هيئات مستقلة !

محمد فلحي

فكرة تحديد السلطات الثلاث تهدف إلى ضمان التكامل بين اجزاء الجسد السياسي،وصناعة القرار بطريقة متوازن ونزيهة،وفي الوقت نفسه توزيع الادوار والصلاحيات والاختصاصات،ومن هذه الفكرة نبع مفهوم( الهيئات المستقلة) التي يفترض أن تتمتع باستقلالية سياسية وإدارية ومالية وقانونية،حيث نصت مواد الدستور العراقي من المادة 102 الى المادة 108 على تأسيس عدة هيئات مستقلة من أهمها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ومفوضية حقوق الانسان وهيئة النزاهة وهيئة الاعلام والاتصالات وغيرها،وسمح الدستور بوضع قوانين خاصة لتلك الهيئات وإنشاء هيئات مستقلة أخرى حسب الحاجة ومقتضيات المصلحة العامة! المحاصصة نقيض الاستقلالية،دون شك،وكان ينبغي أن لا تكون الهيئات المستقلة من حصة أي حزب أو مكون سياسي أو اجتماعي،ويكون باب الترشيح لقيادتها وعضوية مجالسها مفتوحاً لجميع العراقيين،دون تمييز،سوى التخصص العلمي والكفاءة والنزاهة، وأن توضع معايير دقيقة في الاختيار،تجعل هذه الهيئات بعيدة عن التجاذبات السياسية والطائفية والعرقية،وأن تكون مؤسسات تتجسد فيها الوحدة الوطنية والعمل المهني!

لكن واقع الحال فرض توزيع هذه الهيئات وفق منطق المحاصصة،فأصبحت صفتها الحقيقية(هيئات غير مستقلة)فرئيس الهيئة يكون عادة مرتبطاً بحزب أو كتلة سياسية،ومجلس الأمناء يخضع لمبدأ التمثيل التوافقي والتوازن،وبدلاً من ان تكون تلك الهيئات حارسة على مصالح المواطن والوطن ومحصنة ضد ظواهر الفساد نجدها قد تعرضت للأمراض نفسها التي تنخر الوزارات والدوائر الأخرى، ومن ثم أصبحت الاستقلالية خرافة سياسية!

يجري الحديث هذه الأيام عن( إعادة توزيع) الهيئات المستقلة التي يقدر عددها بأكثر من عشرين هيئة،ولأن النظام السياسي في العراق لم يصل بعد مرحلة النضج،قد يمكن أن نتفهم مسوغات عملية التوزيع تحت ضغط الظروف الخطيرة، بيد أن هناك ثلاث هيئات يتوجب أن تكون بعيدة عن المحاصصة، تمهيداً لتعميم الاستقلالية وتطبيقها على جميع الهيئات في مرحلة مقبلة،والهيئات التي ينبغي استثناؤها حالياً من المحاصصة هي مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهة وهيئة البث والإرسال التي تسمى(شبكة الاعلام العراقي)!

هذه المؤسسات الثلاث يمكن أن توصف ب(صمامات الأمان) للنظام السياسي والمجتمع،مفوضية الانتخابات تصنع القيادة والنخبة السياسية،وهيئة النزاهة تمثل الرقيب القانوني المحايد للهيكل الاداري،في حين تختص شبكة الاعلام بالتعبير عن الضمير الوطني والتوعية والتوجيه وتحريك الرأي العام!

المؤسسات الثلاث المذكورة لا تحتمل التحيز ويجب أن لا تخضع للمتغيرات السياسية ولا توظف لأغراض حزبية،ومن ثم فمقاييس عملها يفترض أن تعتمد التخصص والكفاءة المهنية والتجربة الادارية والسمعة الطيبة..هذه المؤسسات يجب أن لا تكون من حصة أحد سوى الوطن!

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.