الإسلام بين دعوى الفردية وضرورة تغليب الجماعة

عههخعه

إن الإسلام لم یأتِ لهدمِ الإنسانیة،إنما جاء بهدف هدم الحواجز التي یمكن أن تفصل الإنسان عن أخیه في الإنسانیة، أو أخیه في الإیمان، مثل العصبیات بسائر أقسامها وأسمائها، والكبر والغرور والحقد والحسد وسوء الظن..هذه القائمة الطویلة السوداء من الصفات السیئة التي جاء الإسلام للقضاء علیها واجتثاثها من جذورها.

يقول الرسول (صلى الله علیه وآله وسلم):”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. نعم كانت هنالك أخلاق بعث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليتممها ولكن المجتمع كان غارقاً في وحول الجاهلية.

فالمجتمع الذي لا أخلاق له، والذي یفصل بین أبنائه الحسد والبغضاء والكبر، ولا یثق المرء فيه بأخیه، والذي لا یقوم على قاعدة الحب والإخلاص والصفاء، هذا المجتمع لا یمكن أن یرتقي أو یبني حضارة، إن مجتمع التقاطع والحقد والحسد والبغضاء لیس مجتمعاً إسلامیاً وإن سُمّی مادياً.

إذن فالإسلام یدعو إلى مجتمع المحبة والتواصل والتعاون والإخاء والتكافل مجتمع لیس فیه الحواجز النفسیة والاجتماعیة بین أبنائه، متشابك داخلیاً، وآنئذ یستطیع هذا المجتمع أن یكون مصداقاً لقوله تعالى:”وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِیعًا” سورة آل عمران، الآیة: 103.وأن یكون:”وَجَعَلْنَاكمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكمْ” سورة الحجرات، الآیة: 13.

وأن یكون:”مثل المؤمنین في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إن اشتكى منه عضو تداعت سائر الأعضاء بالسهر والحمى”.

فإذا ما تكاتف المجتمع داخلیاً،وأمِن من داخله،فحینئذ من السهولة أن ینتصر على أعدائه،أما إذا كان المجتمع مقاطعاً بعضه بعضاً، فحینئذ على هذا المجتمع السلام، ولن یستطیع أن ینتصر على أعدائه.

والتاریخ، والإسلامي منه بالخصوص، یؤكد لنا هذه الحقیقة، أن المسلمین تراجعوا حینما تقاطعوا، وإذا أرادوا الرجوع إلى میدان قیادة الأمم فما علیهم إلا أن یتواصلوا ویتكاتفوا.

وهذا التواصل ینبغي أن یبدأ في الأسرة والعائلة، أي بین الأرحام، لیكون البیت الداخلي آمناً، ومن ثمّ‏َ ینجرّالكلام إلى الوحدة والتواصل الاجتماعي الإسلامي بشكل عام والإنساني بشكل أعم.

عبادات تواصلیة

حتى العبادات الإسلامیة التي ظاهرها الفردیة، فإنّها تضمنت معاني اجتماعیة، خذ مثالاً الصلاة: فعندما یصلي الإنسان المسلم بمفرده، هل یعني ذلك أن هذه الصلاة هي صلاة فردیة؟ لا، لأن الصلاة وإن كانت إقامتها بصورة فردیة أحیاناً، إلا إن مضمونها اجتماعي.

خذ مثلاً: عندما یقرأ المصلي سورة الفاتحة، فإنه یصل إلى آیات:”مَلِك یَوْمِ الدِّینِ ، إِیَّاك نَعْبُدُ وإِیَّاك نَسْتَعِینُ”.

فهنا نجد أن الصیغة صیغة الجماعة، نعبد نستعین إهدنا، ولیست هي صیغة المفرد، أعبد أستعین إهدني.

فضلاً عن أن الإسلام حثّ على إقامة الصلاة جماعة وفي المسجد، وهذا یشیر إلى أهمیّة التحرك والنشاط الاجتماعي التواصلي في الإسلام الحكیم.

وهكذا عبادة الحج، فإن الحج صورته صورة جماعیة، فمنذ انطلاق الإنسان من بلده إلى عودته من الحج ترافقه المعاني الاجتماعیة، والإشارات التواصلیة.

وهكذا الصوم والزكاة، ترى فیهما المعاني الاجتماعیة التواصلیة فإذن الإسلام اجتماعي تواصلي، یدعو إلى المحبّة والتكاتف والتعاون.

ومن الأمور التي أكدها هذا الدین العظیم صلة الرحم، وهذا ما سنتحدث عنه في العناوین اللاحقة.

الغرب المتقاطع‏

إذا عرفت منهجیة الإسلام في العلاقة مع الآخر، وكونه اجتماعیاً، فعرِّج بنظرك صوب الغرب لترى كیف یعیش الغرب من هذه الناحیة؟.

