معضلة استيراد المنتجات في العراق

Residents buy vegetables in a market in Baghdad's Karrada district

الأجور والرواتب المنخفضة سحبت العمّال والوظائف من القطاع الخاصّ إلى العام، ممّا زاد من البطالة المقنعة غير المنتجة.وقف المعلّم قاسم الرّبيعي من محافظة بابل، أمام محلّ للبقاليّة للتبضّع، وقال لـ”المونيتور”، وهو يشير إلى داخله: “لن تجد أيّ منتج زراعيّ عراقيّ من خضروات وفواكه ، لكنّك ستجد منتجات مستوردة من الأردن وتركيا وإيران ودول خليجيّة”. وفي الواقع إنّ الكثير من محلاّت بيع الخضروات خالية من أيّ منتج زراعيّ عراقيّ، وكأنّ العراق لم يعد ينتج ما يأكله. وهذه الملاحظة تصحّ على المنتج الصناعيّ المحليّ من أنسجة وسلع كماليّة ومشروبات وأطعمة، إذ تخلو منها الأسواق، بينما هي متخمة بكلّ أنواع السلع الأجنبيّة. وهذه الظاهرة ليست جديدة، حسب التاجر علاء نجم، إذ قال لـ”المونيتور”: “بدأ انحسار المنتج المحليّ منذ نهاية ثمانينيّات القرن الماضي، ويعود السبب في ذلك، إلى الإنفاق على آلة الحروب الّتي خاضها النّظام السّابق، فمنذ ذلك الحين، انحسر الإنتاجان الزراعيّ والصناعيّ وغاب الدّعم الحكوميّ للصناعة والزراعة، والمعامل الإنتاجيّة تقادمت، ومشاريع استصلاح الأراضي الزراعيّة لم تعد قائمة”.منذ عام 2003، شرع علاء نجم في السفر إلى الصين، بجانب المئات من التجّار الصغار والكبار لاستيراد البضائع الرّخيصة. وبسبب نشاطات التجّار في الاستيراد، أتخِمت الأسواق العراقيّة بالمنتجات الأجنبيّة، في ظلّ غياب آليّات حماية الصناعة المحليّة وتخلّف تقنيّات الإنتاج، وعدم فرض قانون التّعرفة الجمركيّة على البضائع المستوردة. وفي حديثه لـ”المونيتور”، ردّ الباحث الاقتصاديّ والأكاديميّ في جامعة بغداد ميثم لعيبي، الانهيار الكبير للسلع في الإنتاج المحليّ إلى”السياسات الاقتصاديّة الّتي حالت دون دعم أصحاب المعامل والمزارع لجعل إنتاجاتهم مربحة”.واعتبر أنّ “الأجور والرواتب المنخفضة سحبت العمّال والوظائف من القطاع الخاصّ إلى العام، ممّا زاد من البطالة المقنعة غير المنتجة”، وقال: “إنّ سياسات التّجارة منذ عام 2003 فتحت الحدود وألغت التّعرفة الجمركيّة الّتي تضبط إيقاع دخول السلع الأجنبيّة. كما أنّ سياسات الدّعم لم تشجّع قيام صناعة حقيقيّة، بل شجّعت الاتّكال على المشاريع الحكوميّة، ممّا خلق طبقة طفيليّة تعيش على مقاولات غير منتجة”.لكن الحال أكثر تعاسة، فما يعاني منه المواطنون، ليس غياب البضاعة المحليّة فحسب، بل انتشار السلع المستوردة الرّديئة النوعيّة أيضاً.واتّهم المواطنون التجّار الّذين يستوردون السلع الرّخيصة الثمن، على حساب النوعيّة والجودة، بتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، وإنّ الصحف العراقيّة مليئة باتّهامات كهذه. وهذا ما تحدّث عنه وأكّده الملحق التجاريّ الصينيّ في العراق وانغتيتونغ، إذ أنّه حمّل التجّار العراقيّين “مسؤوليّة استيراد بضاعة رديئة المواصفات”.وإنّ رداءة البضائع المستوردة طالت حتّى الأدوية، فالحياة العراقيّة تعجّ بالشكاوى والاحتجاجات المطالبة بمحاسبة مستوردي الأدوية الفاسدة والمنتهية الصلاحيّة، الّتي تسبّبت بوفاة عدد من المواطنين.