داعش وجيوش المغول والتتار وجهان لعملة واحدة

عهخهعهع

تُذكّر هجمات تنظيم داعش الإرهابي على كل رموز الحضارة والثقافة والتاريخ والعلم في سورية والعراق بأنها تُشبه إلى حد كبير، أو بالأحرى هي نسخة طبق الأصل عن جيوش المغول والتتار، إنْ لم يكن يفوقها همجية ووحشية، فكلاهما قام بتدمير كل ما يمت للإنسانية بصلة. فعلاً، كأن التاريخ يُعيد نفسه، وذلك بتعرض المنطقة لهجمات منظمة لطمس هويتها العربية وصولاً إلى تقسيمها وتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، الذي طالما سمعنا وقرأنا عنه الكثير من أفواه وكتابات العديد من المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين والغربيين، وذلك من خلال إيجاد وخلق فوضى عارمة تتمثل بالتنظيم الإرهابي ومثيلاته من داعش وجبهة النصرة وما لفّ لفّهما، وجماعة الإخوان المسلمين ومن على شاكلتهم من أدوات تخريبية باعت نفسها للأجنبي لتحقيق هدفها الأول والأخير وهو تهيئة الظروف وإيجاد الأرضية المناسبة لعودة الاستعمار إلى هذه المنطقة، بعد أن يكونوا قد أضعفوا دولها، وبعد محو تاريخها ورموز حضارتها العريقة، وتحويلها إلى دول فاشلة وتابعة للغرب.إن تاريخ وحضارة المنطقة هما أكثر ما يخيف الكيان الصهيوني الغاصب الذي يعمل جاهداً ويسعى بكل السبل لإزالتهما وتدمير الهوية الثقافية للمنطقة التي تعود لآلاف السنين، وما شاهدناه من صور ومقاطع الفيديو، تُظهر جماعة همجية تنهال بالمطارق والسواطير والفؤوس على رؤوس وأجسام التماثيل الأثرية في متحف الموصل، وتقوم بجرْف مدينتي الحضر ونمرود الآثاريتين، اللتين تعودان إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وأخيراً تدمير مدينة خورسباد وحرق عشرات آلاف الكتب والمخطوطات النادرة، وقبل ذلك استهداف وقتل وخطف أبناء المكون الآشوري في محافظة الحسكة، كل هذا، يُحقق غايات إسرائيل وأهدافها التي تسعى إلى إيجاد موطئ قدم لها في المنطقة، متناسية أن عراقة هذه المنطقة ترفضها وتُبقيها كياناً محتلاً، ثقيل الظل، ودخيلاً عليها لانعدام أي تاريخ أو حضارة لها.إن إسرائيل هي الأكثر استفادة من وجود هذه التنظيمات الإرهابية التي تحقق لها مآربها الاستعمارية التوسعية الدنيئة بالهيمنة على المنطقة بأسرها، بعد أن عجزت عن تحقيق ذلك عن طريق ترسانتها العسكرية الهائلة المدعومة أميركياً وغربياً، ومن أهم هذه المآرب: إضعاف دول المنطقة عسكرياً عبر استهداف جيوشها الوطنية وتدمير اقتصادها وبُناها التحتية ومؤسساتها الطبية والتعليمية والخدمية وضرب النسيج السكاني لمجتمعاتها المتآخية، ولعل أهم الأهداف الإسرائيلية الأخرى هو تدمير حضارة وثقافة وتاريخ شعوب المنطقة، وإجراء تغيير ديمغرافي للسكان فيها، عبر التضييق على مكوناتها القومية والدينية، وإلا فما مسوّغ أن نسمع بين كل فترة وأخرى عن استهداف طائفة بعينها قتلاً وتهجيراً وخطفاً، بدءاً من الإيزيدييّن والمسيحيين والأكراد، وليس انتهاءً بالسريان والكلدان والآراميين والآشوريين وكل المكوّنات الأخرى التي نفتخر بأنها شكّلت ولا تزال قوس قزح جميل وغني للمنطقة؟

إن مجزرة متحف الموصل ومذبحة مدينة (النمرود) وتجريف آثارها، ومذبحة مدينة (الحضر) التي تقع على بعد نحو 100كم جنوب غربي الموصل في الصحراء، والتي فيها معابد اختلطت فيها الهندسة المعمارية الهلنستية والرومانية بالميزات الزخرفية الشرقية، ثم تدمير (الثور المُجنَّح) رمز حضارة الآشوريين، كل ذلك يُعَدُّ انتهاكاً غير مسبوق وجرائم بحق الإنسانية جمعاء.لقد أراد مرتكبو هذه الجرائم ومن يقف وراءهم والمستفيدون من فِعْلتهم النكراء (محو التاريخ)، والقضاء على ذاكرة الأجيال وخزينة الشعوب عبر تحطيم تماثيل وآثار تاريخية وكنوز نفيسة تُعبّر عن عظمة الإنسان وكفاحه وإبداعه.

حقاً إنه كابوس مرعب معادٍ للثقافة والمدنية والحضارة والإنسانية. ومن المؤسف حقاً، أن العالم أجمع لم يُحرّك ساكناً تجاه هذه الأعمال الوحشية الهمجية، بل اقتصرت بعض ردود الفعل الخجولة على بيانات احتجاجية خاملة لا ترقى إلى مستوى هذه الأعمال الإجرامية.

وفي هذا السياق نتذكر ما نقلته وكالات الأنباء خلال غزو العراق عام 2003 عن إحدى المذيعات الإسرائيليات، وهي تدعو قوات الاحتلال إلى قصف المواقع الآثارية من البر والجو والبحر،لأنها- حسب رأيها أخطر من أسلحة الدمار الشامل.باختصار، إسرائيل ومن يقف خلفها لا يريدون أكثر من هذه الخدمات المجانية التي تقدمها (داعش) الإرهابية وأخواتها، لأنهم بالأصل (أي إسرائيل وداعموها) لم يكونوا يحلمون بمثل ذلك. ومن ثم، لا نبتعد عن الحقيقة عندما نصف هذه التنظيمات الإرهابية بأنها أدوات إسرائيلية أميركية.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.