المس بيل رفضت الترشيح للإنتخابات في لندن وعشقت بغداد ودفنت فيها

سكنت (المس بل) بيتا بغداديا مجاورا لمقر المقيمية البريطانية في محلة السنك يعود للسيد موسى جلبي الباجه جي، احد اصدقائها المقربين ببغداد وان لم تنعم بصداقتها له اذ توفي عام 1919. وقد ذكرت في احدى رسائلها انه احد الذين تعتمد عليهم في معرفة اتجاهات الرأي العام في القضايا المختلفة كما انها اعتمدت على خادمها الجلبي (فتوحي) في جمع المعلومات من الشوارع والاسواق.
وقد بقيت (المس بل) غير متزوجة حتى وفاتها ويبدو ان هذا الامر مع غربتها الطويلة قد اثرفي صفو حياتها في السنين الاخيرة، وفي تموز 1925 سافرت الى لندن وهي في حالة اعياء تام وتوتر عصبي ونصحها الاطباء في لندن ان تعتني بصحتها وان لا تعود الى بغداد غير انها اجابت وماذا افعل في لندن؟ واقترح اهلها ان ترشح نفسها للانتخابات البرلمانية هناك غير انها رفضت بشدة وابدت كرها للعمل السياسي وعادت الى بغداد.
ويبدو من رسائلها ان السنة الاخيرة في حياتها شهدت تراجعها التام عن النشاط السياسي فاكثرت من سفراتها داخل العراق، وخاصة سفراتها المتكررة لمزرعة الملك في خانقين وهي التي قامت مع زوجة الدكتور سندرسن طبيب العائلة المالكة بتأثيث البيت الملكي في خانقين، وكان اعجابها كبيرا بهذه المزرعة حتى انها نشرت مقالا عنها في جريدة الاوقات البغدادية ولم ينقطع اهتمامها بالعشائر وتاريخها ولعلها وجدت فرصة طيبة لاقامة الشيخ سالم الخيون في بغداد فكانت تقضي بعض اوقاتها تحادث الشيخ عن تاريخ عشيرته وتاريخ منطقته وكان بيت الشيخ سالم الخيون يقع في الكرخ مقابلا لبناية المجلس النيابي الذي يلي مستشفى الغرباء سابقا كما ان امتع ساعات يومها كانت تقضيها في دار صبيح نشات في الاعظمية وكانت تذهب اليها في ايام الحر الشديد اذ كانت مطلة على دجلة ويقوم أمامها شاطىء رملي، فتنزل الى النهر سابحة فيه. ويبدو انها ادركت ان فراقها للعراق شيء مستحيل، فقد تكيفت حياتها مع الحياة في بلاد الرافدين فمنذ البدء احست بشيء من الود تجاه العراق واهله غير ان هذا الود تداخل مع الاخلاص لحكومتها واطماعها في هذه الارض، كتبت في 26 ايار 1917 تقول: “ان سروري العظيم في هذه البلاد هو اني احب الناس حبا جما، ورغم كل هذا فانها كانت تصرح لاصدقائها من الانكليز انها تعد نفسها تلميذة مخلصة لاحد اعمدة الاستعمار في الشرق، اللورد كرومر.
ومن مواقفها التي لا يعرفها الا القليلون كرهها لوعد بلفور المشؤوم. وقد كتبت تقول، واذكر لكم بالمناسبة انني اكره تصريح بلفور الصهيوني فان هذا التصريح في اعتقادي لايمكن تنفيذه اني ارى ان المشروع مصنّع تماما ولا علاقة له بالحقائق، اتمنى له الفشل الذي يستحقه، وعندما حضرت الحفلة التي اقامها المحفل الماسوني ببغداد في اذار 1923 خرجت منها “مقتنعة الان اكثر من اي وقت اخر بان الماسونية معظمها لغو وهراء”.
لقد احست المس بل في ايامها الاخيرة بتوتر عصبي وكسل واضح ادى الى عدم اهتمامها باعمال وظيفتها السكرتير الشرفي للمندوب السامي. فزادت مع الايام من الزيارات الخاصة ولاسيما زيارة نساء العائلة المالكة اللواتي وصلن من عمان مع خدمهن بعد انتهاء الحكم الشريفي للحجاز.
وكانت نهايتها في صباح يوم الاحد 12 تموز 1926، اذ وجدت ميتة في فراشها ودفنت في مقبرة المسيحيين الارمن الكائنة في الجانب الشرقي من بغداد (ساحة الطيران الحالية) وقد كتبت سائحة اميركية تدعى (المس هاريسن) تصف المس بل في مكتبها قائلة.
“حينما حللت في بغداد اول مرة في سنة 1923 حصلت الفرصة بلقاء غير تروديل في عدة مناسبات واتحدث اليها بأحاديث طويلة. وكان تعرفي عليها في مكتبها بقسم الادارة من بناية دار الاعتماد بالقرب من المقيمية البريطانية على ضفة دجلة، وبعد انتظار عدة دقائق ادخلت الى غرفة ذات سقف عال وشبابيك فرنسية طويلة تطل على النهر وكانت اسوأ غرفة رأيتها من حيث الترتيب والتنسيق، اذ كانت الكراسي والمناضد والارائك مشحونة بالوثائق والمستندات والخرائط والاوراق المكتوبة بالانكليزية والفرنسية والعربية وكانت وراء منضدة تكدست عليها الاوراق واللفات عاليا حتى فاضت وعلى السجاد تجلس امراة نحيفة البنية بفستان سبورت صنع من حرير محبوك ذي لون اصفر غامق. وقد لاحظت حين قامت ان قوامها مازال لدنا رشيقا.. ولم اجد في هيئتها او قيافتها ما يستدل منه على كونها رحالة اثرت فيها عناصر الجو وعوامله وسلبت عودها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.