ذكريات ضابط في الحرب العالمية الجيش العراقي تأسس في سورية والإنكليز يتجسسون عليه

rrrr

:كثيرون هم العراقيون الذين ذهبوا إلى الجبهات الأوربية والروسية، في أثناء الحرب العالمية الأولى، فلم يعودوا إلى وطنهم، لا أحياءً ولا أمواتاً، بل فقدت آثارهم في ثلوج القفقاس، وفي مضايق الدردنيل، وفي البحر الأسود، فلم يصل إلى أهليهم حتى خبر موتهم، حتى بات مصطلح السَّوق إلى (السَّفَر بَر) أي الحرب، كابوساً يؤرق الشبان العراقيين، ويبعث فيهم مشاعر الخوف من المستقبل المجهول. والموت شبه المؤكد.
كم من الذكريات المريرة لهؤلاء الشبان الذين ذهبوا، ضاعت بضياعهم هم، وكم من التفاصيل التاريخية كان يمكن أن تصلنا لو أنهم سجلوا ما رأوا، أو أن أحداً سجل ذكرياتهم عند عودتهم إلى وطنهم. ولذا فقد كانت سعادتنا كبيرة حينما عثرنا في دفتر أسود كبير، كان يحتفظ به الفنان محمد بن المثال المعروف خالد الرحال ، على صفحات كتبت بخط كبير الحرف، لرجل يبدو أنه كان في شيخوخته، كتب بعضها بقلم الحبر، والبعض الآخر بقلم الرصاص.
وتضم هذه الصفحات بعض من ذكريات كتبها الضابط مهدي بن صالح بن سليم الرّحّال، وهو والد الفنان النحات المعروف خالد الرحال، في أثناء أداء واجبه العسكري ضابطاً عراقياً في الجيش العثماني، في أثناء الحرب العالمية الأولى. وتبرز أهمية هذه الصفحات، على قلة ما فيها، شجاعة هذا الضابط العراقي من بين غيره من الضباط الذين ينتمون إلى شعوب أخرى، فهو قد حصل على تكريم من الجيش العثماني، ومن الجيش العراقي، ونشر اسمه في جريدة الحرب العثمانية بوصفه من الضباط الذين تحلَّواً بصفة الشجاعة. كما تبين هذه الصفحات أيضاً سعة جبهات القتال، وتنوعها، التي قدر لهذا الضابط العراقي أن يحارب بها، فهو قد شارك في أول عهده في بعض الحركات العسكرية في منطقة الفرات الأوسط، ثم نقل للالتحاق بالجيش العثماني الرابع، وكان مقره في فلسطين، وهناك شارك في الهجوم على القطعات البريطانية المتمركزة في جبهة قناة السويس، ثم جرى نقله إلى أدرنة، ثم أعيد بعدها إلى غزة، وبعدها نقل إلى أوربا، حيث حارب مع فرقتين عثمانيتين، هما الفرقتان 19 و20، من الجيش العثماني في منطقة جناق قلعة، للدفاع عن كليبولي.
ثم نقل مع الفرقتين إلى مدينة بلغراد، عاصمة صربيا آنذاك، ومنها انتقلت الفرقتان، بالقطار، عبر جبال التيرول، والمجر، حيث شارك في الجبهة الأوربية هناك. وقد عمل مدة من الوقت تحت إمرة ياسين باشا الهاشمي، الذي عاد برفقته إلى استانبول، ثم إلى حلب.