ففي مدينة كربلاء جنوبي بغداد، اشتكى مواطنون من البضاعة الرديئة المستوردة التي تملا الأسواق. وفي البصرة جنوبي البلاد، دعت تظاهرات نظمها مزارعون في 2شباط 2015 , الى انعاش السوق المحلي بالمنتج الوطني. وفي 18 آذار 2015 ، دعا عضو هيأة رئاسة مجلس النواب همام حمودي الى دعم الجهات المنتج الوطني بما يسهم بالنهوض بالواقع الاقتصادي في البلاد .وفي هذا السياق، قالت الدّكتورة سلامة الصالحي المستشارة الثقافية في رئاسة الوزراء بالعراق لـ”المونيتور”: “إنّ أبواب السوق العراقيّة منذ عام 2003 مفتوحة على مصراعيها لدخول البضائع من شتى المناشئ وبأكثر المواصفات رداءة”.فضلاً عن ذلك، أرجعت الصالحي رداءة السلع إلى “غياب السيطرة النوعيّة وقانون حماية المستهلك”، عازية أسباب تدهور الإنتاجين الزراعيّ والصناعيّ لـ”هجرة الفلاّحين إلى المدن بسبب التصحّر وانخراطهم في صفوف القوّات المسلّحة”، وقالت: “كما أدّى شلل إنتاج الكهرباء وغياب الدّعم الحكوميّ عن الصناعة الوطنيّة إلى الاتّجاه للاستيراد”.وإنّ تشخيصات الصالحي عن غياب السلعة الوطنيّة في الأسواق، أكملها الباحث الاقتصاديّ محيي المسعودي من بابل، الذي عرض أسباباً أخرى، وقال: “هناك أيضاً الحرب والاحتلال والإرهاب والفساد والرّيع النفطيّ الكبير. كما أنّ كلفة إنتاج السّلعة الزراعيّة والصناعيّة المحليّة هي أعلى من سعر البيع في ظلّ غياب الدّعم”.ولا يستبعد المسعودي وجود “أهداف سياسيّة من جراء عدم النهوض بالإنتاج العراقيّ”، وقال: “هناك حرب تشنّ على المنتج العراقيّ لمصلحة دول كإيران وتركيا والسعوديّة، الّتي تستفيد من بقاء العراق سوقاً مستهلكة لبضائعها”. وأشارت الإحصاءات الحكوميّة إلى أنّ العراق يستورد من السلع ما قيمته 65 مليار دولار في العام.ومن جهته، أشار المهندس أحمد هاشم الحبوبي في حديثه لـ”المونيتور” إلى أنّ عام 2003، الّذي سقط فيه نظام الرّئيس العراقيّ الرّاحل صدّام حسين، “شهد انهياراً مروّعاً للصناعة العراقيّة بسبب غياب الطّاقة الكهربائيّة الكافية للتشغيل وانحسار الأمن، ولا سيّما في أطراف المدن حيث تتواجد المناطق الصناعيّة”.أمّا الكاتب والمحلّل السياسيّ وكاتب عمود في جريدة ايلاف الاكترونية صالح السيد باقر فتحدّث لـ”المونيتور” عن أسباب تدهور الإنتاجين الصناعيّ والزراعيّ، وقال: “إنّ الوضعين الأمنيّ والسياسيّ وندرة الخبرات والمعاهد اللاّزمة والضروريّة للنّهوض بالبلد وغياب مشاريع البناء والإعمار حالت دون تطوير المنتج العراقيّ”.وذكّر باقر بأنّ “العراق تحوّل إلى مستهلك كبير للمنتج الزراعيّ، رغم امتلاكه كلّ العوامل الرئيسيّة لتحوّله إلى البلد الزراعيّ الأوّل في المنطقة برمّتها”، عازياً ذلك إلى”تخلّي الكثير من المزارعين عن استصلاح أراضيهم وزحف الصحراء الّتي غطت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعيّة الخصبة، وتحوّل الكثير من الأراضي الزراعيّة والبساتين العامرة إلى مناطق سكنيّة”.لقد تطرّق المتحدّثون إلى الكثير من الأسباب الّتي حالت دون منافسة الإنتاج المحليّ للبضاعة الأجنبيّة، إلاّ أنّ الاستقرارالأمنيّ يبقى العامل الرئيسيّ في التّنمية، ومن دون توافره ستذهب كلّ محاولات تطوير الإنتاج هباء.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.