نقاد على هامش مؤتمر الرواية العربية: الرواية لم تعد عملا إبداعياً قائماً على الحدث والحكي

تاخهخهع

اختتمت فعاليات ملتقى القاهرة السادس للرواية العربية في القاهرة، والذي عاد بعد توقف دام خمس سنوات، حيث كانت آخر دوراته عام 2010، منح الملتقى جائزته السنوية للروائي المصري الكبير “بهاء طاهر”، وشارك فيه نحو 250 كاتبًا عربيًا ما بين نقاد وروائيين وأكاديميين، حملت دورة هذا العام شعار (تحولات وجماليات الشكل الروائي)، وتوزعت أعمال المؤتمر بين الأوراق البحثية والنقدية وشهادات الروائيين والقضايا التي تطرحها الرواية.
الأوراق البحثية
تنوعت القضايا التي طرحها الباحثون والنقاد حول الرواية بين العرض النظري والتطبيقي على نماذج من الروايات العربية، سواء كانت قديمة أم حديثة، تفيد من موضوع البحث أو تعتمد تقنيات جديدة معينة، من هذه الأبحاث الورقة التي قدمها الناقد الكبير “إبراهيم فتحي” عن “تطور التقنيات الروائية في مصر” مستعرضًا تاريخ الرواية منذ بدأت كلاسيكية واقعية عند “نجيب محفوظ”، مرورًا بالطفرة الكبرى التي حدثت مع روائيي الستينيات مثل “جمال الغيطاني” و”صنع الله إبراهيم” وغيرهم ومحاولاتهم للاستفادة من التراث مرة ومن الوثائق الحديثة مرة أخرى، حتى وصلنا إلى العصر الحالي الذي شهد وجود حالات من التشظي والتجريد والفانتازيا في الكتابة الروائية تجلت عند “إبراهيم عبد المجيد” و”عز الدين شكري”، وحملت سمتًا مغايرًا ومختلفًا عند “طارق إمام” و”أحمد عبد اللطيف” وغيرهم.في حين عرض الناقد والمترجم “حامد أبو حامد” لتطور التقنيات الروائية كما رصدها على مستوى العالم؛ إذ رأى أن الرواية لم تعد عملًا إبداعيًا قائمًا على الحدث والحكي فحسب؛ بل لجأ الكثير من الروائيين إلى الاعتماد على تقنيات جديدة معقدة، ذكر من تلك التقنيات: الاهتمام بما وراء التفاصيل الصغيرة (مثل ما قدمه ساراماجو في رواية “كل الأسماء”)، وتقنية “الحتمية” في تناول الشخصيات؛ حيث لم يعد المهم هو مصير الشخصية أو المصادفات التي تتعرض لها أثناء سرد الأحداث، ولكن القارئ يتعرف على الحدث الرئيس ثم تبنى الرواية كلها بعد ذلك.كذلك رصد الرواية بوصفها “لعبة”، والتي برع فيها “خوليو كورتاثر الذي يتناول فيها الروائي شخصيات بالغة الغرابة. كما تناول عدد من النقاد والباحثين إشكاليات “القمع والحرية” في كتابة الرواية العربية، فتناول الناقد “شوقي يوسف” تصوير “مذابح الأرمن” في روايات كبار كتاب الرواية مثل “عبد الرحمن منيف” (مدن الملح)، و”غائب طعمة فرمان” في (النخلة والجيران)، و”نهاد سيريس” في (رياح الشمال)، وغيرهم من الروائيين الذين وجدوا في هذه الموتيفة رؤية جديدة في مواجهة القمع والعنف الذي وقع على هذا الشعب الأعزل، وترميزًا للمقاومة التي وقعت على شعوبٍ عربية شبيهة بذلك مثل الشعب الفلسطيني في فلسطين والهنود الحمر في أمريكا والجزائريين في الجزائر!.كما تناولت عزة بدر رواية (حكاية تو) للروائي “فتحي غانم” التي كشفت الستار عما كانت تمارسه السلطة من قهر على نخب المثقفين في مصر، وكيف كان دور المثقف منذ ثورة يوليو 1952 مؤثرًا وفاعلًا؛ إلا أنه كان يتعامل مع سلطة سياسية قامعة لا تستمع إليه ولا تتركه يعبر عن نفسه، كما تناولت “عزة كامل” رواية رضوى عاشور “فرج” في نفس السياق؛ حيث عدّتها تسجيلًا أمينًا لجيل عاش يحلم بالحرية وتحطمت أحلامه تلك على صخرة الواقع السياسي الغارق في الاستبداد والفساد والقمع، والمجتمع الذي يغلفه القهر والتخلف! ولم يكن ذلك في رواية فرج فحسب؛ بل أشارت الباحثة إلى أن ذلك تم رصده كثيرًا في أعمال صنع الله إبراهيم وبهاء طاهر وإبراهيم أصلان وغيرهم.
