إلى وزير التربية

صورة عنف جماعي مثيرة للاهتمام عرضتها إحدى القنوات الفضائية، فضلاً عما تناقلته مختلف مواقع في قنواتِ التواصل الاجتماعي، بطلها مدير مدرسة الزهاوي الابتدائية في ناحيةِ الكحلاء بمحافظةِ ميسان جنوبي البلاد، الذي ظهر بفلمٍ تسجيلي يعنف بضربٍ مبرح مجموعة من التلاميذِ الصغار بشكل صارخ لا يتوافق مع أساليبِ التربية الحديثة التي نضجت بفعل تطور الوعي المجتمعي في مطلع القرن العشرين، ولاسِيَّمَا تطور نظريات علم النفس المختلفة التي أخذت تفسر لنا سلوكيات الإنسان على ضوءِ مرحلة الطفولة المبكرة وأهميتها بتكوينِ شخصية الفرد وتأثيرها على حياتهِ فيما بعد، ما يعني الحاجة إلى توفيرِ أجواء حياتية مناسبة لنموِ الأطفال نمواً جسدياً ونفسياً سليماً ومتكاملاً. إذ أنَّ طرائق التدريس الحديثة تؤكد على التفاعل الدائم والمتبادل ما بين الطلاب ومعلميهم في مهمةِ بناء العملية التربوية.

هذه الحادثة التي صورت مجرياتها على الأرجحِ من قبلِ أحد أعضاء الهيئة التعليمية، أثارت غضب الجمهور واستهجانه الشديد، فضلاً عن الجدلِ الواسع الذي تمحور حول تكرار هذه الظاهرةِ في مدارسِنا. الأمر الذي دفع بوزيرِ التربية إلى التوجيه بفتحِ تحقيق عاجل وسريع عبر لجنة تحقيقية جرى إرسالها من وزارةِ التربية إلى محافظة ميسان التي أعلنت مديرية تربيتها عن إعفاء مدير المدرسة من منصبهِ وتحويله إلى وظيفة كتابية بحسبِ الوسائل الإعلامية!!. وأدهى من ذلك تأكيد مدير عام تربية ميسان أنَّ اللجنة التحقيقية التي وصلت للمحافظة قررت أعفاء مدير المدرسة من منصبهِ وتوبيخه لحينِ إكمال التحقيق بالحادثةِ الذي قد يفضي به إلى المحاكمِ المختصة!!.

وبصرفِ النظر عن إجراءاتِ الوزارة الانضباطية والإدارية حيال هذه الواقعةِ المتعارضة حيثياتها مع مضمونِ المادة ( 32 ) من اتفاقيةِ حقوق الطفل التي تؤكد على حمايةِ الأطفال من جميعِ أشكال الإساءة والاستغلال والعنف التي قد يتعرضون لها، فإنَ من المهمِ الإشارة هنا إلى إغفال إدارة التربية موضوع البنايات المدرسية التي جرى تهديمها في الأعوامِ الماضية بالاستناد إلى قرارٍ من وزارة التربية بقصدِ إعادة بنائها، ثم ما لبث أنْ تحول بعضها مع تنامي مشكلة نقص الأبنية المدرسية إلى مواقفٍ للسيارات نتيجة عدم المباشرة بإقامتِها، إضافة إلى عدم التفكير بإيجاد بدائل ملائمة بسبب الارتجالية في التخطيطِ وعشوائية القرارات، ولاسِيَّمَا أنَّ بعضها لا تستوجب الهدم أو أنَ بعضها لم يجرِ هدمه لحد الآن على الرغمِ من نقلِ تلاميذها إلى مدارسٍ أخرى منذ أكثر من عامينِ، ليتم العمل بنظامِ ثلاث مدارس في مدرسةٍ واحدة!!.

مدير مدرسة يحاول ضبط مدرسته مثلما أظهره الفلم المعجزة عبر محاسبة تلاميذه عن الغيابِ بطريقةٍ سمجة أفرزتها ضآلة معرفته وربما قصوره المعرفي الناجم عن قلةِ خبرته المتأتية من عشوائيةِ اختيار مديرية تربية المحافظة، تسبب بإثارةِ الرأي العام المحلي، ولاسِيَّمَا وزير التربية في وقتٍ تتحاشى فيه إدارة التربية فتح ملفات الأبنية المدرسية المهدمة التي فرضت عليها الاهتداء إلى نظامِ الدوام المزدوج أو الثلاثي، وربما الرباعي في المدرسةِ الواحدة التي تعد من أسوأ الأنظمة التربوية، بوصفِها أنظمة تتقلص فيها الفوائد التعليمية والتربوية إلى درجةٍ كبيرة، إلى جانبِ تلاشي النشاطات المهارية التي يمكن أنْ يكتسبَها التلميذ في دروسِ الرياضة والفنية.

إدارة التربية في العراق ملزمة بإنهاءِ معاناة البلاد من مشكلةِ الأبنية المهدمة أو التي تنتظر التهديم التي تحوم حولها شبهات الفساد قبل البحث في مطالبةِ المعلم بكسرِ عصاته أو تغييبها، فضلاً عن ضرورةِ بحث اللجنة التي أمر بتشكيلِها وزير التربية عن جدوى تصوير فعلة مدير المدرسة وإرسالها إلى الوسائلِ الإعلامية بدلاً من عرضِها على مديريةِ تربية ميسان!!.

في أمانِ الله.

لطيف عبد سالم العكيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.