وبعد إعلان الهدنة، انضم إلى جيش الثورة العربية في سوريا، وهو المسمى (الجيش العربي السوري)، وفي دمشق شارك في النشاط السياسي للضباط العراقيين الداعين إلى تحرير العراق، وضمه إلى الدولة العربية الوليدة بقيادة أبناء الشريف حسين،
وقد حضر بعض الاجتماعات التي كان ضباط الجيش يعقدونها في بيت جعفر باشا العسكري، وقد أقام في سوريا، ملتحقاً بالجيش العربي هناك حتى سقوط حكومة الملك فيصل الأول إثر معركة ميسلون سنة 1920. وقام بمهمة سياسية خاصة، حيث كلفته قيادة الجيش بالذهاب إلى بغداد لاستمالة الضباط العراقيين إلى حكومة فيصل, ويظهر أنه أدى المهمة بنجاح، فقد تشكل بعدها نواة ما سمي بالجيش العراقي، وعين هو آمراً للواء المدفعية، فتشكيل هذه النواة، كما تكشف المذكرات، جرى في دمشق، قبل أن يتأسس هذا الجيش رسمياً في بغداد في 6 كانون الثاني سنة 1921.وفضلاً عن ذلك فإن المذكرات تكشف عن وقائع وأسرار لم يكشف عنها النقاب بعد، منها أن اجتماع الضباط العراقيين في دار جعفر العسكري، كان مخترقاً من ضابط بريطاني، يظهر أنه كان من المخابرات البريطانية، كان يأخذ موضعه في إحدى حجرات الدار، كما أن أثنين من حراس جعفر باشا كانا يتجسسان على المؤتمرين..يبدأ الضابط العراقي مذكراته معلناً عن اسمه كاملاً، وولادته بالتاريخ الرومي المتخذ آنذاك في الوثائق الرسمية العثمانية، وموطن أبيه وأمه، فيقول:”إني مهدي بن محمد صالح بن سليم الرحال، قد تولدت في بغداد سنة 1306 رومي، (1891ميلادية) من عائلة عربية الأصل، ومن قرية راوة، عشيرة البو عبيد، وبيت والدتي من عائلة معروف آغا أماً، ومن كوتاهية أباً. وكنت أول ولد من نسل الرحال”.وسليم هذا هو أول من عرف بالرحال، ولا تقدم لنا المذكرات شيئاً عن سبب هذه التسمية، ولكن أسرته تؤكد أن رحالاً هذا كان اسماً لأحد أجداده، وليس لقباً يدل على كثرة الارتحال مثلاً.. ولا نعلم معنى قوله أنه أول من ولد من نسل الرحال، وإلاّ فإن أباه وجده سبقاه في هذا النسل بالطبع.ثم يتطرق إلى دراسته في مدرسة أبي النجيب السهروردي ببغداد، ومنها في المدرسة الرشدية العسكرية، فالإعدادية العسكرية، وكلتاهما في بغداد، ثم سفره إلى استانبول لدراسة الهندسة العسكرية في مدرسة (المهندسخانه) فيقول:
“وقرأت في مدرسة الحاج حسن (مقابل نادي العسكري)، جامع نجم الدين السهروردي”.ولا نعرف مدرسة باسم الحاج حسن هذا، ولكن تحديدها بأنها تقابل النادي العسكري (وهو الذي سمي فيما بعد بنادي الضباط، فنادي الضباط الأعوان، وقد أزيل أخيراً وألحقت أرضه بمؤسسة بيت الحكمة) يوضح أنها كانت مكتباً أو كُتّاباً في الجامع الذي سماه بجامع نجم الدين السهروردي، والصحيح أنه جامع أبي النجيب السهروردي ومدرسته، وكان هذا الجامع، في أصله، المدرسة التي أنشأها الشيخ الصالح أبو النجيب عبد القاهر بن عبد الله السهروردي البكري (المتوفى سنة 563هـ)على شاطئ دجلة، ثم شغل النادي العسكري جزءاً من أرضه الشاطئية، وفَصَل الدرب النافذ من ساحة السراي، والمؤدي إلى مدرسة الصنائع (بيت الحكمة اليوم) بينه وبين هذا النادي.ثم يقول: “وأدخلوني رشدية العسكرية ثم الإعدادية، ثم مدرسة المهندسخانة”.
