العراق والإعلام المعادي

كاظم غيلان

لم يكن الإعلام المعادي الذي من شأنه أن يلعب ويمارس شتى وسائل الحرب النفسية التي من شأنها أن تسهم في أحباط معنويات الانسان العراقي بالجديد علينا فقد عرفناه عبر العديد من حقب الصراعات التي عاصرنا أحداثها، لكن هذا الإعلام بلغ أعلى مستوياته التي تفنن بها بعد سقوط النظام الدكتاتوري في التاسع من نيسان 2003 بحكم تحول العراق الى مساحة أحداث تتسع لجميع وسائل الإعلام بمختلف تنوعاتها المرئية منها والمسموعة والمقروءة، وبحكم سقوط سلطة الرقابة التعسفية تزامناً مع سقوط النظام الذي كان يتحكم بطبيعة خطابها. جهات عديدة من دول وأحزاب وطوائف لم يرق لها ما حصل من متغيّر في الساحة العراقية، ولكل من هذه الجهات وسائل إعلامها التي مارست نشاطاتها بعلانية وبكامل حريتها، ولا يمكن لي الانتقاص من مهنية معظمها برغم معاداتها للتجربة الجديدة التي منحت لهذه الوسائل كل ما تحتاجه بحكم الاخفاقات التي حصلت وتعدد أشكال الصراعات السياسية التي غلب عليها الطابع الطائفي، وبحكم الفوضى الخلاقة التي جاء بها المشروع الأميركي ومعظم دول التحالف التي تحكمت بالقرار الدولي الذي منح لها شرعية قرار الاحتلال، والذي أتاح لها المساحة الأوفر من حرية أجادت استثمارها لمجمل مآربها وغاياتها المريضة، وأبعدت نفسها تماماً عن الحيادية كحد أدنى من مهماتها، بل أخذت على عاتقها تبني الخطاب التحريضي وتأجيج الاحتقانات بمجمل مسمياتها. لنقف عند العام 2006 الذي شهد ذروة الاحتقان الطائفي في العراق وكيف تعامل معه الإعلام المغرض لرسم ونقل صورة غير تلك التي هي على أرض الواقع برغم مأساويتها ومرارتها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كنت أتابع تقارير البث العربي لإذاعة البي بي سي من بغداد والمعروفة بإمكاناتها وشيوعها، اذ نقل مراسلها في بغداد خبراً مفاده تفجير إرهابي حصل في مطعم شعبي بحي الكرادة الشرقية وسط العاصمة بغداد، وما وقع حقيقة وليس فبركة، لكنه أنهى الخبر بما مفاده أن المطعم المذكور يرتاده أفراد من الشرطة العراقية، في إيحاء بأن (المقاومة!!) لن تتهاون مع من يتعامل مع قوات الاحتلال! مثل هكذا خبر يمكن أن يمرر بسهولة على المستمع البسيط أو الذي بلغ درجة منخفضة من النضج، ناهيك عن مدى التهويل الذي بالغت به (الجزيرة) القطرية، لاسيما في الأحداث التي وقعت في (الفلوجة). ولا أريد الأسهاب أكثر في صفحات أصبحت بحكم الماضي بقدر ما أريد الكشف عن المشهد الذي نعيش مجرياته الآن، وأعني به الحرب مع “داعش”، اذ راحت العديد من الفضائيات والوكالات الأخبارية تأخذ بداية الأمر موقف المتفرج أو بالأحرى (ضارب الودع) ليتعرّف على أرجحية النصر ولأية جهة سيكون، فأبتدأ معظمهم بالتهويل الناجم عن فعل الدهشة وراح يصور الخطر الداعشي وهو يقف على بوابات بغداد، أو يقترب منها، لاسيما المدة التي هيمن بها التنظيم الارهابي المقصود على منطقة “جرف النصر” قبيل تحريرها منه، ولكن ما أن بدأت مرحلة الانتصارات التي حققها الجيش العراقي وقطعات الحشد الشعبي وقوات “البيشمركَة” وقوات من العشائر العراقية بمختلف طوائفها، حتى سقط رهان هذا الاعلام وراح يستبدل مراهناته بأخبار الانتصارات المتلاحقة التي أكدت اندحار تنظيم “داعش” وافتصاح جرائمه بحق الانسانية وتخريب الآثار العراقية، فضلاً على التصعيد الدولي ضده بدلالة المشاهد الميدانية التي تناقلتها معظم وسائل الاعلام المعادي نفسها وراحت تتشبث بما بقي لها من النفس الأخير في أغراضها، وبما تبقى في جعبة أكاذيبها المفبركة وبنوع من التخبط الواضح للعيان وبذل كل ما بوسعها للتمسك بكل التشويهات التي تشير للاعتداء على المواطنين العزل في المناطق التي يتم تحريرها من عصابات “داعش”، في محاولة لافتعال أزمات ما عادت مجدية لكل من يمتلك بصيرة تعينه على فرز الغث من السمين في سياق هذا الاعلام الذي خسر مصداقيته التي هي من أولى مهامه المهنية، وهكذا أطلق النار على نفسه ليخسر مجمل مراهناته.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.