في ذكرى وفاتها .. أم البنين (ع) سفر من أسفار الخلود

13

في الثالث عشر من جمادى الآخرة،توفيت السيدة الجليلة الفاضلة ام البنين فاطمة بنت حزام زوج أمير المؤمنين (عليه السلام)،وهي فاطمة بنت حزام الكلابي العامري،وكنيت بأم البنين لأن لها أربعة أبناء كلهم استشهدوا في كربلاء مع الإمام الحسين سيد الشهداء (عليه السلام)،وهي من قبيلة بني كلاب من العرب الأقحاح من بني عامر بن صعصعة،شهيرة بالشجاعة والفروسية،كانت ولادتها على الأرجح في السنة الخامسة للهجرة الشريفة،تزوجت من أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بعد السنة الرابعة والعشرين من الهجرة الشريفة وذلك لأن الأمير عليه السلام تزوجها بعد إمامة بنت زينب ربيبة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

رؤيا الوالد

كان حزام بن خالد بن ربيعة في سفر له مع جماعة من بني كلاب،نائماً في ليلة من الليالي فرأى فيما يرى النائم كأنه جالس في أرض خصبة وقد انعزل في ناحية عن جماعته وبيده درة يقلبها وهو متعجب من حسنها ورونقها وإذا يرى رجلاً قد أقبل إليه من صدر البرية على فرس له فلما وصل إليه سلم فرد عليه السلام ثم قال له الرجل بكم تبيع هذه الدرة؟،وقد رآها في يده فقال له حزام إني لم أعرف قيمتها حتى أقول لك ولكن أنت بكم تشتريها ؟فقال له الرجل وأنا كذلك لا أعرف لها قيمة ولكن إهدِها إلى أحد الأمراء وأنا الضامن لك بشيء هو أغلى من الدراهم والدنانير، قال ما هو؟ قال اضمن لك بالحظوة عنده والزلفى والشرف والسؤدد أبد الآبدين،قال حزام أتضمن لي ذلك؟ قال نعم قال:وتكون أنت الوساطة في ذلك؟ قال وأكون أنا الوساطة أعطني إياها فأعطاه إياها.فلما انتبه حزام من نومه قص رؤياه على جماعته وطلب تأويلها فقال له أحدهم ان صدقت رؤياك فانك ترزق بنتا يخطبها منك أحد العظماء وتنال عنده بسببها القربى والشرف والسؤدد.

المولدة المباركة

فلما رجع من سفره،وكانت زوجته ثمامة بنت سهيل حاملاً بفاطمة أم البنين وصادف عند قدومه من السفر ان وضعت فبشروه بذلك فتهلل وجهه فرحاً وسر بذلك،وقال في نفسه قد صدقت الرؤيا،فقيل له ما نسميها فقال لهم سموها:”فاطمة”.وكُنيت فاطمة بنت حزام بأم البنين على كنية جدتها من آباء الأم وهي:ليلى بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.ونشأت أم البنين في حضانة والدين شفيقين حنونين هما حزام بن خالد بن ربيعة، وثمامة بنت سهيل بن عامر، وكانت ثمامة كاملة عاقلة، فأدبت ابنتها بآداب العرب وعلمتها بما ينبغي أن تعلمها من آداب المنزل وتأدية الحقوق الزوجية وغير ذلك مما تحتاجه في حياتها العامة، وأم البنين متميزة بقابلياتها واستعداداتها للتعلم، وقد وهبها الله عز وجل نفساً حرة عفيفة طاهرة وقلباً سليماً زكياً ورزقها فطنة وذكاء، وعقلاً رشيداً أهَّلَّها لمستقبل سعيد.

إنتقاء

روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لأخيه عقيل وكان نسَّابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم:أنظر لي إمرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً فقال له تزوج أم البنين الكلابية فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها فتزوجها.

خطبة وزواج

مضى عقيل بن أبي طالب في مهمته بأمر أخيه أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى ورد بيت حزام بن خالد الكلابي ضيفا على فراش كرامته وكان خارج المدينة،فرحب به ونحر له النحائر وأكرم مثواه غاية الأكرام،وكانت عادة العرب لا يسألون الضيف عن حاجته إلا بعد ثلاثة أيام الضيافة.

