«سبايكر» والحقائق الجديدة عن جرائم «داعش»

عخعهخعه

حقائق جديدة عن جريمة كلية القوة الجوية في تكريت، أو ما عرف بـ “مجزرة سبايكر”، تكشفت من خلال عمليات تحرير محافظة صلاح الدين، مثلت أدلة وبراهين دامغة على وحشية وهمجية تنظيم داعش الإرهابي من جانب، ومن جانب آخر أماطت اللثام عن خيانة وتواطؤ شخصيات سياسية وعسكرية وعشائرية من صلاح الدين مع الجماعات الإرهابية المسلحة، وعكست ايضا طبيعة المواقف الانتهازية لبعض القوى الدولية والاقليمية.وطيلة تسعة شهور، أي منذ الحادي عشر من شهر حزيران الماضي، وهو اليوم الذي أزهق الارهابيون ارواح الف وسبعمائة شاب، وحتى الان، لم تتوقف تفاعلات تلك الجريمة البشعة وتداعياتها. فمن جانب تحركت الجهات الرسمية المتمثلة بالحكومة ومجلس النواب بتشكيل لجان تحقيقية للوقوف على ملابسات ما حصل، ومن جانب لم يتوقف ذوو الضحايا المغدورين عن التظاهر والاحتجاج والمطالبة بكشف مصير أبنائهم – سواء كانوا في عداد القتلى أو محتجزين في غياهب سجون الإرهابيين. ومن جانب اخر تواصلت الحملات الاعلامية والسياسية وفاعليات منظمات المجتمع لابراز وتوضيح حقيقة وطبيعة حجم الجريمة الداعشية، وما ينبغي فعله من قبل الجهات المعنية، عراقية كانت ام عربية ام دولية.

صورة سبايكر الحقيقية

وبحسابات واقعية بسيطة جدا، يمكن القول ان شيئا ملموسا وذا قيمة لم يتحقق، لينعكس إيجابا على ذوي الضحايا، ويقتص من الإرهابيين، وبالتالي يضع الامور في نصابها.ربما تكون سيطرة تنظيم داعش على تكريت خلال الفترة السابقة، قد حالت دون الامساك بخيوط الجريمة، ومعرفة مصير الضحايا، وربما تكون الحسابات والأجندات السياسية قد ساهمت ايضا في بقاء الامور تدور في حلقة مفرغة دون التوصل الى نتائج واضحة ومقنعة.ولا شك، فإن تبدُّلَ موازين القوى في صلاح الدين وانقلابها لغير صالح تنظيم “داعش” مهد الطريق لكشف الحقائق المتعلقة بجريمة “سبايكر”، فطرد عصابات داعش من القاعدة وعموم المنطقة التي تتواجد فيها، ساعد على وضع اليد على وثائق ترشد الى جوانب من الجريمة، وكذلك ساعد على اعتقال أشخاص متورطين بشكل أو بآخر بارتكاب تلك الجريمة، ثم العثور على مقابر جماعية للضحايا. الى جانب ذلك فان هذه المتغيرات من شأنها ان تسرّع عمل اللجان التحقيقية المشكلة بهذا الخصوص.وحتى الان فإن ما تبيّن يشير بما لا يقبل الشك الى ان ازلام داعش قتلوا مئات الأبرياء، لمجرد انهم ينتمون إلى مذهب ديني معين، وانهم استخدموا أساليب بشعة للغاية حتى يصعب العثور على جثث الضحايا، وهذا ما أكدته تقارير خاصة لجهاز مكافحة الإرهاب ومؤسسات حكومية اخرى، من قبيل دفن الجثث او القائها في الانهار او حرقها.ويشير كذلك الى أنه لولا تواطؤ وخيانة قادة عسكريين ومسؤولين حكوميين وشخصيات عشائرية مع تنظيم داعش لما تمكن من خداع هذا العدد الكبير من الشباب واستدراجهم وقتلهم بدم بارد، وتورط هؤلاء لا بد ان يترتب عليه اثارا اجتماعية سلبية في المستقبل، من قبيل أخذ الثار والانتقام.ويشير كذلك الى ان اساليب تنظيم داعش تشبه الى حد كبير اساليب نظام صدام، فاليوم حينما يشاهد العراقيون مقابر داعش الجماعية في تكريت، فإنهم يستحضرون صور مئات المقابر الجماعية في جنوب العراق ووسطه وشماله وشرقه وغربه، التي احتوت جثث آلاف الناس الابرياء من فئات وشرائح ومكونات اجتماعية مختلفة، وهذا يؤشر بوضوح شديد الى ان طبيعة الثقافة والسلوك الاجرامي لداعش يماثل السلوك الإجرامي لنظام حرب البعث، وبالتالي فإن الطابع البعثي الدموي لم يكن غائبا عما حصل بحق منتسبي قاعدة سبايكر.