إن مراجعة دقیقة للمجتمع الغربي یؤكد لك، بما لیس فیه شك، إلى أنه مجتمع فردي وذاتي وأناني الإتجاه، فإنه لا یفهم إلا من خلال مصالحه الضیقة، والفرد فیه مكلّف بتحسین حاله بمفرده، ولیس مسؤولاً عن الآخرین، وبالنتیجة فإن قیمه ومصالحه متعلقة به، ولا یخدم بها بني الإنسان، مهما بعد منه أو قرب، حتى ولو كان ابنه من صلبه أحیاناً، ولا تعدو أن تكون القیم والمصالح آلة اقتصادیة مثلها مثل بقیة الآلات، لا دخل لمعنى الإنسان أو الإنسانیة ومصیره فیها بشيء.

والمؤسف المبكي أن روحیّة الغربیین قد غزتنا، وأصبحت هویّة المسلمین وأصالتهم وروحیتهم الاجتماعیة والتواصلیة في مهب الریاح الغربیة الفاسدة، فالهجوم الثقافي شرس واسع النطاق.

فینبغي على المسلم في هذا الصراع إثبات الذات وصون الهویة الثقافیة والتمسك بمبادئ الإسلام الأصیلة.

وإذا أردت معرفة حقیقة المجتمع الغربي فما علیك إلا أن ترجع إلى الصحف والمجلات التي تتحدَّث عن تفكك هذا المجتمع،وبالخصوص تفكك عوائله وأسره والموضوع يطول شرحه ولكننا لو نظرنا نظرة متأنية قليلاً لرأينا أن دور العجزة على سبيل المثال قضية متأتية عن الثقافة الغربية والمجتمع الغربي فلم يكن المسلمون وحتى المسيحيون بل وحتى اليهود في المجتمعات الإسلامية لديهم دور عجزة بل كان الابناء يحفظون الآباء ويحفونهم بالرعاية و لا يرمونهم كما يفعل الغربيون في دور عجزة كي يموتوا وحيدين بعيداً عن أولادهم وأحفادهم وهذا ما تسرب لنا اليوم مع شديد الأسف مع الثقافة الغربية التي جاءتنا عن طريق الانفتاح وعصر العولمة.

وقد أجریت دراسة على 7598 جانحاً في الولایات المتحدة الأمريكیة من نزلاء المؤسسات الإصلاحیة سنة 1910، أظهرت أن 50.7% أتوا من أُسر متصدِّعة.

وأن 50.5 من نزلاء المدارس الإصلاحیة في إنكلترا، واسكتلندا أتوا من بیوت متصدعة، وقد أجرى باحث فرنسي عام 1942 في مدینة باریس دراسة على الأحداث الشباب المراهقین المنحرفین، فتبین أن 88% منهم كانت أسرهم متفككة. وهذه الأرقام يجب أن توقفنا فهذا ليس وضع اليوم وإنما المسألة قديمة والأرقام الآن أكثر بكثير مما كانت عليه في السابق.إن المجتمع الغربي مهدّد بالسقوط جرّاء تفشي وتجذّر ظاهرة الفردیة الأنانیة بین كل فئاته.

وفي رأي بعض الباحثین الاجتماعیین، أن المجتمع الأمریكي بالذات، نسيج مفتّت ومن ثم فلیس له أمل یُرجى لمستقبل على الصعيد الإنساني والإجتماعي ـ فالحياة هنالك عالم مادي بكل ما تحمل الكلمة من معنى ـ إلا بتصحیح وترمیم النسیج الاجتماعي ویعترف هؤلاء الباحثون: أن الوضع یحتاج إلى تغییر جذري لقیم الشعب الأمريكي.

العلاقات الإجتماعیة في المجتمع الإسلامي

إن المجتمعات الإسلامیة رغم عدم التزامها بالإسلام التزاماً تاماً، إلا أنه لا تزال الروح الاجتماعیة موجودة فیها.

فحسب دراسات أجریت على المجتمعات العربیة وهي جزء من الأمة الإسلامیة أنه لا تزال في المجتمعات العربیة روح العاطفیة والترابط، وحب المعاشرة، وهي قیم تعكس أهمیّة الجماعة لدى الفرد… ولیس الامتثال لرغبات الأسرة والخوف من كلام الناس، والاهتمام بالمحافظة على السمعة، والمكانة العالیة التي تحتلها المجاملات الاجتماعیة العربیة إلا تأكیداً، لأهمیة الجماعة لدى الفرد.

وقد لاحظ أحد الباحثین أن العرب على خلاف الأوروبیین والأمريكیین، عادة ما یفضلون الوقوف والجلوس على مقربة شدیدة من بعضهم البعض في الأماكن العامة.

أسباب القطیعة

بعد أن قارنّا بین المجتمع الإسلامي وقیمه من حیث الاتجاه الجماعي، وبین المجتمع الغربي من حیث أنانیته، یحسن بنا أن نعرف الأسباب التي تدعو إلى تقاطع الناس وتنافرهم،

وهذه الأسباب تجري على قطع الرحم أیضاً.

