شفهيا وتحريريا منذ بدء الاضرابات كانت تقضي بصورة جازمة وصريحة بعدم استعمال السلاح مهما كلف الامر. وقال مدير الشرطة العام، انني عممت ذلك الى جميع قوات الشرطة بصورة مكررة. واضاف انه تم تشكيل لجنة للتحقيق في سبب الحادث المؤسف بصورة سريعة ودقيقة. وعبر مدير الشرطة العام عن اعتذاره البالغ واسفه الشديد لما وقع.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.