مواقف إنتهازية

ومن زاوية اخرى، فأن اللافت والمثير للاستغراب هو ان المجتمع الدولي، لا سيما الاطراف الدولية والاقليمية التي رفعت راية مواجهة تنظيم داعش تحت عنوان التحالف الدولي، الى جانب المنظمات السياسية والانسانية والحقوقية، لم تول الاهتمام الكافي ولا التفاعل المطلوب إزاء جريمة سبايكر، وبما يتناسب مع حكم تلك الجريمة ووحشيتها، مقارنة بحوادث أقل منها بكثير في اماكن ودول اخرى. ويقول ساسة عراقيون بهذا الشأن “أن مجزرة سبايكر لم تأخذ مداها الدولي كما حصل في مجزرة حلبجة على سبيل المثال، وجرائم اخرى، وأن العرب غير قادرين على رفع القضايا الى المحافل الدولية”. وبالرغم من كل الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، بدءاً من العراق وسوريا، مرورا بلبنان واليمن ومصر وليبيا وليس انتهاء بنيجيريا، فان مراكز صناعة القرار الاميركي ومؤسسات الابحاث والدراسات الاستراتيجية التي تعمل في خدمتها، ترى ان الخطر الحقيقي على المنطقة والعالم لا يتمثل بتنظيم داعش، وانما يمثله إيران، وهذا منطق غريب بعيد كل البعد عن الموضوعية، وتحكمه أجندات وحسابات سياسية مشوبة.

التشويه الاميركي للحقائق

وحتى تثبت واشنطن ومن يتحالف معها دولياً وإقليميا ادعاءاتها، راحت تطلق حملات اعلامية وسياسية تتضمن الكثير من المغالطات عن تجاوزات وانتهاكات لقوات الحشد الشعبي ضد ابناء المكون السني في تكريت انتقاما لضحايا سبايكر، وتصوير الدور الايراني الداعم للعراق، على انه احتلال، بينما حقاتق الواقع على الارض تؤكد ان هناك التزاما وانضباطا كبيرين من قبل قوات الجيش والحشد الشعبي بتوجيهات ووصايا المرجعية الدينية بضرورة الحفاظ على ارواح المدنيين وممتلكاتهم، والابتعاد عن نهج الثأر والانتقام، فضلا عن توفير ما يمكن توفيره من ظروف امنية وحياتية مناسبة للنازحين والعوائل في مناطق العمليات العسكرية. ويمكن القول بتعبير واضح وصريح جدا، ان المجتمع الدولي بأطرافه الفاعلة والمؤثرة، اذا لم يكن مساهما حقيقيا بجريمة سبايكر، فانه ساهم بها من خلال الصمت او الموقف السلبي إزائها، فكما أنه لا ينظر الى عموم وجود “داعش” بالمستوى الذي يمثله من الخطورة على شعوب المنطقة والعالم، واكثر من ذلك يسعى الى استخدامه ذلك التنظيم كورقة لتصفية الحسابات مع اخرين، او ضربهم به، وما تردد الولايات المتحدة الاميركية من دعم واسناد عمليات تحرير صلاح الدين، او على الاقل مباركتها وتأييدها الا دليل على ذلك المنهج الانتهازي، ومن غير المستبعد ان نشهد جرائم مماثلة لجريمة سبايكر، في العراق او أي بلد اخر، ومن غير المستبعد – او المتوقع جدا – ان نشهد المواقف الانتهازية المترددة والصامتة نفسها من واشنطن.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.