دور الحوزة في تعليم جمال الأفغاني وتاريخ الصحافة في النجف

yuiuyiyu

إذا كان قيام النهضة الفكرية للمجددين في النجف قد استند بشكل أساس على البنية الثقافية المحلية للمدينة ، المتكونة أصلا عبر تراكمات لمراحل تاريخية متعاقبة فان ثمة مؤثرات وعوامل خارجية كان لها دور مهم في تطورها وتوسيع نطاق القضايا التي اهتمت بها ، ويمكن القول إنّ أهم هذه المؤثرات قد تمثل بالصحافة والمطبوعات العربية وغير العربية ، زيادة على الاتصال ببعض الشخصيات الفكرية العربية عن طريق المراسلات أو عن طريق السفر للعمل أو للدراسة أو لأغراض أخرى إذ كان للأفكار الوافدة دورٌ مهم في تنبيه الأذهان إلى أساليب وطرق مـُغايرة في التفكير زيادة على مساهمتها في بلورة اتجاهات فكرية جديدة ، ففي مجال الفكر السياسي كانت تـُطرق أحاديث عن الديمقراطية والاشتراكية ، فضلاً عن أفكار الثورة الفرنسية ، وكذلك كانت هنالك موضوعات عن العلم ومكتشفاته وغيرها من الموضوعات التي كانت تعد غريبة عن المجتمع .
يبدو أنّ الصحافة العربية قد شغلت المساحة الأكبر من بين المؤثرات الخارجية ، إذ أنـّها والصحافة المحلية للمدينة قد شكلتا واحدا من أهم روافد التكوين الفكري للمجددين بما وفرته من معلوماتٍ جديدة ، فضلا عن أنـّها أصبحت بمثابة فضاء رحب لتلاقح الأفكار .شهدت مصر وبلاد الشام مطلع القرن التاسع عشر إرهاصات نهضة فكرية جاءت نتيجة تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية ، أخذت تتبلور بصورة ملموسة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وقد القت تلك التطورات بظلالها على العراق عموما وعلى النجف بصورة خاصة ، وقد تسربت كثير من أفكار تلك النهضة إلى النجف عن طريق الصحف والمجالات والكتب ، ولاسيما تلك التي تتناول سير المصلحين ، وحملت هذه وتلك معها كثيرا من أفكار الحضارة الأوربية الحديثة ، وقد كتب الدكتور علي الوردي عن دور مصر في هذه المرحلة ما نصه : ” أصبحت مصر منتصف القرن التاسع عشر بمثابة الوساطة الفكرية وداراً للتعريب بين أوربا والبلاد العربية ” .
لقد وجدت العديد من الصحف والمجلات الشامية والمصرية طريقها إلى المثقف النجفي ، الذي كان يقبل على قراءتها بشوق ، ومن بينها صحيفة الإقبال ومجلة المقتطف البيروتيتين ومجلة العرفان الصيداوية ، وكذلك كانت صحيفة المؤيد المصرية ومجلتا الهلال والمقطم المصريتان ايضا ً ، وبجانب اطلاع النجف على نهضة مصر وبلاد الشام عن طريق الصحافة ، كانت هنالك مراسلات وتبادل زيارات بين مثقفي النجف ومثقفي مصر وبلاد الشام .وزيادة على الصحف والمجلات العربية كانت تصل إلى النجف صحف ومجلات فارسية منها مجلة (بهار) الطهرانية ، وصحيفة ( كرمنشاه ) الصادرة في مدينة كرمنشاه وصحيفة (جمالية ) الهمدانية ، وكانت صحيفة (حبل المتين ) الهندية من الصحف المتداولة في النجف مطلع القرن العشرين ، فضلاً عن مجلة العروة الوثقى الصادرة في باريس.
