أهميّة معرفة المخطّط الإلهيّ وعقباته

إنّ معرفة المخطّط الإلهيّ لمسار قافلة البشريّة له فوائد عديدة،منها:
1- قراءة حركة التاريخ والمستقبل الإنسانيّين بالشكل المنهجيّ الصحيح، وبالتالي فإنّ وعي القارئ للقرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وكذا أحداث الماضي والحاضر والمستقبل يختلف بين كونه يربط كلّ ذلك بمنهجيّة متجانسة متسلسلة، وبين كونه يقرؤها قطعا متفرّقة لا تجانس بينها.
2- إنّ معرفة ذلك المخطّط والمسار وعقباته تنتج الوعي للدور المطلوب في ضوء تلك القراءة.
وننطلِقُ في توضيح هذه الفائدة من حادثة لافتة حصلت مع بعض قادة المقاومة الإسلاميّة في لبنان في لقائهم بالمرجع الدينيّ آية الله العظمى الآراكيّ الذي كان عمره أكثر من مئة عام، فهو بادر أولئك القادة بعد ما عرّفوا عن أنفسهم بقوله: “لقد أنعم الله عليكم بنعمة لا تعرفونها”، فنظر بعضهم إلى بعض متعجّبين من هذا الكلام، متسائلين عن المراد من تلك النعمة، ولم يُطِل المرجع الدينيّ حتّى أوضح لهم مقصوده منها بقوله: “لقد أتى الله تعالى بكم من مئات السنين؛ليسكنكم في لبنان،ثمّ بعد ذلك بمئات السنين جاء أعداء الله اليهود الصهاينة ليحتلّوا فلسطين،ليكون لكم بعد ذلك شرف قتال أعدى أعداء الله تعالى”.
إنّه حديث عن نعمة البيئة الجغرافيّة الخاصّة التي تميّز بها مجاهدو المقاومة الإسلاميّة، وعن الدور الكبير الذي اختصّ به الله تعالى هذه المقاومة ومن آزرها، وهو إزالة عقبة أساسيّة من أمام مشروع إقامة الحكومة الإلهيّة الكبرى. وهكذا الحال بالنسبة إلى الجهاد مع العقبات الأخرى الصادّة عن سبيل الله كالقوى التكفيريّة الدمويّة التي يقابلها اليوم أبطالنا في الحشد الشعبي والمقاومة الإسلامية والجيش والقوى الأمنية في العراق ليمنعوها تحقيق مآربها بهدم الدين ونسفه من داخل أبنائه وهذا ما يخطط له المستكبرون وعلى رأسهم أمريكيا وإسرائيل.
3- إنّ معرفة المخطّط الإلهيّ والسير في الدور المطلوب على أساسه توضح للإنسان القيمة الكبرى لعمله في دائرة ذلك الدور، مهما كانت وظيفته فيه، فالله تعالى جعل سرّ خلق الموت والحياة هو العمل الأحسن في قوله تعالى:”الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” سورة الملك،الآية2.والعمل الأحسن هو الذي تتحقّق فيه ثلاث خصوصيّات:
1- أن يرتكز إلى العقيدة السليمة: يقول تعالى:”..إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ..”سورة فاطر،الآية10.
2- أن ينطلق من نيّة خالصة لله تعالى: عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم):”إنّما الأعمال بالنّيات، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
3- أن يصب في الموقع الأفضل،وهو بحسب ما يفهم من النصوص الدينيّة يتحقّق بخدمة الناس،قال الإمام الخمينيّ (قدس سره):”لا أعلم عملاً هو أفضل عند الله من خدمة الناس”.
وممّا يشهد لهذا ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):”الخلق كلّهم عيال الله، فأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ أنفعهم لعياله”.
وكلّما اتّسعت خدمة الناس سمت قيمة عمل الإنسان،لذا فحينما أراد الله تعالى أن يكافئ خليله إبراهيم (عليه السلام) بعد نجاحه بالابتلاءات العظيمة،فإنّ الجائزة كانت إمامته للناس أي الموقع الأعلى لخدمة الدائرة الكاملة في وسعها لجميع الناس،قال تعالى:”وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما”سورة البقرة، الآية 124.
بناءً على ما تقدّم، فإنّ العامل في سبيل إقامة الحكومة الإلهيّة الكبرى عبر السعي في إزالة العقبات من أمامها هو عامل للدائرة الأوسع،وبالتالي فإنّ عمله يدخل في أفضل الأعمال.
4- إنّ معرفة المخطّط والمسار الإلهيّ لقافلة البشريّة الذي أراد الله تعالى له أن يتحقّق باختيار الناس،وإنّ تحديد الدور في ضوء ذلك المخطّط،والالتفات إلى عظيم العمل في دائرة ذلك الدور،كلّ ذلك يدعو إلى المثابرة والجدّ في أمرين أساسين:
الأوّل: السعي لإزالة العقبات كما تقدّم.
الثاني: تقديم النموذج الجاذب المستقطِب للناس ليسيروا في السبيل الذي يحقّقون فيه كمال الفرد، وكمال قافلة البشريّة؛ ليكونوا من الممهّدين لقيام حكومة الله في أرضه على يد صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه).

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.