هل ينتشل «الحلف السني» ؟! ..كل بلد يخرج عن سيطرة السعودية يجب دفعه إلى حرب أهلية طاحنة

نمكههخ

المراقب العراقي – متابعات

لا تسعف البيانات النارية لمجلس التعاون الخليجي، السعودية، ولا تعيد شيئاً من هيبتها أمام تسارع التطورات من حولها، خصوصاً في اليمن، بعد سوريا. اليمن السعيد تحوّل باباً يُدخل القلق الى قصور رجال الحكم الجديد في المملكة التي تعتنق الوهّابية مذهباً عقائدياً. الخيارات شبه معدومة أمام الملك سلمان وفريق عمله. إشراك الآخرين في تحمّل تبعات سياسات سلفه الراحل عبدالله، خطة مقبولة. الحديث يدور هنا حول حلف يجمع الدول السُنيّة في المنطقة الى جانب السعودية ودول الخليج العربية التي “تمون عليها”.

الكلام عن قلق سعودي استراتيجي تزايد بعد انقلاب الأوضاع في اليمن، وتحوّل السيطرة في الحديقة الخلفية للمملكة الى “أنصار الله” وحلفائهم. لم تفلح الرياض وأتباعها اليمنيون في فرملة الاندفاعة الحوثية. حتى ورقة عبد ربه منصور هادي، باتت محروقة. جرى تهريب الرئيس المستقيل متنكراً بزيّ امرأة، وسط مجموعة من النساء المنقّبات، بغطاء من المبعوث الدولي جمال بن عمر. فالسعودية راهنت على تكوين سلطة حليفة لها في عدن بقيادة هادي.

اليمن .. فشل سعودي آخر

جهود إنشاء سلطة في عدن وتحويلها الى عاصمة بديلة لليمن، ترافقت مع محاولات إغراء قادة جنوب اليمن، علي ناصر محمد، وعلي سالم البيض، لإعلان “دولة الجنوب” والانفصال عن اليمن. أرادت السعودية بذلك الضغط على الحوثيين، وتحميلهم مسؤولية تفتيت البلاد. لم تتجاوب العشائر الجنوبية، وكذلك فعل محمد والبيض، مع المحاولات السعودية التي قادها عبد ربه منصور هادي. أساساً، يُدرك الحوثيون أن الرهان السعودي على هادي كالرهان على “جمل” خاسر، وخيار السلطة البديلة في عدن غير قابل للحياة. الرهان الأساس يبقى على الجيش اليمني، لا على مناورات هادي التي يتمثل سقفها في الحصول على أوراق قوة تستخدمها السعودية في أية عملية تفاوضية لاحقاً.

السعودية .. فشل وقلق ومذهبية

لم يكن ينقص المشهد من زاويته السعودية، سوى مناورات عسكرية مناوئة على حدود المملكة. في التوقيت، اختار الحوثيون صباح اليوم الذي كان وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي يجتمعون في العاصمة السعودية الرياض، ونفّذوا مناورات عسكرية استخدموا فيها جميع أنواع الأسلحة. المناورة العسكرية الحوثية الأولى من نوعها جرت في منطقة البقع بصعدة شمال اليمن قرب الحدود السعودية، وشاركت فيها قيادات من الجيش اليمني. وضعت القيادة الحوثية تلك المناورات في خانة “الرسالة الواضحة بأن اللجان الشعبية لن تسمح بنجاح أية مؤامرات تهدّد مصلحة البلاد وتحاول جرّها إلى مربع العنف”. رَدّْ مجلس التعاون الخليجي على المناورات، جاء على شاكلة القلق السعودي العام. كلاسيكياً، طمأن المجلس الى قدرته على مواجهة التحديات. عملياً، دعا المجلس حركة “أنصار الله” الحوثية الى المشاركة في مؤتمر الحوار اليمني في الرياض. رَفْض الحوثيون دعوة الرياض، وَضَعَ القيادة السعودية أمام مأزق جديد، وفوّت عليها فرصة محاولة “تطويع” الحركة الثائرة وامتصاص قوتها. قرأ الحوثيون اغتيال ممثلهم في مؤتمر الحوار عبد الكريم الخيواني، على أنه ردّ ورسالة من الجيران.