ولما كانت الصحافة من بين الأدوات المهمة للتعبير عن مواقف الفرد التي يدافع بها عن تراثه وفكره ، ومن العوامل المهمة في تطوير المجتمع وتوجيهه نحو الطريق الأفضل ، ومن الوسائل الناجعة لنشر الوعي الوطني ؛ لذا أدرك المجددون في النجف هذه الحقيقة وبادروا إلى تأسيس صحافة أرادوا لها أن تكون منبراً لنشر دعواتـهم الإصلاحية ، وتبليغ رسالة النجف العلمية لمختلف أنحاء العالم ، وللرد على الحركات المعادية للإسلام ، ونجد أبعاد هذه الصورة أكثر وضوحا في العدد الأول لـمـجلة العـلم التي أصدرها المجـدد السيد هبة الدين الشهرستاني ، الذي وصف مهمة الصحافة قائلاً : “… أليست هي للأمة عيناً ولساناً ناطقاً وخطيباً صادقاً ودرعاً واقياً ومعلماً هادياً ومؤدباً ناجحاً وصراطاً واضحا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لا تحمي في الباطل حميما وتهضم في الحق خصيما وكل صحيفة أخطأت هذا الصراط فعلى الأمة تأديبها ولو بالسياط “.
كانت مجلة العلم التي صدر عددها الأول في 29 آذار 1910 أول مجلة عربية تصدر في النجف ، وثمة من يرى أن النجف قد سبقت بغداد في إصدار المجلات العربية الإسلامية ، وعموما فقد صدرت في النجف منذ صدور المجلة الأولى فيها وحتى عام 1963 (11) صحيفة و(21) مجلة ، منها ما استمر بالصدور بعد العام المذكور ، ومنها ما احتجب قبله وبمدد متفاوتة . وإذا ما علمنا أنّ المجتمع النجفي وبخاصة الوسط الحوزوي المحافظ منه ، في مطلع القرن العشرين كان يرى في قراءة الصحف والمجلات ارتداداً وشذوذاً عن طريق الدين ، بل ظل الأمر كذلك حتى نهاية العقد الخامس من القرن المذكور ، وليس أدلّ على ذلك من الرواية المنقولة عن احد علماء الحوزة العلمية في عام 1948 والتي جاء فيها : “… خلال أحـداث عام 1948م في فلسطيـن ولـبنان كان الـشيخ عـبد الكريم شمس الدين وجماعة من العلماء ، يقرؤون بعض الصحف العربية في منزله بالنجف الاشرف ، بـشكل سـري خـوفاً من افتضاح أمـرهم ، لان ذلك يعد خروجا على الحوزة العلمية ، اما الراديـو فانه أمـر كبير قد يـُفسّـق صاحبه ” . عندئذٍ سوف ندرك حجم المصاعب التي كابدها المجددون في سبيل مطالعة أو إصدار المجلات أو الصحف.
أثارَ تطور الغرب اهتمام الصحافة النجفية منذ وقت مبكر من تأسيسها ، وحث المجددون من خلالها المجتمع على الاقتداء بالغرب من ناحية التقدم العلمي وتجنب المظاهر السيئة للحضارة الغربية ، كتلك التي لا تتلاءم وواقع المجتمع العربي الإسلامي ، وحذروا كذلك من الانجـرار وراء طـعون المغرضـين القائـلة إن الديـن أو الـدراسة الديـنـية متأخـرة لا تماشي ركب الحضارة والتطور، وهذا ما دعا المجددين إلى البرهنة على أن التفكير الديني السليم لا يتعارض مع التطور العلمي ، في الوقت الذي طرح فيه تطور الغرب تساؤلات كثيرة طالت كل شيء في الثقافة الإسلامية بحثاً عن أجوبة مقنعة ، في سبيل الارتقاء بواقع المجتمع لمسايرة ركب الحضارة الجديدة.يعد السيد جمال الدين الشهير بالأفغاني (1839 – 1897 ) من أبرز المجددين الإسلاميين إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق في التاريخ الحديث ؛ لأنه اختلف كثيراً عن شخصيات فكرية معاصرة له ، ذات مقدرات علمية ضخمة ، لكنها أدت دورها في الدائرة الخاصة التي عاشتها ، اما السيد جمال الدين فقد صنع الكثير مما عجز عنه الآخرون ، إذ تحول إلى ظاهرة مؤثرة تجاوزت حدود الزمان والمكان اللذين عاشهما، وهنالك إجماع على أنّ حركة التجديد الإسلامي في البلاد العربية قد بدأت على يديه.