فلما انقضت وجاء اليوم الرابع جاء حزام إلى عقيل بن أبي طالب وجلس إلى جانبه وخاطبه بكل تأدب وتبجيل قائلاً هل من حاجة فتقضى أو ملمة فتمضى من مال أو رجال فنحن رهن أشارتكم فقال له عقيل جئتك بالشرف الشامخ والمجد الباذخ،فقال حزام وما هو يا بن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال جئتك خاطباً قال من لمن؟.قال عقيل أخطب ابنتك الحرة فاطمة أم البنين إلى يعسوب الدين والحق اليقين وقائد الغر المحجَّلين وسيد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليهما السلام) بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

فلما سمع حزام هش وبش ثم قال بخ بخ بهذا النسب الشريف والحسب المنيف لنا الشرف الرفيع والمجد المنيع بمصاهرة ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبطل الإسلام وقاسم الجنة والنار،ولكن يا عقيل: أنت جد عليم ببيت سيدي ومولاي،أنه مهبط الوحي ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة وأن مثل أمير المؤمنين ينبغي أن تكون له امرأة ذات معرفة عن علم وآداب في ثقافة وعقل مع أخلاق حسنة حتى تكون صالحة لشأنه العالي ومقامه السامي، وأن ابنتنا من أهل القرى والبادية وأهل البادية غير أهل المدينة ولعلها غير صالحة لأمير المؤمنين عليه السلام.

فقال عقيل يا حزام أن أخي يعلم بكل ما قلته وأنه يرغب الزواج بها ،فقال حزام إذاً تمهل حتى أسأل عنها أمها أ تصلح لأمير المؤمنين(عليه السلام) أم لا؟،فإن النساء أعلم ببناتهن من الرجال في الأخلاق والآداب،فتم الزواج المبارك من سيد الوصيين وقائد الغر المحجلين أمير المؤمنين علي(عليه السلام).

في بيت أمير المؤمنين(عليه السلام)

في ظل أحزان وذكريات لأهل البيت(عليهم السلام) دخلت السيدة أم البنين دار أمير المؤمنين (عليه السلام) فكانت المرأة المواسية والمخففة لآلام وأوجاع قلوب أيتام الزهراء (عليها السلام) فلم يشعروا معها بشعور زوجة الأب ولا فضلت أولادها عليهم،فكانت تشعرهم بأنها خادمة لهم راعية لشؤونهم وعلى هذه الروحية ربت أولادها الأربعة ومواقفهم وأقوالهم وأفعالهم يوم عاشوراء توضح هذه الحقيقة بشكل جلي،..وقالت يوما لأمير المؤمنين (عليه السلام) يا أبا الحسن:نادني بكنيتي المعروفة أم البنين ولا تذكر اسمي فاطمة فقال لها الإمام (عليه السلام) لماذا؟،قالت أخشى أن يسمع الحسنان فينكسر خاطرهما ويتصدع قلبهما لسماع ذكر اسم أمهما فاطمة..فأي امرأة جليلة مؤمنة صابرة صالحة وقور هذه المرأة ،لذا صار لها جاه عظيم وشأن كريم عند الله جل وعلا وعند رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الغر الميامين(عليهم السلام) فما توجه إنسان إلى الله العلي العظيم وسأله بحقها إلا قضيت حاجته ما لم تكن محرمة أو مخالفة للمشيئة الإلهية..ولذلك أحبها الناس غاية الحب،وآمنوا بكراماتها.