السعودية .. قلق وخيارات على ورق

لا ترسل السعودية إشارات اعتراض وقلق الى الداخل اليمني وحسب. بل يفكر رجالات العهد الجديد في مملكة آل سعود بما يعتقدون أنه سيُعيد سيطرتهم على المنطقة ويثبتها لمدة طويلة. يُزعجهم “تعنّت” الحوثيين وتمسكهم بحقوقهم. القوة العسكرية ضد الحوثيين خيار ضروري بالنسبة للسعوديين، لكنه ملكف. التجارب السابقة تؤكد أن تكاليفه باهظة سياسياً وعسكرياً ومعنوياً، خصوصاً في هذه المرحلة. يُمكن للسعوديين تعديل الأفكار بما يناسب وضعهم وحجم الخطر الذي يستشعرونه. الانفتاح السعودي على مصر كان ضمن أدوات تعديل مفهوم الخيار العسكري ضد الحوثيين. أنتج هذا الانفتاح حديثاً عن قوات ردع عربية بقيادة مصرية تدخل الى اليمن لإعادة الشرعية الى عبد ربه منصور هادي. حُدّدت مهمة هذه القوات بادئ الأمر في مناطق التوترات المنتشرة في غير بلد عربي. لكن نتيجة للخلاف على قيادة هذه القوة، وعدم رغبة السعوديين في تولي مصر قيادتها، انتهت الفكرة أدراج أحد القصور السعودية. وضْع الجيش المصري ومدى استعداده لخوض مثل هذه التجربة، فيما تعاني مصر من إرهاب في قلبها وعلى حدودها، لم يمثّل أي رادع لدى دراسة الخطة. أكثر ما دَفَعَ الى غض الطرف عنها هو مسألة قيادة قوة عربية كبيرة تضم في صفوفها وحدات من جيوش مصر والأردن والسعودية ودول خليجية أخرى. اليوم، وفيما يجري الحقن المذهبي على قدم وساق عبر الإعلام العربي، وتوظّف العصبيات المذهبية والطائفية في أزمات سوريا والعراق واليمن، ولبنان بمستوى أخف، يدرس السعوديون والحلفاء توسيع فكرة قوات الردع العربية. الحديث هنا يدور عن “حلف سُنّي” يشمل الى السعودية دولا خليجية أخرى على رأسها الإمارات، ومصر والأردن، تركيا وباكستان. تأمين اليمن وإعادته الى الحظيرة السعودية، أولى مهمات هذا الحلف، وحسب سير الأمور يمكن لكرته أن تتدحرج لتشمل العراق وسوريا. لا تسير الأمور بسلاسة على خط تشكيل الحلف. الملك الأردني صاحب نظرية “الهلال الشيعي” من أبرز المتحمّسين للفكرة، ويبذل جهوداَ حثيثة لتحقيقها. لكن السعودية الضائعة في الهلال اليمني ـ العراقي ـ السوري، والواقعة تحت هاجس إنجاز الاتفاق النووي الأميركي ـ الإيراني، لا تملك رؤية واضحة عمّا يمكن أن تكون عليه مهمة هذا الحلف ومبرر وجوده، فضلاً على أنها غير مؤهّلة لقيادتها. القيادة هنا تستوجب مستلزمات مالية وسياسية وأمنية واقتصادية هائلة تفوق قدرة السعودية وحدها. بالمناسبة، فتحَ الحوثيون الخط الاقتصادي على مصراعيه بين اليمن وإيران. الأمر يشكل ضغطاً إضافياً على السعودية. يُكثر السعوديون من التفكير بالخطط وبدائلها، فيما المتغيّرات على الساحة الدولية والإقليمية تتحرّك بسرعة أكبر من حركة تفكيرهم.

