القمة العربية

اتفق العرب على أنْ لا يتفقوا، مقولة شهيرة كثيرا ما استشهد بها المتحاورون في حلقاتِهم النقاشية أو جلساتهم الخاصة والعامة على حدٍ سواء، فضلاً عما حفلت به من انتشار واسع في الفضاءِ الإعلامي، تعبيراً عن حالةِ الخذلان العربي المتأتية من هيمنةِ قيادات سياسية هزيلة قاسمها المشترك السيطرة على مقدراتِ الشعوب العربية، إلا أنَ ما يضحك الثكلى هو أنَّ عدوى مضمونها تسربت إلى أروقةِ البيئة المعرفية في المجتمعاتِ العربية التي أصبح قسمها الأعظم أسير إدمان الأجهزة النقالة وقنوات التواصل الاجتماعي، حيث يجد من يحاول البحث عن مصدرِ هذه المقولةِ إجابات متباينة تبعث على الحزنِ والاسى، فعلى سبيل المثال لا الحصر ينسبها بعضهم إلى محمد عبدة في وقت يرجعها البعض إلى جمال الدين الافغاني في وصف خص به الشعوب المسلمة بعدمِ الاتفاق، في حين يذهب بعض الجهلاء بعيداً بنسبِ المقولة إلى ملكِ السعودية الأسبق فيصل بن عبدالعزيز مدعين إنها كانت السبب في اغتياله!!.

إنَّ قائل هذه المقولة بحسب أوثق المصادر هو صاحب المؤلف الشهير الموسوم ( المقدمة ) عبد الرحمن بن محمد أبو زيد المكنى ابن خلدون، حيث كان نص مقولته التي قالها منذ قرون هو: (شر أدواء العرب داء انقسام أهله، يتحدون على الاختلاف، ويختلفون على الاتحاد، فقد اتفقوا على ألا يتفقوا )، على أنَ بعض المصادر تورد كلمة الشرق بدلاً عن العرب مثلما اختلف بعضهم حول مولد ابن خلدون ما بين تونس واليمن!!.

ويمكن القول إنَ عدم الاتفاق حول أصل هذه المقولةِ التي يجري تداولها كثيراً في الحياةِ المعاصرة، يشكل في واقعهِ الموضوعي أحد نماذجِ الاًمية المعرفية المعبرة عن حالةِ النكوص الثقافي العربي التي انعكست بتداعيات أسهمت بتوافرِ عناصر تهيئةِ بيئة مناسبة لاستقطاب ما تسوقه القيادات العربية الهزيلة من أجنداتٍ الدول الغربية بزعامةِ أمريكا لترويضِ الشعوب العربية على قبولِها. منذ انعقاد أول قمة عربية ( قمة قصر أنشاص ) في عام 1946 بدعوةٍ من ملكِ مصر الراحل فاروق التي يشار إليها بوصفِها فاتحة العمل العربي المشترك في إطارهِ المؤسسي على مستوى القادة بعد تأسيس الجامعة العربية إلى قمةِ شرم الشيخ بدورتِها السادسة والعشرين العادية مروراً بعواصمِ ومدن عربية عدة، تاريخ طويل من عمرِ القمم العربية ما بين نسخها العادية والطارئة، فضلاً عن الاقتصادية، لم يلمس المواطن العربي أي أثر إيجابي لنتائجِ مقرراتها نتيجة الشرخ الواضح في سياساتِ الدول العربية، فضلاً عن إخفاق رئاسة الجامعة العربية بمعالجةِ مأزقها الذي عانته منذ تأسيسها، المتمثل بتبعيتِها لسياسةِ دولة محددة مثلما هو حاصل اليوم في هذه القمةِ التي باركت العدوان السعودي على اليمنِ في مفارقةٍ غريبة غابت عن جوقةِ المحللين السياسيين الذين لم يدركوا أن اليمنَ كانت إحدى الدول السبع المؤسسة للجامعة العربية التي لم تضم في حاضنتِها حينئذ سوى السعودية من دولِ الخليج التي تساهم الآن بجهدِها العسكري في خرابِ اليمن ومحاولة لجم ثورة شعبه صوب التحرر والقضاء على الإرهاب!! وبالعودةِ إلى قممِ العرب السابقة نجد من المهمِ الإشارة إلى إجابةِ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عن سؤالٍ لأحد الإعلاميين حول ما اتفق العرب عليه بقمةِ اللاءات الثلاثة في الخرطوم عام 1967 م التي لم أي ( لا ) من لاءاتها، حيث لم يخف اعتقاده من أنَ العربِ لن يتفقوا على أي أمر كان. وعلى الرغمِ من معرفةِ القيادات العربية بعدم جدوى هذه المؤتمراتِ الاستعراضية، فإن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يدخر جهداً في محاولةِ بلوغ أسلافه بمهمةِ ذر الرماد في العيونِ، حين ذكر في كلمتهِ المطولة بمجرياتِ الجلسة الافتتاحية لهذه القمة : ( أن مستقبلَ هذه الأمة مرهونٌ بما نتـخذه من قرارات … والمطلوبُ منا كثيرٌ في هذا المنعطفِ التاريخي الهام … حيث تتزايد تطلعاتُ الشعوبِ في تحقيق الرخاء وهو حَقٌ لها ..)، إلى جانبِ تأكيـده على ( انطلاق حقبة جديدة من العمل المشترك يركز بشكل خاص على الأمنِ القومي للمنطقة في مواجهة التحديات الحالية وعلى رأسها تفشي ظاهرة الإرهاب )!!.

يبدو أن السيسي رئيس مؤتمر قمة شرم الشيخ، تناسى زج قواته العسكرية في ألعنِ إجماع بتأريخِ العرب وأكثره قذارة، من أجلِ إرضاء سيده الخليجي الذي يهدف إلى القضاء على تطلعاتِ الشعوب في تحقيقِ الرخاء الذي يعده السيسي حَقاً لهم، إضافة إلى دعمهِ الإرهاب الذي يطلب السيسي مواجهته!!.

في أمانِ الله .

لطيف عبد سالم العكيلي

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.