روح الحكاية

oiuouiu

وسام جنيدي

“عندما استيقظت ، كان الديناصور ما زال هناك”
لا تتعجب فهذه العبارة هي قصة قصيرة جدا، تلك القصة المكونة من 7 كلمات فقط التي طالعنا بها الكاتب الكبير (أوجوستو مونتيرروسو) الملقب من أصدقائه (تيتو)، فالقصة هي بداية، حدث أو عقدة ونهاية، (عندما استيقظت) بداية القصة (كان الديناصور ماز ال) الحدث والنهاية في آن واحد، قصة تدفعك للتساؤل، أو معنى الإسقاط، من الديناصور؟ أكان موجودا عند النوم؟ لماذا لا زال موجودا؟ التعقيد والحرفية في تلك الكلمات القليلة جدا هو ما يستوجب الانتباه والتساؤل.ككاتب قصة قصيرة، أَجِد أن من أصعب الكتابات هي القصص القصيرة، لا سيما تلك القصص القصيرة جدا، فهي كطلقات الرصاص، إذا خرجت من الفوهة أصابت القارئ في مقتل، وإن لم تصب أحدثت دويًا يدفعك إلى التساؤل.وهو ما استطاع فعله القصاص والكاتب السكندري (منير عتيبة) بحرفية شديدة في مجموعته (روح الحكاية) التي وفق في اختيار الاسم، ليدلل على الكلمات القصيرة المقتضبة المستخدمة في قصصه، إنها قالب الحكاية، الروح فقط دون الخوض في الجسد كاملا.
تحتوي المجموعة على 92 قصة قصيرة، قسمها الكاتب إلى قسمين (عن العالم، وأنا)، الجزء الأول الذي يحتوي على خبراته وتفاعله مع العالم الخارجي:
عن الحب.. اختيار
“وكان عليّ أن أختار الموت بالقرب منها، أو الموت بعيدا عنها؛ فاخترت الحياة”.
عن السخرية السياسية.. أخت سندريلا
“عندما حكت له الساحرة الطيبة كل المكائد الشريرة التي دبرتها الأخت غير الشقيقة لسندريلا حتى تبعدها عنه وتتزوجه هي، فكّر الأمير بعمق، ثم قرر الزواج من الأخت غير الشقيقة؛ فأخلاقها تليق بملكة”.
عن الثورة وأبطالها (عين ثالثة) المهداة إلى أحمد حرارة الذي فقد عينيه في أحداث ثورة يناير
“عندما نبتت له عين ثالثة؛ استبدل ملابسه بسرعة ونزل الميدان“.
الكثير من الكلمات المقتضبة التي دلل بها عتيبة عن روح الحكاية دون الخوض في تفاصيلها، بمهارة وحرفية شديدة وجهد مبذول لتوصيل الفكرة مع عصف ذهني لتصل تلك الكلمات المقتضبة إلى المتلقي.وجاء الجزء الثاني من الكتاب (عن انفصال الشبكية) لتعبر عن آلامه الخاصة مع المرض بشعور فلسفي مرهف وآلامه الشخصية دون العالم واستغراقه مع آلامه والمحيطين وتأملاته الشخصية، مثال قصة (في مديح المرض).“كطفل في الخامسة والأربعين تطعمك أمك بيدها، تحممك زوجتك حريصة على ألا يطول الماء الشاشة التي تغطي عينيك“… إلى أخر القصة
أو قصة (بعث)
“كرجل أماته الله مئة عام ثم بعثه، تفتح عينيك. زوجتك ترتدي العباءة القطيفة النبيتي كما تركتها، بناتك كما هن لم يكبرن. ساعة الحائط في مكانها المعتاد الساعة بستين دقيقة. حائط حجرة نومك ملطخ بإبداعات “ملك” السريالية. لم يتغير شيء؛ فقط الرجل الذي تنظر إليه في المرأة أصبح عجوز جدًا“.
التفت العالم الغربي إلى القصة القصيرة ربما مؤخرا، على الرغم من وجود كُتاب القصة القصيرة الفلسفية وذات الصور الشعرية خاصة في أوروبا، ولكن بعد حصول القاصة الكندية (أليس مونرو) على جائزة نوبل للآداب عام ٢٠١٣، فعادت القصة القصيرة إلى موقعها المميز مما دفع بعض الروائيين الغربيين والعرب أيضا إلى كتابة بعض المجموعات القصصية المميزة، ومن القصة القصيرة انبثقت الكثير من القصص القصيرة جدا أو (القصة الومضة) كما يحلو للبعض تسميتها بها، ولتأكيد أهميتها أصبحت الكثير من الجوائز تحمل اسم القصة القصيرة جدًا، حتى بمصر، على الرغم من عدم اقتناع بعض كُتاب القصة؛ إلا أن وزارة الثقافة عام 2014 حددت جائزة القصة القصيرة (للقصة الومضة) مما أثار حفيظة كتاب القصة ودعوتهم أن تصبح هناك جائزتان، واحدة للقصة القصيرة وواحدة للقصة القصيرة جدا (القصة الومضة).القصة القصيرة هي السهل الممتنع، حتى إنّ بعض النقاد وأمّن على كلامهم بعض الروائيين، يقولون القصة القصيرة تكاد تتغلب في صعوبتها على كتابة الرواية، فالقصة على عكس ما قد يتخيل البعض أنها سهلة الكتابة وخاصة عندما يكون الزمن النسبي قصيرا؛ تصبح الكتابة سهلة، على العكس، فالقاص في رائي بعض النقاد يبذل جهدا يفوق كتاب الرواية، لأن الرواية قد تملك وقتا أطول والعديد من الأوراق والفصول لتشرح وجهة نظر الكاتب أو المرجو من الرواية، بينما القصة القصيرة لا تملك رفاهية الرواية في الوقت وعدد الأوراق والزمن والتعبيرات والجمل المستفيضة.وعبارة (زمن الرواية) تتساقط مع الوقت لتصبح (زمن السرد) على الأقل على أيدي قصاصين مصريين وعرب، عكفوا على القصة القصيرة ومحاولاتهم الجادة في القصة القصيرة جدا، ولعل من أبرز الكلمات، التي وجهها الناقد والقصاص (سيد الوكيل) أن كلمة زمن الرواية التي نتداولها دفعت بعض كتاب القصة المهرة إلى الاتجاه إلى الرواية، ولكن دائما ما تلح القصة عليهم، في النهاية، يجدوا أن القصة هي ملاذهم الآمن على الرغم من صعوبتها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.