اليمنيون وتحديات الحرب الأهلية

بالإستناد الى سياق سياسات واشنطن وحلفائها في المنطقة، يمكن القول إن ما يشهده اليمن لا يمكن إلا أن يكون متوقّعاً. كلّ بلد يخرج عن سيطرة السعودية يجب دفعه الى حرب أهلية طاحنة كثمنٍ لتمرده على الوصاية السعودية أو رفضها. بدايةً، يجري تأطير الصراع إما كخروج على حكومة شرعية (فلسطين – لبنان – اليمن) وإما كثورة مهمّشين (سوريا – العراق)، كل حكومة موالية للسعودية هي حكومة شرعية، وكل خروج على حكومة مخالفة للسعودية هي ثورة مهمّشين. ثانياً، يجري حشد التأييد الدولي حول هذه السردية، لإصباغها بشرعية متعالية، فتظهر المملكة كظهير للحريات وخيارات الشعوب. ثالثاً، وضع الصراع ضمن إطار مذهبي بالكامل، تنعدم كل العوامل الداخلية وتعقيداتها ويصبح المشهد شديد البساطة: “مؤامرة شيعية فارسية على أهل السنة”، ثم تتفرغ الإمبراطورية الإعلامية لترسيخ هذه السردية، تلاعب بالمفردات، إنتقاء الأحداث، تكثيف الشبهات، تمرير الأكاذيب، إثارة الغرائز، تكرار الصور العاطفية، وفجأة يخرج الإنتحاريون. كل خروج على عصا الطاعة السعودية هو “إحتلال إيراني”، وكل رضوخ للأجندة للسعودية هو مدخل الى “جنة عدن”. كان اليمن سعيداً، إستقلال ورفاه وحريات وديمقراطية ودور ومواطنة الى أن دخل “الحوثيون” على المشهد، فخرج اليمنيون من “جنة عدن” الى “الإحتلال الإيراني”، بهذه السذاجة يجب أن ترتوي عقولنا. ستة حروب وعشرات العمليات الإنتحارية لم تزد “الحوثيين” إلا قوة وإصراراً، برغم ذلك بقي جلّ طموحهم المشاركة في إدارة بلادهم، دعوا لتطبيق إتفاق السلم والشراكة، نسجوا التحالفات تظاهروا فتعرضوا للقمع، إنتفضوا ودعوا للحوار، أصبحوا شركاء، غضبت السعودية، أصبحوا إنقلابيين، ثم “روافض مجوس”، فرّ الرئيس المستقيل مقدماً فروض الطاعة للرياض، عاد شرعياً، ثم ممثل “أهل السنة” بوجه “الغزو الفارسي”، وبدأت ترتسم معالم التفسخ القبلي – المذهبي – المناطقي.

منذ وصول “الحوثيين” وحلفائهم للعاصمة وفرار حلفاء الرياض بدأ الإعداد للمرحلة الحالية: ضخّ المال لتجميع المتضررين، خليط من القاعدة وحزب الإصلاح والنظام القائم، حين إكتمل الجمع.. بدأت الحملة الإعلامية، المعزوفة المذهبية المعتادة. يختار حلفاء السعودية الرواية الأكثر جبناً وأقل وطأةً على إعمال العقل بدل السعي للغوص في جذور الأزمة وبناء مسار لحلّ يحفظ أوطانهم وأنفسهم ويفتح لهم المستقبل. أليس الأولى البحث في نظام يضمن مشاركة الجميع في اليمن بعيداً عن تعليمات “المفوض السامي” الأممي، نظام يبحث عن المصالح المشتركة من الإقتصاد الى الأمن الى العلاقات الخارجية. على الأرجح أن أغلب اليمنيين لا يدركون الفارق بين السنة والشيعة، ولا بين الزيدي والشافعي، إلا أن الحملة السعودية الحالية في اليمن ستجعل شرائح من بسطاء اليمن يخضعون لهذه الثنائيات ويرسمون العالم من خلالها. في المقابل، يقف تحالف “الحوثيين” أمام تحدي بناء شراكات وتحالفات مستندة على البحث في مصالح مشتركة ورؤية لمستقبل اليمن. كما يواجههم تحدي الإنضباط أمام حجم الهمجية التي تطولهم كما في هجمات الجمعة الإنتحارية. ثالثاً، لا بدّ من موقف متوازن ومنفتح على القوى الخارجية التي يمكن العمل معها لتأمين مصالح اليمنيين، وهو ما بدأ بالفعل. لا مانع من أن تكون السعودية إحدى هذه الدول بطبيعة الحال، ولكن ذلك يقتضي بداية أن تراجع الرياض موقفها مما يجري في اليمن. رابعاً، يجب فتح قناة إتصال مع الحكومة المصرية لتبديد أي شكوك حول سلامة الملاحة في باب المندب. المقلق أن السعودية تتعامل بشكل هيستيري مع إحتمال التسوية الدولية بخصوص النووي الإيراني، وهذا ما قد يدفعها لمزيد من التشدد والعدائية في الملف اليمني وسواه. هي اعتادت التعامل بإستخفاف وفوقية مع اليمنيين، متسلحة بمواردها النفطية، ولذا يستفزها لهذا الحد هذا الإقتدار والإباء الذي يقدمه “الحوثيون” وشركاؤهم برغم ضآلة مواردهم. إشكالية السعودية ومن معها هي البطء في التكيّف.. يبددون الكثير من الوقت قبل التفاعل مع التحولات، ولذا مثلاً تراهم يكملون نحو الحائط حتى عندما ينعطف الأميركي أمامهم. تتغيّر المنطقة بأسرع مما يحتمل حلفاء واشنطن، المؤسف أن مغامرات الوقت الضائع هذه، لا يدفع ثمنها بالإجمال إلا البسطاء من عامة شعوبنا.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.