1- سیطرة روح المادّیة على المجتمع والأفراد، مما یسبِّب تمحور كل إنسان حول ذاته، بالشكل الذي یؤدي إلى عدم الاهتمام بالآخرین. وهذا ما نراه في المجتمعات الغربیة التي لا تقیس علاقاتها مع الآخرین إلا بالقیاس المادّي، ویختصرون علاقاتهم بقیاس الجیب وما یحویه من المال.

وهذه الروح المادّیة رفضها الإسلام العزیز، داعیاً إلى عدم الاستغراق في حبّ‏ِ الدنیا، وحبّ‏ِ المال، المؤدِّیين إلى كثیر من المساوئ، ومنها قطع الرحم.

إننا نرى كثیراً من الأغنیاء المنكبین على جمع المال، لا یتواصلون مع أقاربهم، وما ذلك إلا لأنّهم فقراء، لا یستفیدون منهم شیئاً، بمقیاس الجیب والمصالح المادّیة.

2- التكبُّر:وهو النظر بتعال الى الناس وعد النفس أفضل منهم الى مرحلة تصل حد احتقارهم.يقول رسول اللَّه (صلى الله علیه وآله):”لا یدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر”.

وإذا كان التكبُّر مذموماً في الإسلام،فإن التكبُّر على ذي الرحم أشدُّ قبحاً،فكم نرى غنیاً،أو ذا جاه،لا یصل رحمه الفقیر أو الذي لا جاه له،ولا یعرف له قرابته ویتكبَّر علیه،أما إذا رأى رحمه الغني الوجیه احترمه،وهذا في الحقیقة لیس صلة للرحم،بل اعتناء بالمال والمصالح الضیقة،لا بشخص الرحم،فهذا احترم المال ولم یحترم قریبه،ألا یعلم هذا المتكبِّر أن اللَّه. “لَا یُحِبُّ كلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ”سورة لقمان،الآیة:18.

3- سوء الظن:وهو مسبِّب للكثیر من العداوات والأحقاد،وكم من أخوین تقاطعا لأنهما أساءا الظن،وكم من عائلات وأسر تفككت بسبب هذه الخصلة المدمِّرة.ولذلك حذّرنا اللَّه من هذه الرذیلة.”یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كثِیراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ”،سورة الحجرات،الآیة:12.

وكثیر من الأحادیث ذكرت حول هذا الموضوع،یقول أبو عبد اللَّه (علیه السلام)،قال:أمیر المؤمنین (علیه السلام):

“ضع أمر أخیك على أحسنه حتى یأتیك ما یغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخیك سوءاً وأنت تجد لها في الخیر محملاً”.

4- الحسد:وهو أیضاً ماح أو حال للدِّین، ومقطِّع أوصال الأحبّة والمؤمنین، ولقد حذّرتنا الشریعة الإسلامیة من هذه الصفة.”أَمْ یَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ”(12)،”وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ”سورة الفلق،الآیة:5.

وقال رسول اللَّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه:”ألا إنه قد دبّ إلیكم داءُ الأمم من قبلكم وهو الحسد لیس بحالق الشعر لكنه حالق الدین”.

ألم یكن الحسد سبباً لقتل قابیل لأخیه هابیل،يقول الإمام الصادق (علیه السلام):”والحسد أصله من عمى القلب..وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد وهلك مهلكاً لا ینجو منه أبداً..”.

والنبي یوسف (علیه السلام):”ألم یحاول إخوته قتله انطلاقاً من صفة الحسد،وقصته معروفة”.

5- الغیبة:وهي أیضاً مسبّبة لتفكك العوائل،في حین أن اللَّه تعالى ینهانا عنها لمصلحتنا.

“… وَلَا یَغْتَب بَّعْضُكم بَعْضًا أَیُحِبُّ أَحَدُكمْ أَن یَأْكلَ لَحْمَ أَخِیهِ مَیْتًا فَكرِهْتُمُوهُ”.سورة الحجرات،الآیة:سورة النساء، الآیة: 54.

6- النمیمة، وفحش الكلام،وعدم وجود الاحترام المتبادل،والعقد النفسیة خجل،حیاء،فضلاً عن الغزو الثقافي الغربي لنا، بحیث نكاد نصیر كالغرب في أخلاقه وقیمه وتوجهاته.

هذه الأسباب وغيرها كانت وراء ما نشاهده اليوم من مشاهد قتل وتكفير أخذ المسلمون يكفرون فيها بعضهم البعض والسبب كل السبب يعود الى الابتعاد عن منهج أهل البيت(عليهم السلام) وعن طريقهم الذي هو طريق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فتقسمت الأمة الى فرق ومذاهب كل لا يقبل بما يؤمن به الآخر وكانت خلاصة المذاهب المخالفة لأهل البيت نهجاً هو المذهب الوهابي الذي لم يأخذ أتباعه من الدين إلا اسمه فأخذوا يعيثون في الأرض فساداً وإفساد وقتلا وتذبيحاً لخلق الله باسم الإسلام والإسلام منهم براء والعلاج لهذه الرذائل لا يكون إلا بالرجوع لمذهب أهل البيت(عليهم السلام).

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.