الإلتفات إلى ظواهر تجريبية جديدة
قدّم الروائي الإرتري “حجي جابر” ورقة بحثية لاقت الكثير من التعليقات حول إمكانية كتابة الرواية باستخدام وسائل التواصل الحديثة “تويتر نموذجًا”، فقد تحدث عن تجربة عربية قام بها الروائي الإماراتي “عبد الله النعيمي” حينما كتب تغريدات على تويتر وجدت بعض التفاعل مما شجعه على تجميعها ونشرها على هيئة رواية سماها (اسبريسو)، ولكن الرواية لم تأتِ متماسكة كما ينبغي ولم تلق النجاح والرواج المتوقع لها؛ إلا أن الجدير بالذكر أن هذه التجربة مختلفة في الغرب؛ إذ برزت نماذج كثيرة حققت نجاحًا كبيرًا كما اتسمت بالفرادة والإبداع في خلق نوع من التوأمة بين وسائل الإعلام والعمل الروائي، من تلك النماذج ما كتبه (هيو هاواي) بعنوان (وول) حيث كتب تغريدات تم تجميعها في كتاب مكون من 60 ألف كلمة، وكذلك ما فعلته “جنيفر إيفن” التي كتبت رواية اسمها (الصندوق الأسود) بدأتها بتغريدات على تويتر تابعها مئات الآلاف ثم قامت بجمعها في رواية، وكان النموذج الأكثر فرادة لـ”إليوت هول” الذي أنجز على تويتر رواية بعنوان (الدليل) وبقيت الرواية على شكل تغريدات في تويتر حتى الآن!.كما أشار الناقد والروائي (أشرف الخريبي) إلى دور وسائل التواصل الحديثة على الإنترنت في إتاحة الفرصة للكتابة المرسلة -كما وصفها- وعرض أجناسًا أدبية غير حقيقية وجعل الكتابة تتم في أجواء تفاعلية دون اعتبارات للجنس الأدبي؛ إلا أن ذلك ساهم من جهة أخرى في نشر العديد من الأشكال المختلفة للكتابة، كما ظهرت العديد من المواقع المتخصصة في الكتابة الأدبية والفنية والتي لا تسمح لغير هذه الكتابة المنضبطة بالولوج إلى هذه المواقع والمشاركة فيها؛ مما خلق بينهم نوعًا يمكن أن يعدّ بمثابة “الورش الأدبية” التي يتبادل فيها عدد من الكتاب آراءهم فيما يكتبونه ويخرجون بحصيلة لغوية وأدبية جيدة.
روايات حاضرة وروائيون غائبون!