وبغـض النـظـر عن انـتـمـائـه العـرقـي أو الطـائـفـي ، يـبـدو من الـثـابـت أنّ جـمـال الدين الأفغاني قد نال قسطا وافرا مـن تـعليمه في النجف ، التي هاجر إليها عام 1850، والتي يمكن لمناهج وطرق التدريس فيها ، في ظل التحولات الفكرية والسياسية العامة ، ان تتكفل بتبني منهجا مهما لمعالجة القضايا المستجدة ، الأمر الذي يؤدي غالبا إلى بروز قادة دينيين سياسيين في آن واحد ، ويشكلون ظاهرة تاريخية لتجديد الفكر والممارسة الإسلاميتين ؛ لذا يمكن القول ان أنظمة ومناهج الدراسة في حـوزة النجـف قـد ساهـمت بشكـل أساس في تكـوين القاعـدة الفكرية والثـقافـية للسيد جمال الدين الأفغاني، وهذا ما استنتجه البرت حوراني من خلال مؤلفات وخطب الأفغاني والى شيء من هذا القبيل يشير علي الوردي0
ومهما يكن من أمر ، فأن الملامح الرئيسة للمشروع الإصلاحي الذي نهض به السيد جمال الدين الأفغاني تتلخص بمحاربة الاستعمار وتوحيد المسلمين في إطار الجامعة الإسلامية مع مناهضة الاستبداد ، فضلا عن تنقية الفكر الإسلامي من الشوائب وإشاعة وتركيز الوعي . فمثلت تلك الأفكار رافداً مهماً من روافد التكويـن الفكري لمجـددي النجف الذين لـم يكن الأفغاني غريباً عنهم ، فقد كانت أفكاره تصلهم بطرق عدة ، منها مجلة العروة الوثقى التي أصدرها الأفغاني مع تلميذه محمد عبده في باريس في عام1884، والتي وصلت أعداد منها إلى النجف ، فـقد عالجـت المجـلة الأوضاع المترديـة التي تعيشها الدول الإسلامية ، وسياسـة الدول الكبرى ازاءها وبخاصة بريطانيا ، فـقد وصفـت المجـلة بأنـها ذات تأثـيـر كـبـيـر في تـنـبيـه الأفـكار في المـشـرق العـربي عموما.نقلت كذلك صحيفة ( حبل المتين ) الصادرة في الهند أفكار الأفغاني إلى مجددي النجف ، إذ كانت تصل أعداد تلك الصحيفة ، التي تمجد أفكار الأفغاني إلى النجف مطلع القـرن العشــريـن ، ووصـفـها الســيد هبـة الـديـن الشهرسـتانـي احـد مـجـددي المديـنـة بأنـّـهـا ” لسـان حال الأحرار في العالم الشرقي والإسلامي “. وكانت للأفغاني بعض المراسلات مع علماء الدين في النجف بغية إقناعهم بجدوى الـوحـدة الإسلامية ، التي يـرى فـيـهـا الأفغاني الحل الناجع للحيلولة دون سيطرة الدول الأخرى على المسـلمين ، فضلا عـن أنّ الأفغاني قد زار النجـف بحـدود عام 1891 واجـتمع في الصحـن العـلوي مع السيد محمد سعيد الحبوبي ، الـذي كـان زمـيل دراسته ، الـتي أمضى فـيهـا الأفغاني ما يربو على عـشر سنـوات. وربـمـا كـان لأفكار الأفغاني في الـوحـدة الإسلامية ومناهضة الاستعمار أثـر في فـتاوى علـمـاء النـجــف بمـقاتـلـة البريطـانـيـيـن الـذيـن غـزوا العـراق عـام 1914، والـوقـوف إلـى جـانب الدولـة العثمانـية المعـروفـة بمـواقـفهـا في اضطهـاد الـعرب وبخـاصة الشيعة لأسباب قومية ومذهبية. أو في الأقل قد يكون ذلك أحـد الأسباب التي دعتهم إلى اتخاذ مثل هذا الموقف.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.