عدوى انهيار الجسور

انهيار العقارات المصرية التي كانت تطرق مسامعنا باستمرار، لم نعها محلياً إلا في تسعينياتِ القرن الماضي حين انهارت إحدى البنايات في العاصمة بغداد وسط ذهول السكان المحليين. ويبدو أن هذه الحادثة كانت بمثابةِ نذير شؤم لمستقبلِ الإعمار في العراق بعد انتقال عدواها التي أثارت حفيظة الناس إلى جسورِ البلاد، حيث فوجئ سكان قضاء سوق الشيوخ بمحافظة ذي قار نهاية عام 2009 م بانهيارِ جسر المشاة الرابط لضفتي نهر الفرات المار بالمدينةِ الذي لم يمضِ على إنشائهِ سوى سنة واحدة وسقوط جميع أجزائه في حوضِ الفرات فيما كان المواطنون يعبرون من خلاله، ما تسبب بغرقِ عدد من مستخدمي الجسر في مياهِ النهر، فضلاً عن إصابةِ بعضهم، إلا أنَّ هذه الواقعةِ التي أعادت إلى الأذهانِ ما يشار إليها باسمِ ( حادثة الجسر ) التي راح ضحيتها أكثر من ( 42 ) من طالباتِ المدارس في عام 1962 م، لم تكن الأخيرة في سيناريو انهيارات الجسور بعد أن انهار في عام 2013 م جسر مشاة حديدي يقع في منطقة آل وشاح ما بين ناحية الفضلية وقضاء سوق الشيوخ إثر اصطدام سيارة حمل بإحدى دعائمه الحديد، ما أدى إلى سقوطِ أجزاء كبيرة منه على الشارعِ العام.

في مطلعِ عام 2010 م انهار في محافظةِ البصرة جسر حديد أنشئ قبل أكثر من عقدين من الزمانِ بعد أن قامَ أحد المواطنين بإصلاح بعض الأجزاء المتآكلة لهذا الجسرِ الذي يربط ما بين منطقتي حي الخليج وحي الاصمعي الجديد على نفقتهِ الخاصة قبل انهياره نتيجة معاناته من الاهمال!!.

وفي منتصفِ آخر شهور العام 2013 م، فرض تكرار هذا النوع من الحوادثِ على محافظِ البصرة تشكيل لجنة تحقيقية بقصدِ كشف ملابسات انهيار جسر مشاة في منطقةِ شقق الفاو بمدينةِ الأصمعي وسط البصرة الذي يعد أحد الجسور القديمة غير المؤهلة لعبورِ المشاة، ما يلزم الحكومة المحلية العمل على إعادةِ تأهيله او إزالته بالكامل تمهيداً لإقامةِ جسر حديث بدلاً عنه.

لم تكن بغداد بمنأى عن مآسي هذه الحوادثِ المؤلمة بعد أن شهدَ ليل آخر أيام شهر شباط من عام 2013 م الملبد مثل بقية الأيام بغيومِ الفساد، غرقَ الجزء العائم من مطعمِ النادي اللبناني العائلي على نهر دجلة في منطقة الجادرية جنوبي العاصمة، الذي لا يرتاده إلا الفقراء والمعوزون من أبناءِ بلد جريح ما يزال يجاهد سعياً في تضميدِ جراحه النازفة.

في الوقتِ الذي تواصل فيه وزارتا الزراعة والبيئة، فضلاً عن أمانةِ بغداد والدوائر البلدية في المحافظاتِ جهودهما الكبيرة لإقامة مساحات خضراء في مدنِنا بمناسبةِ عيد الشجرة، شهد يوم أمس أحدث وقائع انهيار الجسور في بلادِنا حين أعلن بمحافظةِ الديوانية عن وفاةِ امرأة وطفلة بفعلِ سقوط جسر خدمي لم يشهد أي أعمال صيانة منذ إنشائه في ثمانينياتِ القرن الماضي وسط ناحيةِ غماس غربي المحافظة بحسبِ مصدر أمني عزى سبب سقوطه إلى محدوديةِ طاقته الاستيعابية التي أفضت إلى جعلهِ غير قادر على تحملِ وزن سيارة حمل، مثلما هو الحال في تبريرِ حادثة غرق عبارة مطعم فقراء بغداد في الجادرية!!.

بعد هذه الفواجع، أما آن الأوان لأن تفكرَ الجهات المعنية ولو خلسة بنبذِ توجهات المحاصصة التي كان من جملةِ آثامها وضع العصي في دواليبِ حركة صيانة جسورنا وتأهيلها؟

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العكيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.