Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/almuraqebaliraqi/public_html/wp-includes/post-template.php on line 284

هوية العراق

( 2 – 2 )

بالإضافةِ إلى أعوامِها التي كانت حُبلى بالاستبدادِ والامتهان والإذلال، فضلاً عن مآسي الحرب التي نسجت ويلاتها في بيوت المعوزين والفقراء نكبات وأحزانا ليس بمقدورِ الأيام محوها أو التخفيف من آلامِ ذكرياتها. تعد ثمانينيات القرن الماضي بداية سفر اندثار الشجرة المباركة التي قال عنها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ( البيت الذي ليس فيه نخلة أهله جياع )، حيث بدأت أعداد النخيل في العراق بالتناقصِ حتى وصلت حدودا متواضعة لم تتجاوز الـ ( 11 ) مليون نخلة، إذا ما علمنا أنَّ البصرة كانت تحتضن لوحدها ( 13 ) مليون نخلة إبـّـان خمسينياتِ القرن الماضي!!.

تعود أسباب انهيار ثروة النخيل في بلادِنا التي تعد خسارة فادحة للناتجِ المحلي الإجمالي إلى عواملٍ متشابكة في مقدمتِها سلبية آثار الحروب التي تواصلت لأكثر من عقدينِ من الزمانِ، فضلاً عن خطورةِ الآثار الناجمة عن حشرتي الحميرة والدوباس وغيرهِما من الآفاتِ الزراعية التي كان من نتائجِها على سبيل المثال لا الحصر تدمير ( 40 % ) من مجموع نخيل محافظة ديالى لوحدِها!!. ومن عواملِ تدمير ثروة النخيل الأخرى عشوائيةِ البرامج الإسكانية والعمرانية التي تمثلت بالزحفِ العمراني على بساتينِ النخيل المتمثل بإقامةِ مشروعات عمرانية وإنشاء أحياء سكنية جديدة، فرضت على الإداراتِ إلزام الدوائر البلدية تجريف مساحات واسعة من البساتينِ بقصدِ شقِ الطرق والشوارع بمساراتٍ في داخلِها. ويضاف إلى ذلك عامل الجفاف الناجم عن سوءِ توزيع الحصص المائية، إضافة إلى غيابِ السعي لتبني مهمة توفير مياه الإرواء الذي تسبب بجفافِ المزروعات والأشجار والأدغال، ما أفضى إلى المساهمةِ بسرعةِ انتشار النيران في بساتين النخيل التي تعرضت عشرات منها، ولاسِيَّمَا بساتين قضاء بدرة إلى حرائقَ ليلية استهدفت الأصناف النادرة من هذه الشجرة في ظروفِ غامضة لم تتمكن السلطات الحكومية من معرفةِ أسبابها أو مقاصد الجهات القائمة بها على الرغمِ من تشكيلِ الحكومة المحلية في قضاءِ بدرة غرفة عمليات لمتابعةِ هذه الحالة، ما أفضى إلى إتلافِ أعداد كبيرة من نخيلِ البلاد جراء هذه الجريمة المنظمة، فضلاً عما تكتنزنه هذه البساتين من أشجارِ الفاكهة التي دُمرت بفعلِ جسامة هذه الكارثة الاقتصادية التي تحمل قضاء بدرة بمفردهِ أعباء حرق ( 106 ) بساتين من مجموعِ ما يقرب من ألفِ بستان تشتهر بأجودِ أصناف التمور والفواكه لتي أدت إلى خسائرَ مالية طائلة، فضلاً عن الضررِ الجسيم الذي أصابَ المشيدات والأبنية.

وإلى جانبِ هذه المشكلاتِ التي أثرت سلباً على واقعِ النخيل في بلادِنا، فإنَّ المعوقَ الآخر الذي يعترض مهمة تطوير صناعة إنتاج التمور وتسويقها، يتجسد بتردي الوضع الأمني المتأتي من العملياتِ الإرهابية التي أعاقت مجمل النشاط الاقتصادي، إضافة إلى ارتفاع تكليف العمل قبالة انخفاض أسعار التمور التي من جملتِها عرض الطن الواحد من تمرِ ( الزهدي ) في الأسواقِ الخارجية بمبلغِ مئة دولار بحسبِ أحد التجار، ما أدى إلى المساهمةِ بالعزوفِ عن الاستثمارِ بهذا القطاع الذي كان فيما مضى ثاني أكبر مورد بعد النفطِ في تكوينِ الدخل.

إنَّ الإهمالِ الحكومي لثروةِ نخيل بلادنا التي تشكل محافظات البصرة، ديالى، بغداد، بابل وكربلاء أعلى نسبة لتواجدِها، بات يهدد على وفقِ معطيات الواقع الحالي ما مجموعه ( 450 ) صنفاً من أنواعِ التمور العراقية بالانقراضِ بالاستنادِ إلى تحذيراتِ المتخصصين والباحثين في الشأنِ الزراعي، ما يحتم على القياداتِ الإدارية العمل على تداركِ هذه الأزمةِ عبر تحليل مسبباتها الرئيسة سعياً في الوصولِ إلى حلولٍ بوسعِ آلياتها إيقاف هذا التدهورِ تمهيداً لإثارةِ محركات تفعيل عالم النخلة وتطوير فضاءاته، بوصفِه جزءا مهما من الثروة الوطنية التي تنبغي المحافظة عليها، إذا ما علمنا أنَّ العراق يحتاج إلى عشرِ سنوات للعودةِ إلى سابقِ عهده في مجالِ إنتاج التمور، وتسويقها في ظلِ عدم الاهتمام بهذا القطاعِ الحيوي الذي تجسد بإغفالِ الحكومة تخصيص مبالغ مالية لتأهيلهِ في المشروعاتِ المخصصة لإعادة أعمار العراق.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العكيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.