كان لرواية “شوق الدرويش” حضور لافت في مؤتمر الرواية، بالرغم من أن الرواية صادرة حديثًا نسبيًا، في عددٍ من جلسات المؤتمر ما بين نقاش وتناول ونقد، فقد حوى المؤتمر عددًا من الأوراق اختصت بدراسة رواية “شوق الدرويش” للسوداني (حمور زيادة)، المرشحة على القائمة القصيرة لبوكر هذا العام، فقد عرض الدكتور “عبد الرحمن حجازي” رؤية للرواية التاريخية مقارنًا بين رواية “كوكو سودان كباشي” لـ “سلوى بكر” ورواية “شوق الدرويش” لحمور زيادة؛ حيث رأى أنهما يتفقان في استخدام الأحداث التاريخية كخلفية لأحداث روائية متخيلة، وأنهما اعتمدا على تلك الوقائع التاريخية (الحرب الأهلية المكسيكية التي خاض غمارها الجيش المصري المتألف من الجنود المصريين والسودانيين والنوبيين) في رواية سلوى بكر، وأحداث الثورة المهدية التي قامت ردًا على مظالم الحكم التركي المصري في السودان في رواية “حمور زيادة”.من جهة أخرى، تناول الباحث الأستاذ “عزوز علي إسماعيل” رواية شوق الدرويش مركزًا على استخدام الكاتب للتراث فيها، حيث أشار إلى محاولته الربط بين التراث الديني والصوفي من خلال التاريخ، متخذًا منهم جميعًا طريقه للمتخيل السردي في الرواية، وهكذا جمعت الرواية بين التراث والتاريخ، بينما تناولت الكاتبة “أمينة زيدان” رواية شوق الدرويش بمقارنة لغتها بلغة رضوى عاشور في روايتها التاريخية أيضًا (الطنطورية)، حيث لاحظت أن في الروايتين إيقاعًا سرديًا منتظمًا يسعى إلى جعل الرواية في كل منهما أقرب ما تكون إلى السيرة الشعبية لأبطالها أو الملحمة، حيث جاءت اللغة محكمة أيضًا وجاء الحوار محملًا بثقل وعمق لغة البسطاء الذين عبرت عنهم الروايتان كقوى تمنح الحوار أكثر من وظيفة بحيث لا يجد القارئ فقرة حوارية مجانية، وإنما هي محملة بمعلومات ومشحونة بمشاعر إنسانية وعواطف مركبة، وفيما يتعلق “بإعادة بناء التراث” قدمت د.منى طلبة قراءتها لرواية “شوق الدرويش” مقارنة برواية “رحلة الضباع” لسهير المصادفة، ورصدت في كلتا الروايتين حالة استخدام واستغلال النصوص التراثية في تجربة روائية معاصرة والاستفادة من ذلك، وكيف تم توظيفه بنجاح في الروايتين بحيث استطاعا أن يقدما من خلال النص التراثي رؤيتهما المتعلقة بالحاضر. هذا بغض النظر عن مشاركة “حمور زيادة” بنفسه في عددٍ من جلسات المؤتمر النقاشية ومساهمته بشهادة مهمة عن تجربته في الكتابة، تحدث فيها عن أنه يكتب لكي يتواصل مع العالم، مؤكدًا أثر حكايات جدته في جعله شغوفًا بعالم الحكايات والأساطير التي كانت تحكيها له وتناغمها حتى اكتشف سحرها وأصبح كل ما يصبو إليه هو أن يحكي حكايات ممتعة وشيقة كما كانت تفعل! يقول أيضًا: (في عالمٍ لا يؤمن إلا بالقوة، لايمكننا أن نحتقر الحكايات، الحكايات ربما لا تنسف الجبال، الديناميت يفعل، لكن الحكايات تنخر الجبال..).
شهادات روائية مميزة
كان من أبرز ندوات المؤتمر تلك الندوات التي حوت شهاداتٍ لعدد من الروائيين، وبرغم انتقاد عدد من الحاضرين لوجود عدد كبير من الشهادات في وقت قصير (6 روائيين في ساعتين) وكون تلك المدة لا تكفي لكي يتعرض الكثير من الروائيين لتجربتهم كاملة؛ إلا أن الشهادات حازت على إقبال العدد الأكبر من الحضور، وقد تفاوتت تلك الشهادات بين الروائيين، فوجدنا من يتحدث عن تجربته في الكتابة بشكل بانورامي محايد ومن يتعرض لتناول الآخرين لفكرة الكتابة والرواية، وبين من يعرض نصًا إبداعيًا يتناول علاقته بالكتابة والمجتمع، وبين من يطرح أيضًا قضية كبرى مؤرقة ويرى أنها كانت دافعه الدائم للكتابة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.