بعد واقعة الطف

ومن المعروف أن أم البنين(عليها السلام) كانت في المدينة أثناء واقعة الطف وبعدها،فلمّا نادى بشير بن حذلم في المدينة وأخبر النّاس بقتل الإمام الحسين (عليه السلام)،لم تبق في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلّا برزن من خدورهنّ،ضاربات خدودهنّ،وضجّت المدينة ضجّة واحدة..يقول الراوي: ومن جملة من خرجن من المخدّرات أمّ البنين زوجة أمير المؤمنين عليه السلام ،وعلى كتفها طفل العبّاس عليه السلام ، حتّى دنت من بشير تسأله عن الحسين عليه السلام ، يقول بشير: رأيت امرأة كبيرة تحمل على عاتقها طفلاً وهي تشقّ الصفوف نحوي استقبلتني قائلة: يا بشير أعندك خبر عن الحسين عليه السلام ؟! قلت: نعم، ولكن أخبريني أنت أوّلاً من أنت لكي تسأليني عن الحسين عليه السلام ؟ قالت: يا بشير أنا أمّ البنين أنا أمّ أبي الفضل العبّاس، فعلمت أنّها ذاهلة، فأشفقت عليها، وخفت أن أخبرها بأولادها مرّة واحدة، فقلت: يا أمّ البنين- على الخبير سقطتي- أمة الله عظّم الله لكِ الأجر بولدك جعفر، قالت: يا بن حذلم وهل سمعتني سألتك عن جعفر؟ أخبرني عن الحسين، قلت لها: يا أمّ البنين عظّم الله لك الأجر بولدك عثمان، قالت: يا بن حذلم أخبرني عن الحسين، قلت: يا أمّ البنين عظّم الله لك الأجر بولدك عبد الله، قالت: يا بن حذلم قلت لك أخبرني عن الحسين، فقلت لها: يا أمّ البنين عظّم الله لك الأجر بولدك أبي الفضل العبّاس،لمّا سمعت بذكر العبّاس وضعت يدها على قلبها ثمّ قالت: يا بن حذلم لقد قطّعت نياط قلبي أخبرتني بقتل أربعة من أولادي ولكن إعلم أنّ جميع أولادي ومن تحت السماء فداء لأبي عبد الله الحسين، يا بشر أخبرني عن الحسين، عند ذلك قال لها: يا أمّ البنين عظّم الله لكِ الأجر بالحسين، فلقد خلّفناه بأرض كربلاء جثّة بلا رأس، عند ذلك صاحت: وا ولداه وا حسيناه..”،ولمّا دخلت على زينب (عليها السلام) صاحت زينب (عليها السلام) بوجهها وا عبّاساه، فصاحت أمّ البنين: وا حسيناه..ولما رجعت نساء أهل البيت (عليهم السلام) من كربلاء إلى المدينة أقمن العزاء في بيتها,لأنها لم تحضر كربلاء وحزنها لم ينقطع على الحسين وإخوته (عليهم السلام) وكانت تذهب كل يوم إلى البقيع ترثيهم بتفجّع حتى ان مروان على قساوة قلبه كان يبكي لرثائها,وكانت تخاطب النساء اللائي ينادينها أم البنين:”لا تدعونّي ويكِ أم البنين …” ولم يخبأ أنينها حتى فارقت الدنيا بلوعة.

عن أبي جعفر (عليه السلام):”..وكانت أم البنين أم هؤلاء الأربعة الإخوة القتلى تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها, فيجتمع الناس إليها يسمعون منها, فكان مروان يجيء فيمن يجيء لذلك,فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي”.

ويستفاد من إيمانها وتشيعها من أن بشر بن جلذم بعد وروده المدينة نعى إليها الأربعة من أولادها قالت: قطعت نياط قلبي, أولادي ومن تحت الخضراء كلهم فداء لأبي عبد الله الحسين عليه السلام.

وفاتها (عليها السلام)

توفيت أم البنين(عليها السلام)في الثالث عشر من جمادى الآخرة كما أسلفنا،ولكن السؤال المتبادر هنا أ قتلت ام لا؟ وبخاصة وان مؤامرات الاعداء الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر من الحزب الأموي نالت الكثير من المخلصين..ومن هنا لا نعلم شيئاً عن سبب وفاة السيدة أم البنين،مع العلم بأنها كانت تفضح بني أمية الذين قتلوا الحسين (عليه السلام)…وقد اسس معاوية جند العسل كما هو معروف وقد قتلوا مالك الأشتر (رضوان الله عليه) وكثيراً من الأبرياء بالسم حتى صار عادة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.