والرشدية العسكرية، هي المدرسة التي أنشأها مدحت باشا سنة 1288هـ/1871م، وكانت تشغل آنذاك بناية الإعدادية المركزية حالياً، وتلاصق، من جهتها الشرقية مدرسة أبي النجيب المارة الذكر، أما المدرسة الإعدادية، فهي الإعدادية العسكرية، وكانت تشغل المبنى الواقع في جنوب القشلة، والذي شغلته المحاكم المدنية حيناً من الدهر، حتى أخلته، فرممته الهيئة العامة للآثار والتراث في الثمانينات من القرن الماضي. وعلى الرغم من عدم إشارته إلى سفره إلى استانبول، فإن دراسته في (المهندسخانه) تصرح بذلك، فقد كانت هذه المدرسة، وهي بمستوى كلية، تقع في العاصمة العثمانية، دون غيرها من مدن الدولة.وتشير المذكرات إلى أنه تخرج من المهندسخانة سنة 1908، برتبة ملازم ثان، وعين في صنف مدفعية الصحراء، في الأوردو (الفيلق) الثاني ومقره مدينة أدرنة، في القسم الأوربي من الدولة العثمانية.يقول:”وفي 1908 أكملت التدريس، وصرت ملازماً ثانياً في مدفعيي الصحراء (صحرا طوبجي) تحت رقم السجل 324-15 أي 1908، وقد جرى تعييني في فيلق الثاني بأدرنة”.ولكنه لم يلبث أن عاد إلى بغداد، متمتعاً بإجازة نظامية، وهو لا يذكر سبب عودته، والظاهر أنه أراد أن ينقل إلى مدينته بغداد، حيث يكون قريباً من أسرته، فيقول:”وبعده أخذت إجازة لأزور أهلي في بغداد وجئت إلى بغداد، والتحقت في لواء 35 صحراء، في بطارية جبلية سريع آتشلي. وتعينت في بغداد لواء 25 المدفعي، و27 هجرية (1910) ترفعت إلى ملازم أول “.ومن المقرر إدارياً أن النقل من فيلق إلى آخر، لا يكون إلاّ بموافقات أصولية تصدر من القيادة العامة للجيش العثماني، وليس من قيادة الفيلق الذي يريد النقل إليه، فيبدو أنه استحصل على مثل تلك الموافقات بطريقة ما، أما في أثناء وجوده في أدرنه، أو بعد وصوله إلى بغداد. ولنا أن نلاحظ أن نقله هذا جاء في نفس التاريخ الذي تولى فيه محمد شوكت باشا ولاية بغداد في رجب سنة 1327هـ/1909م،وكان هذا قائداً عسكرياً سبق أن تخرج في المهندسخانة ، وكان يشغل منصب (فريق المدفعية للفيلق الثالث)، فليس ببعيد أن يكون سبباً في نقل حسين الرحال، وهو المتخرج في صنفه نفسه، وفي مدرسته نفسها، إلى صنف المدفعية في المدينة التي تولاها.
وكانت أولى الحركات العسكرية التي قدر للضابط الشاب أن يشارك بها، تلك التي قامت لقمع حركة عشائر الأزيرج، في جنوب العراق، في سنة 1914، أي في مفتتح الحرب العالمية الأولى، ثم نقل بعدها إلى الشام، حيث التحق بالجيش الرابع العثماني، وشارك في الهجوم العثماني على قناة السويس، وبعدها نقل إلى أدرنة، حيث الجيش الثاني الذي سبق أن التحق به، ومنها عاد إلى غزة، حيث ترقّى إلى رتبة عسكرية أعلى. يقول”وبعد مصادمة الأزيرج بالناصرية 1914 جرى نقلي إلى لواء 25 بالشام، واستخدمت في سنة الأولى بالجيش أردو دردنجي وثم 1914 نقلت إلى لواء المدفعي العشرين، واشتركت في أول هجوم [على] قنال السويس، ثم صار انسحاب الجيش بعد هجومه في كانون الثاني،رجعت والتحقت في لواء أدرنة، … في غزة …(هذه الفراغات في الأصل) . وفي 1916 ترفعت إلى رتبة رئيس (يوزباشي)، ثم تعينت آمر جحفل الصغير المدفعي (كوجك عروب قومانداني) وقد أعلنت في 26 أيلول 1916 في جريدة الجيش العثماني تحت اسم بر تمثال شجاعت. واشتركت في حروب عاليحيا ثم فلسطين، ثم الهدنة الأولى.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.