گرابيت : أرمني وحيد ، إستوطن بلدة الشطرة ، وعاش حتى مات فيها

غلهعغحهع

ليس في الحسبان،آن سبعة واربعين عاماً* بأيامها الطويلة سترحم هذه الذكرى التي تاهت في صحراء الفكر الهرم وغمرة البال المشغول . حتى عادت مرة أخرى تبلل الذاكرة برفقٍ مثل وكف المطر . منذ ليالٍ قادتني تأملاتي حول وعورة الزمان وقحط المكان قوداً بطيئاً للقياها . قبل كل هذه السنين،كنت انئذٍ في الثامنة من عمري،صبياً نجاراًٍ،اعمل في السوق . سرعان ما تفتحت مداركي ، لاجد نفسي عالقاً في هذه الورطة الكبيرة التي نسميها الحياة .. لم يكن مكان عملنا مكاناً بالشكل الصحيح،إنما كان خاناً من خانات الحنطة والشعير، مفتوحاً من عدة جوانب على السوق القديم . وفي جهةٍ من هذه الجهات ، كانت هنالك بضعة دكاكين ، لا تجلب النظر ، ولا تجلب الرزق الكثير . تغوص أطرافها السفلى في الأرض ، فيما تدنت سقوفها ، ورغم وفرة الضوء في ذلك المكان فقد كانت هذه الدكاكين تبدو معتمة على الدوام . وابهج ما يمكن أن يتاح للمرء رصده هنا هو منظر العشب الذي يغطي سطوحها في الربيع . في واحدٍ من هذه الدكاكين الشائخة في العمركنت اعمل بجوار دكان ، لا أستطيع أن اسميه دكاناً وحسب! .

يغص المكان بعشرات الحمالين،وعرباتهم وشجارهم الذي لا ينقطع ، والحلف باغلظ الإيمان واتهاماتهم الزائفة . مثلما يغص بالروائح الغريبة المعربدة ، التي لا تمتزج في رأسي أبداً .. تظل تفوح حرة وكريهةً .. ومن بينها جميعاً سأبقى محتفظاً برائحة أكياس الخيش التي تمنحني كثيراً من المعاني .. هذه الرائحة الطيبة والأليفة جداً والمشربة بالحنين العميق .

(كرابيت) صاحب دكان ، مخلوق فاره القوام ، ضخم الجثة كوحيد القرن . ولم يكن بمقدوري استساغة فكرة أن يكون رجلاً بمثل هذا الحجم رجل حانةٍ ، بقدر ما يمكن أن يكون بحاراً مغامراً أفاقاً يجوب المرافىء تحت سحابة دخان غليونه الكبير .كان وحيداً تماماً .. وحيداً بلا منافس . وكنت اعجب كيف فكر المهاجر في الوصول إلى هذه البلدة النائية؟؟ .. ربما لانها يمكن ان تكون ملاذاً لغريب طيبٍ ونبيل مثله وتغمره بعطفها . ولم اره في يوم من الايام رجل حانةٍ هشاً مطاوعاً ، او صاحب صنعةٍ فاتراً ، بل كان رجل عملٍ حازماً ، يعرف كيف يقفو احاديثه بابتسامةٍ او نظرةٍ صارمة .

ظل محافظاً طوال حياته على طريقته الغربية في الجلوس او الوقوف ببدلته الرمادية الجميلة وقميصة الأبيض النظيف ، يده اليسرى في جيب السروال حاملةً جزءاً من ذيل السترة . وماكان يرفع رأسه بتعالٍ أو تحدٍ كما يفعل البعض ، لكنما حركة رأسه الكبير ، وعيناه الحمراوان الساكنتان ، يوحيان بالشجاعة والإعتداد وبالثقة الراسخة ..

يجلس في دكانه خلف دكةٍ عالية خالية من أي شيء , سوى المذياع الخشبي الكبير ذي الصوت الخافت ، الذي لا يرفع عقيرته عاليا إلا صوتاً نسائياً خلاّباً ينبثق من أعماق الأدغال ، تاركا أوراق النبت تصطفق خلفه ، ساعتها تهتز روح ( كرابيت ).

قلت ان تاملاتي في الزمان والمكان أرشدتني إلى هذه الذكرى الطيبة ، ذلك لان ( كرابيت ) كان بالنسبة الي رجلاً على شاكلة الرجال الحقيقيين الذين يصعب العثور عليهم هذه الايام ، من ذلك النمط الذي يلوي عنق الزمان والمكان ويجعله طوع مزاج حياته وايماضها ، فعاش كما لو انه هناك.. هناك في تلك البلاد البعيدة ، طائراً منتشياً تحت غيومها السكرى !..

وقد ذهبت إلى القول أيضاً ، انه رجل عملٍ حازم ، تستطيع أن تمازحه بكل أشكال المزاح ، ولكن اياك ان تمس عنوان مهنته ، كان حساساً لهذا الامر الى درجة الهيجان . وتخيل اذا هاج وحيد القرن .. فلسوف تلقاه بالف قرنٍ ..

وحدث عصر يومٍ قائظ ، ساكنٍ ، إن كان يوحي بشيءٍ ، فلا يوحي الا بان الزمن مقفول قفلاً محكماً .. كان ( كرابيت ) يجلس على كرسيه الثقيل أمام دكانه ، بلا سترةٍ ، والتي نادراً ماكان يخلعها ، ماداً ذراعيه على طول المسندين ، ورامياً بكامل ثقله الى ظهر الكرسي الخشبي . وعيناه اصطبغتا بلونٍ احمر..

يتعمد ان يناديني دائماً باسم أبي ، رغم اعتراضي على ذلك وتنبيهي المتكرر له ، وفي الحقيقة لم تكن لهذا الرجل طلبات كثيرة.

 

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.