تحديات مهرجان تطوان الدولي للسينما

هحهخحهخ

بين 28 آذار و4 نيسان 2015، تُقام الدورة الـ 21 لـ “مهرجان تطوان الدولي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسّط”. دورة جديدة لمهرجان يُراد له أن يكون واجهة مدينة مغربية تُعدّ “عاصمة الإبداع” في مقاطعة طنجة، وتوصف بأنها أكثر المدن المغربية “أندلسية”.ويواجه المهرجان تحدّيات جمّة، معظمها محليّ. الصراعات السينمائية في المملكة المغربية معروفة. حدّتها لا تقلّ قسوة عن أنماط أخرى من الصراعات. مع هذا، يجد مهرجان تطوان نفسه في موقع الـ “متشدّد” في تنظيم دورات سنوية له وإن في ظلّ احتدام الصراعات هذه، والساعي الدائم إلى امتلاك استقلالية ما، أو محاولة امتلاك استقلالية كهذه، تجنّبه مناكفات حُسّاد.المهرجان بحدّ ذاته مُطالَب، على الرغم من الظروف الصعبة، بتطوير بنيته وآليات عمله واختياراته. الدورة الجديدة هذه تحاول أن توازن بين عروض ومسابقات وتكريمات، وأن تمنح للنظريّ مكاناً في نشاطاتها اليومية. التكريمات معقودة على شخصيات سينمائية فاعلة في المشهد المغربيّ أولاً، كما في المشهدين العربي والغربي. رحيل البعض يدعو المهرجان إلى إيجاد حيّز لمن يغيب: المخرج الإيطاليّ فرانشيسكو روسّي (15 تشرين الثاني 1922 ـ 10 كانون الثاني 2015) أبرزهم. الممثلان المصريان فاتن حمامة (27 أيار 1931 ـ 17 كانون الثاني 2015)، وخالد صالح (23 كانون الثاني 1964 ـ 25 أيلول 2014): “يعدّ المهرجان استحضارهم واجباً ومسؤولية تجاههم، هم الذين وضعوا ثقتهم فيه، وكُرّموا في دورات سابقة له، وهم الذين أثروا الخزانة السينمائية الإنسانية بأفلام وأدوار خالدة”. أما من الأحياء، فهناك الفنانة المغربية ثريا جبران، والممثل المصري أحمد عزّ.هذا كلّه حسنٌ. فعلى الرغم من عدم خروج فعل التكريم عن الصورة التقليدية له (كعرض أفلام للمُكرَّم)، إلاّ أن عملية اختيار المحتفى بهم تبقى نتاج مزاجية مسؤولي المهرجان ومنظّميه. اللافت للانتباه في الدورة الـ 21 هذه، اختيار موضوع الندوة. المهرجانات السينمائية العربية مولعةٌ بالندوات.
تختار إداراتها عناوين تظنّ أنها جاذبةٌ لضيوفها وزوّارها، فإذا بالصالات المنعقدة فيها تبقى شبه خالية إلاّ من بعض الضيوف “المحرَجين” من مضيفيهم، غالباً. عنوان ندوة هذا العام في تطوان مهمّة: “السينما والمدينة والبيئة”، يُشارك فيها خبراء ومتخصصون: جورج أوراثيا (إسبانيا)، وجيل كوردير (فرنسا)، ولوتشيانو سيفيني (إيطاليا)، وفريد الزاهي وعبد الواحد المنتصر (المغرب). مدير المهرجان أحمد حسني يكشف نصّ ورقة العمل الأساسية المُعدَّة من “أصدقاء السينما في تطوان” (الجمعية المنظِّمة للمهرجان). تقول الورقة إن السينما “لم تدر ظهرها يوماً للأخطار التي تهدّد مستقبل الأجيال المقبلة، بعد ارتفاع الأصوات في مختلف أنحاء العالم، مُحذّرةً سكّان كوكب الأرض من مغبّة استنزاف ثروات المعمورة، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، والقضاء على الثروتين الحيوانية والنباتية”. من هنا، “يبدأ الحديث عن السينما والبيئة، ويستحضر مفهوم التنمية المستدامة بأبعاده الثلاثة: العدالة الاجتماعية، والنجاعة الاقتصادية، والجودة البيئية”. تُضيف الورقة: “لم تكن السينما قطّ مجرّد وسيلة للترفيه المجاني، بل إنها استنفرت وسائلها وفاعليها وجمالياتها وبلاغتها الخاصة بنشر الوعي البيئي والتحسيس بأهميته”، و”حرصت منذ بداياتها على التعبير عما يخالج النفوس من آمال ومخاوف في مختلف الحقب، بحيث طرحت نفسها أداة تأويل الواقع”. تذكّر الورقة “أن السينما ظهرت إلى الوجود مع ميلاد المدينة الحديثة، وأنها ما انفكت تواكب تطوّرها العمراني بالرصد والتحليل، مساهمة بشكل أو بآخر في خلق نوع من الوعي السوسيولوجي”.كلامٌ كثيرٌ مذكورٌ في ورقة العمل. لكن أسئلة قليلة يُمكن طرحها، أولها متعلّق بربط السينما بالـ “قضايا” الكبيرة فقط، والتغاضي عن أنها، فعلياً، “وسيلة ترفيه مجاني” أيضاً. أهمية السينما كصناعة أفلام كامنةٌ، من بين أمور عدة، في قدرتها على تحصين نفسها من الوقوع في التنظير الإيديولوجي، لأنها فنّ وصناعة وتجارة وأعمال ووسيلة تسلية. أهمية السينما كامنةٌ أيضاً في ضرورة تحرّرها من المباشَرة في طرح الـ “قضايا” المتنوّعة.
ورقة العمل انعكاسٌ لأحد المآزق الإنسانية العامّة، ومحاولة لقراءة مفهوم العلاقة بين السينما والبيئة والمدينة. السينما، هنا، لن تكون حكراً على نوع واحد، لأن أفلاماً وثائقية وأخرى روائية تغوص في أعماق هذه العلاقة، وتطرح أسئلتها. التشديد على الجماليات السينمائية أمرٌ حيويّ ومطلوب، يُفترض به أن يستكمل آليات المعالجة الدرامية للمسائل كلّها.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.